تعرّفت “لبنى” على مُحِبَتِها القديمة

عندما فتحتُ باب السيارة لتنزل منه لبنى عبد العزيز أحسستُ أن واحدًا من أحلامي القديمة تحقّق، ونحن نعيش العمر كله لا نعرف متى تتحقق أحلامنا. كانت ترتدي معطفًا أحمر وتمسك بحقيبة حمراء، وكأن الله أراد أن تكون ورودي الحمراء منسجمة تمامًا مع طلّتها وأناقتها.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها لبنى عبد العزيز، المرة الأولى كانت قبل أربع سنوات عند توقيع مذكرات الكاتب الكبير محمد سلماوي بقصر عائشة فهمي في الزمالك، وكانت هي بين الحضور. يومها جئتُ مبكرًا فوجدت مقعدًا شاغرًا في الصفوف الأولى، وبالتدريج أخذ المكان يمتلأ وشُغلت كل المقاعد. نظرتُ ورائي دون قصد فوجدتُ لبنى تقف خلف باب خشبي- بديع النقش والألوان مفتوح على قاعة الاحتفال- تتابع في سكون ما يجري وتبتسم. ياااه مَن هذه التي تقف ونحن جلوس؟ هرولتُ إليها أدعوها لتأخذ مقعدي فشكرتني بلطف واعتذرَت، وقضيتُ ما تبقى من الاحتفال وأنا لستُ على بعضي.
تلك كانت مرتنا الأولى، أما مرتنا الثانية قبل عدة أيام فإنها تختلف جذريًا، فلقد كنت في استقبالها وهي في صحبتي، تتكئ على ذراعي وأنا في دائرة ضوئها، أختار مقعدي إلى جوارها وإيشاربها الصوف الأسود معي في الحفظ والصون، يجمعنا أكثر من كادر ونظهر معًا في أكثر من صورة، “إيه اليوم الحلو ده وإيه الناس الحلوة ديييييي”.. ترّن في أذني أغنية أحمد سعد المبهجة.

***

شارَكَت لبنى عبد العزيز في لجنة اختيار أفضل الأعمال الدرامية الرمضانية من منظور حقوق الإنسان، وهذا تقليد سنوي يحافظ عليه المجلس القومي لحقوق الإنسان منذ أحد عشر عامًا فليس أكثر من الدراما قدرةً على تحريك المشاعر والنفاذ مباشرةً للقلوب، ويوم السبت الماضي كان هو اليوم المخصّص للإعلان عن الأعمال الفائزة في مقر المجلس. وعندما جاءت لبنى في موعدها بالثانية – وهذه ملاحظة جانبية لكن لها معناها – فإنها كانت تتصوّر أن الأمر وما فيه هو فقط الاحتفال بإعلان النتائج. لم تكن تعلم أن المجلس سوف يكرّمها كعضو في لجنة التحكيم، ولا أنه سيكرّمها بشكل منفرد على مجمل عطائها الفني على مدار العمر. أما وقد فوجِئّت بتكريمها فلقد فاجأتنا جميعًا بدموعها.. ومضت لحظات بالغة التأثير كان يزيد فيها التصفيق فتنساب دموع لبنى، وتنهمر دموع لبنى فتشتعل القاعة بالتصفيق ويبلغ المشهد ذروته الدرامية عندما يقف الجميع احترامًا للفنانة الكبيرة ويتواصل التصفيق. تهمس لي وعيناها الخضراوان ما زالتا تمطران حبًا ودموعًا: مش كنتِ تقوليلي علشان أعمل حسابي!

***

DIGITAL CAMERA

من خلال خمسة عشر فيلمًا قدمتهم لبنى للسينما المصرية، جسّدَت شخصيات صارت علامات في تاريخ السينما المصرية، بعضها لكبار الكتاب أمثال علي أحمد باكثير وإحسان عبد القدّوس، ومنها ما أثار جدلًا واسعًا من حوله كشخصية أمينة في فيلم “أنا حرة“، فمن النقّاد من اعتبر أمينة تنتصر لحرية المرأة في الخروج والعمل والاختلاط وكسر التقاليد، ومنهم مَن رأى أمينة على العكس من ذلك تمامًا لأنها بدت لاهية عابثة، فقط عندما ظهر عباس في حياتها نضجت وانخرطت في النضال السياسي، وأدركَت أنه لا حرية للفرد في وطن محتّل. كثيرون أحبّوا شخصية سميحة في فيلم “الوسادة الخالية” عن وهم الحب الأول، وعلقت بأذهانهم جملتها الشهيرة وهي تهاتف حبيبها صلاح قائلة في وله شديد “ما قفلتش.. برضه ما قفلتش”.

أما على المستوى الشخصي، فلقد أحببت جدًا شخصية أمل في فيلم “رسالة من امرأة مجهولة” المأخوذ عن قصة الكاتب النمساوي ستيفان زفايج. استطاع سيد بدير تمصير الرواية الأجنبية بنعومة ورومانسية لا مزيد عليهما، أما الرسالة نفسها التي يدور حولها الفيلم فقد كتبها فتحي غانم.. تخيلوا معي كيف كانت السينما زمان وكيف كان يُكتَب السيناريو أيام زمان. يكتب فنان كبير مثل سيد بدير سيناريو الفيلم كله، ويترك لأديب بوزن فتحي غانم كتابة الرسالة التي ترسلها أمل لحبيبها أحمد سامح، وتقول له فيها بين ما تقول “اقرأها بقلبك.. لا تقرأها بعينيك فعيناك سريعة النسيان”. قارَن النقّاد بين نعومة عتاب الحبيبة في “رسالة من امرأة مجهولة” لفتحي غانم وقسوة هذا العتاب في “رسالة من سيدة حاقدة” للشاعر نزار قباني، في الأولى لوم الحبيب على نسيانه وفي الثانية رفض لنذالته ودناءته، ومع أن رسالة قباني خاصةً عندما شدت بها فايزة أحمد كانت بالغة التأثير، إلا إنني ملت أكثر لنعومة رسالة غانم. أما المشهد الذي صنع علاقة خاصة جدًا بين أمل أو لبنى وبيني، فهو ذلك المشهد الذي كانت فيه أمل تقف في البلكونة المطَلة على بيت حبيبها.. تعيش معه عذاب لحظة ميلاد لحنه الجديد لأغنية “قلبي ومفتاحه“. تشتّد عليها برودة الليل فلا تغادر مكانها أو حتى تفكّر في ذلك، ترتجف أوصالها فلا تملك إلا أن تُحكم قميص نومها حول جسدها، تتمنى لو كانت أحد أصابع البيانو الذي يعزف عليه لربما أهدت حبيبها نغمته المفقودة، حتى إذا ما اهتدى إليها هدأ روعها وخلَدَت إلى النوم. من وقتها ولبنى لها مُحبّة لا تعرف عنها شيئًا، محبّة لا تستمتع بأغنية “قلبي ومفتاحه” إلا في إطار مشهد البلكونة وفصل الشتاء وقُرب الفجر.. فقط عندما خلوتُ إليها يوم السبت الماضي وتكلمنا وحكيت لها عن علاقتي بمشهد الفيلم – تعرّفت لبنى على مُحبّتها القديمة.. تعرّفت عليّ.

إقرأ على موقع 180  مصالحة أردوغان ـ الأسد تصطدم بإختبار "المنطقة الأمنية"!

***

 

ثم أن لبنى عبد العزيز هي “العمّة لولو” التي أطلّت علينا ولم تزل عبر أحد أقدم البرامج الإذاعية، وهذا الاستمرار ليس فقط دليلًا على النجاح لكنه أيضًا دليل على تعدّد النوافذ التي يمكنها أن تطّل منها على جمهورها. وها هي نافذتها الصحفية التي فتحتها منذ كانت تُعّد رسالة الماچستير في كاليفورنيا ما زالت مفتوحة علينا وإن بشكل مختلف. تكتب لبنى منذ عادت من الولايات المتحدة إلى مصر قبل عشرين عامًا بالتمام والكمال مقالًا أسبوعيًا في “الأهرام ويكلي”. لم تتخلّف ولا مرة عن الكتابة الأسبوعية، فإن تأخّر نشر مقالها تسأل عنه وتتابعه حتى يُنشَر، هكذا قال عزت إبراهيم رئيس تحرير “الويكلي”. تعطي مقالات لبنى القارئ شحنة ممتعة جدًا وصادقة جدًا من البهجة والتفاؤل والشعور بالجمال. ففي مقالات هذا العام، نجد حديثًا لطيفًا عن عصائر البطيخ والليمون المرطبّة في فصل الصيف، وأراهنك بعد قراءة هذا المقال إن لم تتلفّت حولك بحثًا عن شقّة بطيخ. يعود بنا المقال إلى تاريخ زراعة المصريين الأقدمين البطيخ، ويسهب في فوائده ومذاقه برغم ما تراه لبنى – عن حق – من أن بطيخ اليوم لم يعد مثل بطيخ زمان. ثم أن مقالاتها تجدّد الأمل في مستقبل القصائد الشعرية عندما تتحدث عن ظاهرة إقبال شباب هذه الأيام على قراءة الشعر، وقبل أن تقطع حضرتك قراءتها وتطالبها بأن تقول كلامًا آخر لأن زمن الشعر ولّى وفات.. تأخذك برفق لتؤكد لك ما تقول فترجع للمصادر الأمريكية لتثبت أنه في عام ٢٠١٧ أقبل نحو ١٢٪ من الشباب الأمريكي بين ١٨ و٢٤ عامًا على قراءة الشعر، ثم تنصحنا جميعًا بأن نقرأ الشعر لأنه يغسل الروح ويريح العقل ويداوي القلب، فالشعر يجعلنا أفضل ويصلنا بإنسانيتنا. وفي مقالاتها دعوة دائمة لحب الحياة، فإذا كان الموت حقيقة لن نعرف سرّها أبدًا، فالأولى بنا أن نختار ما نعرف وليس ما لا نعرف، أي نختار الحياة، نسمع أغاني إلڤيس بريسلي ورولينج ستونز والبيتلز، فيكتمل غسيل الأرواح بالموسيقى بعد الشعر. ولا تترك مقالاتها العام يمضي وديسمبر يطوي أيامه قبل أن تحتفل بالكريسماس، فإذا هي تكتب عن أجواء “الكريسماس” بألوانها ووميضها وزينتها ومرحها وتكتب عن روح “الكريسماس” it’s spirit for giving and forgiving، فهل بعد هذا الجمال جمال؟

***

في أحد جُمل فيلمي الأثير “رسالة من امرأة مجهولة” تنتظر أمل حبيبها جالسةً على الدَرَج أمام شقته وتقول “عُد مع الفجر، عُد مع الغد، عُد في أي وقت”، ونحن مثلك يا أمل/لبنى ننتظرك ونحب نوافذك وإطلالاتك ورقيّك فلا تغيبي عنّا أبدًا، ليس فقط لأنك ماضينا الجميل لكن لأنك جزء من الجمال النادر في حاضرنا الصعب.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
نيفين مسعد

كاتبة مصرية

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  واشنطن تضج بمراكز البحث اليمينية.. من وراءها؟