في المَذَلَّة والهَوان

تجدَّدت المعاركُ في المنطقة واحتلت أخبارها الحوار الدائر بين عددٍ من الأصدقاء. بعضُهم ثمَّن الردَّ الإيرانيّ المباشر الذي يُناطح العدوَّ ويكبده الخسائر، وبعضٌ آخر فضَّل سُبل المُهادنة المُجرَّدة من أيّ عمل عسكري؛ فيما اتفق الجميع على أن بعض المواقف الرسميّة العربية تبدو متخاذلةً متقاعِسة، لا يرتضيها من يأبى الذِلة والمَهانة.

مواجهةُ العدوّ واجبٌ لا يُباح التنصُّلُ منه؛ ولا أفلحَ مَن والى أعداءَه، ومَن نكصَ وقتَ الجدّ عن نُصرَةِ الحقّ، ومَن تولَّى عن حماية الأرضِ والعرض، ومَن أدبر في خِضَم المعركة، والحقُّ أن عملياتِ المقاومة التي تذيق المُعتدي الأميركيّ وجيش الاحتلال الإسرائيليّ أيامًا صعبة؛ ترفع الرؤوسَ وتنصبُ على امتداد البصر راياتِ المَجد والإباء.

***

الهَوانُ في مُعجم المعاني الجامع هو الضَّعف والخِزي؛ بينما الذلُّ مرادفٌ للانكسار والخُضوع، وتسليمٌ بحال الضِعة ونزوع نحو الاستسلام، ولا جدال أن المرءَ متى كفَّ عن المقاومة؛ انكسر عنقُه وانحنى ظهره وبات في كربٍ شديد.

***

إذا سأل فلان علانًا: “هانت عليك نفسك؟” فاستنكار لما أتى به، والمراد في العادة فعلٌ مؤذٍ مبنيٌّ على الشعور العميق بتصاغر النفس وتضاؤل قيمتها. المُخاطَب هنا مَلوم لما ارتكب، فمهما تعقَّدت الظروفُ وساءت؛ تبقى ذات الإنسان عزيزة لا يجوز التفريط فيها، وتبقى إرادته عاصمًا من الزلل.

***

مُعارَضة الظالم شرفٌ ورِفعة؛ لكن إيثارَ السَّلامة يدفع الأغلبية للانسحاق والخنوع، وتُذكَر في هذا الصَّدد قولة الإمام عليّ بن أبي طالب: “الناسُ من خَوْف الذُّل في ذُل”. العبارة مُوجِعة وصَادقة لأقصى حدّ؛ فالخوف في ذاته إذلالٌ للخائف، وانتقاصٌ من شأنه، وطعنٌ في قدرته على تحدي الشدائد ومغالبتها، والحلُّ يبدأ مع إدراك الجُّموع المُرتعِدَة حقوقها، وقوتها، وما باستطاعتها عند الاتحاد إنجازه.

***

أنشدَ أبو الطيّب المُتنبّي: “من يَهُن يَسهُل الهَوان عليه.. ما لجُرحٍ بمَيتٍ إيلام”، والمعنى أن ثمَّة حدًا فاصلًا إن تخطاه الواحد مرَّة؛ تأتَّى له أن يفعلَ مئات بل وآلاف المرات، والبيتُ تحذير وتنبيهٌ وتهديدٌ ووعيد؛ فعاقبةُ الهوان مُزرِيَة والذليل مثله مثل جثة هامدة لا يحركها شيء. للمتنبي باع لا يُنكَر في الفخر والمُباهاة، لذا لا عجب أن أنشدَ أيضًا: “ذلَّ من يَغبط الذليلَ بعَيشٍ.. ربَّ عيشٍ أخفّ منه الحِمام”؛ والمراد أن هناك أحوالًا شديدة التدنّي تجعل الموتُ إلى جوارها رحمة. الصُورة قاسية ولا شكّ؛ إنما لا أجدى منها في إحياءِ العَزم متى تأزَّمت الأوضاع وتدهوَرت، وانعكست في حيواتِ الناس وعجَّلت برحيلهم.

***

كنت طرفًا في نقاشٍ مُطوَّل يستدعي أحوالَ المُجتمعاتِ التي يرزَح كثير أفرادِها تحت خطّ الفقر، يعانون شظفَ العيشِ ونضوبَ الموارد وتراجُعَ الصّحة، وغياب المستويات الدنيا من الاحتياجات الأولية. قسمٌ من الجالسين وَجد العذرَ للصامتين الغارقين في دوَّامات الذُّل، وقسمٌ آخر رثى خنوعَهم وألقى عليهم اللومَ. مِلت إلى الرأي الثاني الذي تدعمه القولةُ الشهيرةُ المَنسوبة لأبي ذرّ الغفاريّ: “عَجِبت لمَن لا يجد قوتَ يَومِه؛ كيف لا يَخرج على الناسِ شاهرًا سيفه؟”. في الكلماتِ سؤالٌ استنكاريٌّ وكذلك جزءٌ من الإجابة؛ فالانشغال بالبحثِ عن القُّوت لا يدَع مساحةً لغيره، ورغبةُ التمرُّد على الأحوالِ المُقِضَّة المُؤسية؛ يُخمدها الإنهاكُ المُتواصِل ويَستنزِفُ مقوماتها.

***

تقرّرُ الحِكمةُ العَربية أن: “الجُّوع خيرٌ مِن الخُضوع” ولا غرابة في المُفاضَلة؛ إذ يحملُ الخُضوع مذاقَ المَذلة، ويدمغُ الخاضعَ بالضَّعف وتَضَعضُع الإرادة؛ ولإن اختبرت الحياةُ المرءَ وعرَّضته لمِحَنها العنيفة، فتماسك وأبي تقديمَ التنازُلات؛ هوَّن رأسُه المَرفوع معاناتَه، وحفظ كرامتَه وكبرياءَه، وأعطاه القدرةَ على الصُّمود.

***

ينحو كثير الناسِ إلى اتباع المأثور الشعبيّ: “طاطي للريح لحد ما تعدي”؛ إذ وقوفهم في وجهها مُخاطَرة قد تنتهي بخسارة بالغة، والحلُّ الأمثل إذًا أن ينحنوا أمامها حتى تمُر؛ لكن مثلَ هذه الحلول التي تدور في فلك الاستسلام، تتسبَّب في انكسارِ الرُّوح وتترك بصمةً غائرة. الإكثار من الانحناء يجعله أمرًا طبيعيًا؛ بل مقبولًا، ولا جدال أن الشَّخصَ الذي يبقى مُنحنيًا لفترات طويلة؛ يَعجز عن شدّ قامته والوُقوف مُنتصِبًا ما حان الوقت. اعتدنا الانحناء على مرّ التاريخ حتى تصلَّبت ظهورنا، وتساءل القاصِي والداني عن السّر في ثباتنا على هذا الوَضع التعسِ البائس، والحال أن الصَّبرَ سِمةٌ غالبة نتحلى بها ولا نتخلى عنها إلا بشقّ الأنفُس؛ لكن المواعين متى نضبت، جاءت النتيجة مذهلة قاصمة.

***

في مَذلَّة الهوى يقول عنترة بن شداد: “أعاتب دهرًا لا يلينُ لعاتِب.. وأطلبُ أمنًا من صُروفِ النوائبِ.. ولولا الهوى ما ذُلَّ مِثلي لمِثلهم.. ولا رُوّعَت أُسدُ الشُّرى بالثعالب”. مِن الناس مَن يؤكد ألا كرامة في الحبّ، وأن العاشقَ الحقَّ لا يبالي بالحفاظ على صورته في بلاط المَعشوق؛ لكن قصيدة منسوبة لأميرَ الشُّعراء أحمد شوقي تُعارض هذا الرأيَ وتفنده: “نعم أشتاق ولكن.. وَضَعت كرامتي فوق اشتياقي.. وأرغب في وَصلِهم دومًا ولكن.. طريق الذُّل لا تهواه ساقي”، والحقيقة أن لكلّ امرئٍ هواه الذي يبذل في سبيله العزيز الغالي، ويجد العذر إذ لا سلطان له على حاله.

إقرأ على موقع 180  في بقاء الأسوأ

غنَّى سيد درويش: “عشان ما نعلى ونعلى ونعلى لازم نطاطي نطاطي نطاطي”. الكلماتُ التي عُرِفت بلحن “الوصوليين” تمثل ضربًا من السُّخرية السوداء؛ كتبها بديع خيري ضِمن أوبريت “العشرة الطيبة” الذي قدمته فرقة نجيب الريحاني عام ألف وتسعمائة وعشرين تقريبًا، وفيه انتقاد صريح للعلاقة الجائرة بين السادة الأتراك والفلاحين المصريين، ويُقال إن الريحاني اتهم على خلفية هذا العرض المسرحي بموالاة الانجليز وتلقي مقابل ماديّ منهم، وقد امتد خط الطعن والتشويه على استقامته إلى يومنا هذا؛ فهؤلاء الذين يجهرون بمعارضة الظلم والذلّ ما انفكوا يتعرضون لعديد الاتهامات؛ لكن العقابَ بات أشدَّ وأنكى.

***

على كل حال، إذا أدرك المرءُ ما في أمره من سوء؛ وقع عليه عبءُ تصويبه ولو تكبَّد المشقَّات الهائلة، ولا أكرم له حينها من العملِ بأبيات عنترة بن شداد: “لا تَسقِني ماءَ الحياةِ بذِلَّة.. بل فاسقني بالعزّ كأسَ الحَنَظل.. ماءُ الحياةِ بذِلة كجهنَّم.. وجهنَّمُ بالعزّ أطيبَ مَنزِل”.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  معاريف: تهديد حزب الله الجوي.. لا يجوز تجاهله بعد الآن