في المستقْبَل

أذكر منذ أعوام طويلة أنني كنت أقود عربتي على إحدى الطرق السريعة التي لم أعتد سلوكها، وقد ظهر مطلع جسر أمامي على الناحية اليسرى، ولحظت مسارًا عاديًا إلى يميني، إضافة إلى لافتة عند المُفترَق مكتوب عليها بأحرف عريضة: "المستقبل تحت الكوبري". المراد تنبيه العابرين المتوجهين إلى المنطقة المذكورة كي يلتزموا الطريق السطحية، والقصد مفهوم ولا شك؛ لكن المفارقة التي تضمنتها الكلمات جاءت داكنة شديدة السخرية؛ وقد أغرقتني في الضحك حتى اندهش الراكبون بصحبتي، وظللت من ساعتها أذكر اللافتة وأسترجِع محتواها بين الحين والآخر ثم أعاود الابتسام؛ دون أن يجد مَن حولي سببًا.

يُقال ما غامت ملامح الآتي وتعكرت الرؤية وعمَّ القلق النفوس: “إن غدًا لناظره قريب“. الحِكمة العربية تدعو للصبر وتؤكد ألا داعي للاستعجال ولا ضرورة للشعور بعدم الارتياح؛ فالمسافة قصيرة والكشف عن المحجوب لن يستغرق زمنًا طويلًا، والحق أن الرغبة في استطلاع المستقبل لا تتعلق بالمعرفة المُجرَّدة وحسب؛ إنما باتخاذ ما يلزم من تدابير؛ والحال أن العاقلين يحسبون الآتي ويخططون له؛ بينما يترك الساهون والغافلون مستقبلهم بأيدي آخرين.

***

كثيرًا ما نستخدم الأمثولة الشعبية التي تقول: “يا خبر بفلوس بكره يبقى ببلاش“؛ وهي تدعو بدورها للانتظار والتريث، فالمستقبل كفيل بكشف كل مكنون مستور، وجعله مشاعًا على الألسنة؛ لا سيما والخبر الغامض يجد ألف من يبحث وراءه، فإن لم يتوصل الباحث إلى أصله؛ اخترع ما يشفي فضوله وفضول الناس، وتكفل الناس أنفسهم بإضافة التفصيلات التي تزيد الإثارة وتُشبِع نَهم الثرثرة.

***

ثمَّة بذورٌ صغيرة تبقى كامنةً في الظل، تنمو ويتضخم حجمُها دون أن يدري بها أحد؛ ثم إذا بها تنفجر صانعةً دويًا عاليًا يسمعه الجميع ويرى أثره وإن لم يهتم، وفي الحثّ على التروي إلى أن يقع الانفجار وتتضح الأمور المخفية، يقال: “بكره نقعد جنب الحيطة ونسمع الزيطة“. الزيطة في العادة إشارة لوجود ما يسوء؛ شيء أقرب إلى الفضيحة التي يدرك الحَدس جسامتها، وسواء كانت مُتوقَّعة أو مفاجئة، فإنها تلفت الانتباه وتجبر الآخرين على الحديث عنها.

***

في أنشودة “يا مصر يا غالية” يتلو محمود ياسين بعضَ الأبيات من أشعار أحمد شوقي وحافظ ابراهيم، بينما تغني وردة كلمات حسين السيد على ألحان محمد عبد الوهاب. يقول ياسين في أحد المقاطع: “إنما مِصر إليكم وبكم وعصركم حُر، ومستقبلكم بيمين الله خير الأمناء .. فاطلبوا المَجْدَ على الأرض؛ فإن هي ضاقت فاطلبوه في السماء“. تحملُ العباراتُ على إيجازها مشاعرَ مُختلِطة وكثيفة؛ فالوطن بأهله وناسه؛ ولا يكون أبدًا كيانًا منعزلًا عنهم أو مُستقل، والحرية شرطٌ مُقرَّر سلفًا، أما العقبات؛ فلا تُوقِف المسيرَ ولا تمنع عزيزَ النفس، فتيَّ الإرادة، عن نوال الرفعة والمجد؛ ولو كان الثمن باهظًا.

***

بعضُ الناس تستهويهم فكرةُ استكشاف المستقبل. من النساء من يبحثن عمن محترفي تفسير فنجان القهوة، ومن يقصدن ضارِبات الوَدَع ومطالعات الكفَّ ومن أشهر العبارات المُستخدَمة في هذا النطاق: “أبيَّن زين أبيَّن“. يأتي بعد ذلك دور كبار العرافين والعرافات الذين يجيدون إدارة موهبتهم في إقناع الناس بقدرات غير عادية، ويجمعون بمقتضاها أموالًأ طائلة. على كل حال؛ هناك من يأخذ المسألة على مَحمَل الجَد، ومن يرفضها مدفوعًا بالمأثور الديني: “كذب المنجمون ولو صدقوا“.

***

قد يتوقَّف الأمر على معرفة المكنون في الحاضر دون النظر إلى المستقبل، وفي فيلم “رصاصة في القلب” يغني عبد الوهاب: “ما تعرفيش إني أقدر أقرا أفكارك ومن عنيكي أقدر أقول لك كل أسرارك؟” لتجيب راقية ابراهيم في مشهد غنائي بديع: “طيب اقرا لي اللي في قلبي واحكي لي عليه“. يستطيع مرهفو الحس رقيقو الأحاسيس استشفاف ما يبطن الآخرون، وتلك ملكة لا تتاح إلا للقلة، وقد تصبح مبعث إنهاك نفسي وتنغيص. الفيلم عن قصة لتوفيق الحكيم وقد عرض في الأربعينيات ولم يزل حاضرًا على الشاشة الصغيرة قريبًا من الوجدان.

***

كتب مصطفى صادق الرافعي “اسلمي يا مصر” على خلفية أحداث ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر، وقد اعتُمِدَت الكلمات رسميًا ووضع ألحانها الموسيقار صَفَر علي، لتصبح النشيد الوطني لمصر في الفترة من ألف وتسعمائة وثلاثة إلى عشرين وحتى ألف وتسعمائة ستة وثلاثين؛ إلى أن ألغى الملك فاروق الاعتماد، وأعاد الصيغة الملكية: “سلام أفندينا“. لاحقًا غنى أيمن صفر علي اسلمي يا مصر، فجاء صوته الجهوريّ الفخم، الممتلئ بالحماسة؛ مصداقًا لقوة الكلمات وبأسها، أما مؤخرًا فخرجت علينا نسخة مشوهة مائعة من النشيد، تحرض السامع على الاستسلام بدلًا من أن تستنهض همته، والظن أنها تلائم المناخ العام، وتجد في ظله الترحيب.

***

في أيام الطفولة والصبا واظبت وكثير الأقران على شراء الأعداد الصادرة من سلسلة ملف المستقبل ورجل المستحيل. فضَّلَ بعض الرفاق أدهم صبري، بينما ملت دومًا لنور ورفاقه وما حملت سطور مغامراتهم من ألغاز وخيال، والحال أن الواقع في يومنا هذا قد تجاوز ما يمكن أن تتفتق عنه قرائح المؤلفين، وتحول مضمار الخيال العلمي إلى تحد حقيقيّ؛ وعلى غراره أيضًا مضى مضمار العبث واللا معقول فتبدت أعمال رواده عادية ساذجة، وإذا كانت التقدم التكنولوجي قد فاق تصورات الكتاب والفنانين؛ فمسرح السياسة قد امتلأ عن آخره بالعابثين اللاهين.

إقرأ على موقع 180  في اختيار الغريم

***

خلال عهود الوفرة والرخاء يوصَف المستقبل بأنه مُشرِق مزدهر؛ لكنه يوصَم في أوقات القحط والانحدار بكونه مظلمًا؛ والحال أن المُستقبَل اسم مفعول، وهو من ثمّ خاضعٌ للفاعل، مرتبط بفعله؛ إن امتلك أمره وشدَّ من عزمه؛ أنار الآتي ومهَّد الطريق، وإن بقيَ على حاله مستسلمًا متقاعسًا؛ لم يعد للإشراق محلٌّ.

***

توالت الوعود التي تتحدث عن تغيير هائل في نوعية الحياة وجودتها؛ شهر ثم ستة، سنة ثم ثلاث، ثم لم تعد للحسابات معنى. انتهى الأمر إلى واقع عدميّ؛ لا قيمة فيه للكلمة ولا مكانة للعهد، والظن أن الأفعال لا بد وأن تُترجِم الأقوالَ وتجسدها؛ وإلا فقد القائلُ ثقةَ الناس وتحول مسرح الجد إلى مهزلة؛ أفل عنها المستقبل وانطفأت الأضواء.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "فورين بوليسي": الصين لا تخشى ضغوط ترامب على إيران