المغرب وحكومة فاطمة المنصوري.. ألغام الداخل وضغوط الخارج

يدخل المشهد السياسي المغربي مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل في أروقتها الرهانات التنموية والاجتماعية الداخلية مع أعتى التحديات الجيوسياسية والحقوقية الخارجية. ومع وصول فاطمة الزهراء المنصوري (50 عاماً) إلى قيادة التحالف الحكومي، كأول امرأة تتولى هذا المنصب التنفيذي الأرفع، تتوجه أنظار الرأي العام الوطني والدولي إلى مدى قدرة السلطة التنفيذية على إدارة ملفات حارقة، تتنوع بين الملاحقات الحقوقية، وتطورات النزاع الإقليمي في الصحراء، ومطبّات العلاقات مع الشركاء الأوروبيين، وصولاً إلى التبعات الاستراتيجية والشعبية لملف التطبيع، في ظل وضع اجتماعي مشتعل يتطلب كفاءة سياسية استثنائية.

ما تزال التقارير المتواترة لمنظمة العفو الدولية «أمنيستي»، وغيرها من المنظمات الحقوقية الدولية، تشكل حجر عثرة ومصدر ضغط دبلوماسي وسياسي متواصل على الرباط في المحافل الدولية. وتركز هذه التقارير، بشكل رئيسي ومكثف، على اتهامات باستخدام برمجيات التجسس الرقمي، وفي مقدمتها البرنامج السيبراني الشهير «بيغاسوس»، لملاحقة هواتف صحفيين مستقلين ومعارضين سياسيين ونشطاء حقوقيين واختراقها.

وتؤكد المنظمات الدولية أن هذه الممارسات الرقمية تُستغل بشكل ممنهج لتقييد حرية التعبير وتضييق المساحة المتاحة للعمل الصحفي الحر. وبرغم النفي المتكرر والمشدد للحكومات المغربية المتعاقبة، ومطالبتها المستمرة بتقديم أدلة تقنية ملموسة وقطعية تثبت تلك الادعاءات، فإن هذه الاتهامات تظل ورقة ضغط يلوّح بها الخصوم والشركاء الغربيون كلما طُرح ملف الحقوق والحريات في المملكة، لا سيما مع استمرار تصاعد المطالبات الحقوقية بإغلاق ملف الاعتقال السياسي، وإنهاء الملاحقات القضائية والتضييقات بحق الأصوات المعارضة.

الصحراء المغربية

يتأرجح ملف الصحراء المغربية بين مكاسب دبلوماسية متراكمة وشكوك أممية دقيقة. فبينما تُوّج الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، من واشنطن ومدريد وباريس، بقرار أممي اعتمدت الرباط تاريخه عيداً وطنياً في 31 أكتوبر/تشرين الأول، جاء التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بداية هذا الشهر، ليعيد الملف إلى مربع الواقعية المعقدة، بعيداً عن انشغالات الشارع وصخب الإعلام المحلي.

يكشف التقرير، المبني على خلاصات المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، أن النزاع لم يُحسم نهائياً كما يُروَّج، إذ ما تزال الأمم المتحدة تتعامل مع المقترح المغربي بوصفه «أساساً للتفاوض» يتطلب إطاراً انتقالياً وضمانات دولية، واستشارة سكان الإقليم لممارسة حق تقرير المصير وفق المعايير الدولية.

وتزداد الصورة تعقيداً أمام الرباط بفعل عدد من التحديات المكلفة، ومنها التأزم المستمر مع الجزائر، بما يرفع كلفة الاستنفار العسكري على الحدود؛ الاستهداف الحقوقي والقانوني الذي يفرض معارك مضنية في المحاكم الأوروبية والأممية بشأن ثروات الإقليم؛ إضافة إلى الحاجة الملحّة إلى تحويل الاعترافات الدبلوماسية إلى استثمارات ملموسة تعود بالنفع على السكان.

ولا يمكن إغفال التطورات المتلاحقة، مثل طرح فكرة المجلس الانتقالي واستقبال واشنطن وفداً من “البوليساريو”، وهي تطورات تؤكد جميعها أن الملف يتحرك فوق رمال متحركة.

وتضع هذه المعطيات الخطاب الرسمي أمام أسئلة حارقة: إذا كان الملف قد حُسم حقاً، فلماذا تصر الأمم المتحدة على التفاوض والضمانات والاستشارة؟ إنها إشارات تؤكد أن الحل النهائي لا يزال أسير تقلبات الإرادة الدولية، وهو ما يتطلب من الدبلوماسية المغربية الانتقال من نبرة «الانتصار المنجز» إلى يقظة سياسية تحيّد الالتفافات الخارجية عن جوهر مقترحها.

العلاقة مع إسبانيا وأوروبا

شهدت العلاقات المغربية ـ الإسبانية قفزة نوعية وديناميكية جديدة منذ إعلان مدريد التاريخي دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام تعاون أمني واقتصادي غير مسبوق، لا سيما في الملفات الاستراتيجية الحساسة، مثل ضبط الهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب والشبكات العابرة للحدود، والتحضير المشترك للحدث العالمي المتمثل في تنظيم كأس العالم 2030.

لكن هذه الشراكة مع التكتل الأوروبي لا تخلو من هزات ارتدادية ودورية، يأتي في مقدمتها أحكام المحاكم الأوروبية المتعلقة باتفاقيات الصيد البحري والفلاحة، والتي تشكل عائقاً دائم التجدد أمام استقرار العلاقات التجارية.

ويضاف إلى ذلك الحذر الأوروبي في مراقبة التحركات المغربية لتفادي إغضاب الجانب الجزائري، وبخاصة في ظل أزمات الطاقة والغاز التي تجعل أوروبا حريصة على عدم خسارة أي طرف.

مخاطر التطبيع

منذ التوقيع على الاتفاق الثلاثي الأميركي المغربي الإسرائيلي (كانون الأول/ديسمبر 2020)، تسارعت وتيرة التعاون العسكري والأمني والاقتصادي بين المغرب وإسرائيل بشكل لافت للانتباه، غير أن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر سياسية واجتماعية بالغة على التماسك الداخلي. إذ يواجه سخطاً جماهيرياً رافضاً تقوده هيئات شعبية وقوى سياسية من مختلف الأطياف الإسلامية واليسارية والقومية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (غزة والضفة) وجنوب لبنان.

ويشكل هذا الملف مادة للمعارضة للطعن في الاستقلالية السياسية للحكومة وإحراجها أمام القواعد الشعبية الوطنية التي تعتبر القضية الفلسطينية قضية وطنية بامتياز، فضلاً عن مخاطر الانزلاق نحو تحالفات إقليمية تتغذى على الاستقطاب، بما يضاعف حدة التوتر في المنطقة ويرفع كلفة المواجهة السياسية والدبلوماسية.

وإذا ما استُحضر الترحيب الإسرائيلي الاستثنائي، وتهاطل التبريكات والتهاني على فاطمة المنصوري من رئيس إسرائيل ووزير خارجيتها وهيئات وإعلاميين إسرائيليين، واستُعيدت، في الوقت ذاته، اتهامات بنكيران الحادة لها في عز الحملة الانتخابية، بوصفها «مرشحة إسرائيل» لرئاسة الحكومة، ووصفه حزبها، «الأصالة والمعاصرة»، بـ«الحزب المتصهين»، بل والعودة إلى التاريخ والبدايات الأولى، حيث كان والدها، الباشا والسفير والمحامي عبد الرحمن المنصوري، من أوائل المبشرين والمرحبين بالتطبيع مع إسرائيل منذ تسعينيات القرن الماضي؛ مروراً بعلاقات المنصوري المتشابكة مع الطائفة اليهودية في مراكش، واستقبالها الرسمي مسؤولاً وزارياً إسرائيلياً وهي على رأس وزارة الإسكان؛ وصولاً إلى ما تعمل السلطات اليوم على تطويره في العلاقات مع تل أبيب، بعد الارتقاء بالتمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفراء، وبحث مشروع تجنيس أبناء الإسرائيليين من أصل مغربي؛ فإن كل هذه المؤشرات والمعطيات تشي باحتدام سياسي وشعبي وشيك، وتنذر بمخاطر وطنية غير معلومة العواقب.

إقرأ على موقع 180  إسماعيل هنية: الإغتيال الناجح.. والهدف الفاشل!

ألغام تهدد حكومة المنصوري

تجد رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام مشهد سياسي ملغوم ومحاط بالعديد من الخطوط الحمراء، بما يهدد قدرتها وقدرة ائتلافها على استكمال الولاية الحكومية، نظراً إلى تداخل الأزمات وترهّل الثقة الجماهيرية بصورة غير مسبوقة.

ويمكن تلخيص أبرز هذه الألغام في الاحتقان الاجتماعي والأزمة الاقتصادية؛ إذ يعيش المغرب تحت وطأة مجموعة من العناوين القاتمة، أبرزها موجات الغلاء الفاحش التي تطال المواد الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية للفئات الوسطى والفقيرة، وتوالي سنوات الجفاف التي أضرّت بالقطاع الفلاحي وزادت من احتقان الشارع.

كما تواجه الحكومة معارضة برلمانية مزدوجة وشرسة، تتوزع بين التيار الإسلامي، ممثلاً بحزب العدالة والتنمية الراغب في تصفية الحسابات السياسية واستعادة شعبيته، واليسار الراديكالي المنظم والمبدئي.

وتضاف إلى ذلك شبهات الفساد وشبكات المصالح، التي تتجلى في الملاحقات القضائية والملفات التلبسية التي تطال قيادات ومنتسبين إلى الأحزاب المشاركة في التحالف، بما يشكل عبئاً أخلاقياً وسياسياً يمزق التماسك الحكومي ويجرده من أدنى مشروعية أخلاقية.

فضلاً عن ذلك، تلتقي أغلب التعليقات والقراءات السياسية عند الحديث عن افتقاد المنصوري الكاريزما القيادية والمؤهلات المطلوبة لمنصب تنفيذي بهذه الدقة، ناهيك عن طبيعة حزب الأصالة والمعاصرة الذي تنتمي إليه، والذي تحاصره اتهامات بتفشي الفساد وتغلغل شبكات المخدرات ونهب المال العام في أوصال تنظيماته. بل إن المنصوري نفسها وزوجها الأخير، الذي يرأس إحدى التنظيمات الدينية للطرق الصوفية في جهة الشمال، مشمولان بشائعات واتهامات تتداولها الكواليس والمجالس والصحافة الوطنية، وتتعلق بملفات منافع وشبهات فساد.

أمام هذا الركام من الأزمات، تبرز صعوبة التكهن بنجاح فاطمة الزهراء المنصوري في العبور بحكومتها إلى بر الأمان. وإذا كان النجاح يقتضي إحداث توازن دقيق بين تقديم إجابات اقتصادية واجتماعية لشارع غاضب ومكتوٍ بالنار، وبين إدارة التوازنات الخارجية بحكمة تتجنب الصدمات الحقوقية، فإن الواقع يؤكد أنه، مهما كانت التشكيلة الحكومية التي ستقودها المنصوري، ومهما كانت الأحزاب التي ستكمل لها نصاب الأغلبية، فإن الحمل أثقل بكثير من قدرات القيادة الجديدة ومن يراهنون عليها خلف الكواليس.

معظم المؤشرات تشي بأن الآتي قد يكون أشد قسوة وأسوأ مما عاشه المغاربة خلال سنوات الحكومة السابقة، لتظل البلاد مفتوحة على احتمالات متعددة..

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  دونالد ترامب.. مُلاكمٌ بلا قواعد ولا أنظمة!