سوريا الجديدة.. دولة أم خرائط نفوذ؟

لم يعد السؤال حول مستقبل سوريا محصوراً في كيفية إعادة بناء الدولة بعد سقوط نظام بشار الأسد، ولا في شكل السلطة السياسية الجديدة في دمشق. فالجغرافيا السورية نفسها أصبحت جزءاً من صراع إقليمي واسع تتقاطع فيه مصالح إسرائيل وتركيا والأردن والعراق وإيران ولبنان، إلى جانب المصالح السوريا المباشرة.

من الجنوب إلى الشمال الشرقي، ومن الحدود اللبنانية إلى حوض اليرموك، ومن السويداء إلى الحدود العراقية، تتشكل تدريجياً معادلة قد تحدد ليس فقط مستقبل سوريا، بل شكل النظام الأمني والسياسي في المشرق خلال السنوات المقبلة.

السؤال لم يعد فقط: من يحكم سوريا؟ بل: أي سوريا ستبقى؟ وهل تستطيع دمشق بناء دولة موحدة ذات جيش واحد وقرار سيادي واحد، أم تتحول البلاد إلى مناطق نفوذ وترتيبات أمنية تتقاسمها القوى الإقليمية؟

الجنوب السوري.. من قضية حدود إلى معادلة إقليمية

منذ سقوط النظام السابق، شهد الجنوب السوري تغيرات أمنية كبيرة، خصوصاً مع التوسع العسكري الإسرائيلي في المنطقة العازلة ومناطق من القنيطرة، وما رافقه من تحركات باتجاه أجزاء من ريف درعا.

تقول إسرائيل إن تحركاتها مرتبطة بأمن حدودها ومنع نشوء تهديدات مسلحة بالقرب منها، فيما تعتبر دمشق الوجود العسكري الإسرائيلي داخل أراضيها انتهاكاً للسيادة السورية. لكن القضية لم تعد سورية–إسرائيلية فقط.

فالجنوب السوري يلامس مباشرة الأمن الأردني، ويقترب من حوض نهر اليرموك، أحد أهم مصادر المياه المشتركة بين سوريا والأردن. والأردن يعاني أصلاً من شح مائي شديد، ولذلك فإن أي تغيير طويل الأمد في السيطرة على المناطق المؤثرة في الحوض يمكن أن يتحول من قضية مياه إلى قضية أمن قومي.

الدخول الأردني في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل يبقى قراراً بالغ التعقيد، بحكم معاهدة السلام والعلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة. لكن الحسابات قد تتغير إذا أصبح الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري واقعاً دائماً أو ارتبط بالأمن الحدودي والمائي الأردني.

ولذلك أصبح جنوب سوريا ساحة تفاوض ووساطة أيضاً؛ فقد استضافت عمّان في أغسطس/آب 2026 اجتماعاً سورياً–إسرائيلياً بوساطة أميركية لمحاولة احتواء التصعيد وإعادة تشغيل مسار الترتيبات الأمنية. وهكذا قد يتحول الأردن إلى لاعب أساسي في جنوب سوريا من دون أن يدخل حرباً مباشرة.

تركيا و”قسد”.. أي شكل للدولة السورية؟

إذا كان الأردن ينظر إلى سوريا من زاوية الحدود والمياه، فإن تركيا تنظر إليها من زاوية وحدة الأراضي السورية، وأمن حدودها، والملف الكردي، وموازين القوى الإقليمية.

أنقرة تريد سوريا مستقرة وموحدة، كما تريد إنهاء وجود تشكيلات عسكرية مستقلة على حدودها الجنوبية. ومن هنا تكتسب العلاقة بين دمشق و«قسد» (قوات سوريا الديموقراطية) أهمية تتجاوز الطرفين.

فانتقال القضية الكردية من مشروع عسكري مستقل إلى صيغة حقوق سياسية وثقافية وإدارية داخل الدولة قد يفتح الباب أمام نموذج أكثر قبولاً بالنسبة إلى تركيا. لكن نجاحه سيظل مرتبطاً بقضايا حساسة: شكل الإدارة المحلية، والحقوق الثقافية واللغوية، ومستقبل المقاتلين، والموارد النفطية، والعلاقة مع الولايات المتحدة وتركيا.

وفي الوقت نفسه، قد تتحول سوريا إلى مساحة تنافس استراتيجي بين أنقرة وتل أبيب. فتركيا تريد دولة سورية قادرة على بسط سلطتها على أراضيها، فيما ترى إسرائيل في بعض مناطق الجنوب عمقاً أمنياً ينبغي ضبطه أو السيطرة عليه.

وهنا يظهر السؤال: هل تستطيع دمشق التوفيق بين الرؤية التركية لسوريا موحدة والرؤية الإسرائيلية للأمن الحدودي؟

السويداء.. اختبار آخر لوحدة الدولة

وسط هذه المعادلة تبرز السويداء بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية. فهناك قوى محلية درزية تطالب بترتيبات خاصة وترفض عودة السيطرة المركزية الكاملة لدمشق، فيما تتمسك الحكومة بوحدة الأراضي السورية، وقد دخلت إسرائيل على خط الأزمة تحت عنوان حماية الدروز.

لا توجد حتى الآن أدلة كافية للقول إن مشروعاً مكتملاً ومعلناً لإقامة دولة درزية مستقلة أصبح قراراً نهائياً. لكن استمرار الوضع الخاص للمحافظة والتدخلات الخارجية يطرح سؤالاً أوسع: هل يمكن أن تتحول السويداء من أزمة داخلية إلى ترتيب إقليمي يعيد رسم الجنوب السوري؟

وهنا يلتقي ملف السويداء مباشرة بالملف الكردي. فإذا حصلت منطقة سورية على وضع سياسي أو أمني شبه منفصل، فكيف ستقنع دمشق مناطق أخرى بالاندماج داخل الدولة؟

لذلك يمثل مستقبل السويداء و”قسد” معاً اختباراً حقيقياً: هل تستطيع الدولة السورية إدارة التنوع السياسي والقومي والمناطقي داخل دولة واحدة، أم يصبح التنوع مدخلاً إلى سيادات متجاورة؟

العراق.. البعد الشرقي الذي يعيد رسم المعادلة

إذا كانت تركيا تمثل البعد الشمالي، والأردن الجنوبي، ولبنان الغربي، فإن العراق يمثل البعد الشرقي لسوريا.

العلاقة بين دمشق وبغداد مرشحة لاكتساب أهمية متزايدة بسبب الحدود الطويلة والمصالح المشتركة في مكافحة تنظيم الدولة وتهريب السلاح والمخدرات، وضبط حركة الأشخاص، وتطوير التجارة والطاقة.

وعلى مدى سنوات كانت الحدود السورية–العراقية ممراً للصراعات والجماعات المسلحة والأسلحة والمقاتلين. أما اليوم، فهناك مصلحة مشتركة في تحويلها إلى خط أمني واقتصادي مستقر. وإذا نجح ذلك، سينعكس على أمن تركيا والأردن، ومكافحة الإرهاب والتهريب، وحركة التجارة ومشاريع الطاقة، وكذلك على علاقة إيران بالمنطقة.

ويضيف الموقع السوري بعداً اقتصادياً مهماً. فالعراق يمتلك موارد نفطية كبيرة، بينما يمكن لسوريا، إذا استقرت، أن تصبح ممراً للطاقة والتجارة العراقية نحو المتوسط. وبذلك تتحول الجغرافيا التي كانت ممراً للصراعات إلى فرصة للتكامل.

كما يستطيع العراق، نظرياً، أن يؤدي دور قناة اتصال بين دمشق وطهران، بحكم علاقاته الوثيقة بإيران ورغبته في الوقت نفسه في الحفاظ على علاقاته العربية والتركية والدولية. فإذا نجحت بغداد في هذا التوازن، قد تنتقل من كونها ساحة للصراع بالوكالة إلى أحد جسور التسوية الإقليمية.

حزب الله.. الحلقة اللبنانية

لا يمكن فصل مستقبل سوريا عن لبنان، وخصوصاً عن مسألة حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية ومستقبل سلاح حزب الله.

إقرأ على موقع 180  أردوغان الطاغية اللقيط.. ومتلازمة العظمة

من منظور دمشق الجديدة، فإن ضبط الحدود السورية–اللبنانية ومنع استخدامها لنقل السلاح يمكن أن يكون جزءاً من مشروع بناء دولة ذات سيادة وجيش وطني ومؤسسات أمنية موحدة.

وفي مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026، نشرت وكالة “رويترز” تقريراً تحدث عن لقاءات سرية بين مسؤولين سوريين وممثلين عن حزب الله في تركيا خلال سبتمبر/أيلول، بوساطة أمنية تركية. دمشق وأنقرة نفتا حدوث الاجتماع، فيما تعمد حزب الله التعامل مع التسريب بطيرقة الغموض البنّاء.. ولذلك لا يمكن تقديم اللقاء باعتباره حقيقة مؤكدة. لكن أهمية الرواية تتجاوز إثبات اللقاء نفسه؛ فهي تطرح احتمال اهتمام تركيا بلعب دور في تخفيف التوتر بين دمشق وحزب الله، ومنع استخدام سوريا ممراً للسلاح، والحؤول دون تحول سوريا ولبنان إلى جبهة جديدة.

وفي المقابل، إذا تمكن لبنان من حصر القرار العسكري بيد الدولة وضُبطت الحدود، فإن السؤال سيصبح: ما المقابل على الجانب الإسرائيلي؟ هل هناك انسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وضمانات أمنية، وهل يصبح الجيش اللبناني القوة الوحيدة المسؤولة عن الجنوب؟

وهكذا يصبح مستقبل سلاح حزب الله جزءاً من معادلة أمنية إقليمية، لا مسألة لبنانية داخلية فقط.

إيران.. نفوذ يتغير شكله

لسنوات طويلة كانت سوريا حلقة أساسية في شبكة الاتصال الإيرانية مع حزب الله. أما إذا أصبحت دمشق تضبط حدودها، وتمنع تهريب السلاح، وتبني جيشاً وطنياً، وتوسع علاقاتها مع تركيا والعراق والأردن، فإن أدوات النفوذ الإيراني في المشرق ستتغير.

هذا لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الإيراني، بل تغير قواعده. فقد تنتقل المنطقة تدريجياً من نموذج يقوم على الممرات العسكرية والقوى المسلحة إلى نموذج يعتمد بدرجة أكبر على العلاقات بين الدول.

وهذا التحول يمس إيران وإسرائيل وتركيا والعراق ولبنان وسوريا في آن واحد.

هل تتشكل منظومة إقليمية جديدة؟

إذا وضعت هذه الملفات على خريطة واحدة، تظهر شبكة مصالح متقاطعة: تركيا تريد سوريا مستقرة وموحدة وحلاً للملف الكردي؛ الأردن يريد حدوداً آمنة وحماية لمصادر المياه؛ العراق يريد ضبط الحدود وفتح طرق التجارة والطاقة؛ سوريا تريد استعادة سيادتها وإنهاء تعدد القوى المسلحة؛ لبنان يواجه مسألة حصر القرار العسكري بيد الدولة؛ إسرائيل تريد ترتيبات تمنع ظهور تهديدات قرب حدودها؛ وإيران تريد الحفاظ على نفوذها ومصالحها الإقليمية.

هذه المصالح ليست متطابقة، لكنها تلتقي في حقيقة واحدة: الفوضى الشاملة ليست في مصلحة معظم الأطراف.

وقد تتشكل تدريجياً شبكة بين أنقرة ودمشق وبغداد وعمّان، تقوم على منع عودة سوريا والعراق إلى ساحات مفتوحة للحروب بالوكالة، ويمكن أن تتوسع إلى التجارة والطاقة والنقل وإعادة الإعمار والتعاون الحدودي.

لكن إسرائيل تبقى أمام سؤال مختلف: هل تستطيع التعايش مع سوريا موحدة ذات جيش وطني إذا حصلت على ضمانات أمنية؟ أم أن قيام دولة سورية قوية قرب الجولان سيبقى، في نظرها، تهديداً يجب احتواؤه؟

هنا تتواجه رؤيتان: رؤية تميل إلى إعادة بناء الدولة السورية، ورؤية إسرائيلية تضع أمن الحدود ومنع تشكل القدرات العسكرية في مقدمة الحسابات.

صفقة كبرى أم تقاطع مسارات؟

قد لا تكون هناك صفقة إقليمية واحدة مكتوبة، لكن مجموعة من المسارات يمكن أن تتقاطع: دمج قسد، ضبط الحدود السورية–العراقية، تنسيق أمني سوري–أردني، ترتيبات في الجنوب، إعادة تعريف العلاقة السورية–اللبنانية، مستقبل سلاح حزب الله، توسع الدور التركي، تقارب دمشق وبغداد، وتغير أدوات النفوذ الإيراني.

إذا اجتمعت هذه المسارات، فنحن أمام إعادة تشكيل للنظام الأمني في المشرق، لا مجرد تسويات منفصلة.

لكن كل تسوية تطرح سؤال المقابل: ماذا يحصل الأكراد في مقابل التخلي عن القوة العسكرية المستقلة؟ ما الضمانات لسكان السويداء؟ هل تكون الترتيبات الإسرائيلية في الجنوب مؤقتة أم دائمة؟ ما الذي يحصل عليه لبنان إذا حُصر السلاح بيد الدولة؟ وما الشكل الجديد الذي قد تقبل به إيران لنفوذها؟

ويبقى السؤال الأهم: هل تقبل الأطراف بأن تكون الدولة الوطنية المرجعية النهائية للأمن والسلاح والحدود؟

الخاتمة: معركة السيادة

كانت المرحلة الأولى سقوط النظام السابق، أما المرحلة الثانية فهي أصعب: إنها مرحلة إعادة بناء الدولة.

وهذه العملية لا تتعلق فقط بتشكيل حكومة أو برلمان، وإنما بإعادة رسم علاقة الدولة بمكوناتها وجيرانها والقوى الإقليمية. من اليرموك والقنيطرة إلى السويداء والحسكة، ومن الحدود اللبنانية إلى العراق وتركيا والأردن، أصبحت الملفات مترابطة. ثم هناك خرائط تُرسم للمنطقة وخطوط تجارتها وممراتها النفطية والغازية، وستكون سوريا الجديدة معنية بالتموضع في المكان الذي تجد فيه مصلحتها هي قبل مصلحة الآخرين.

فإما أن تنجح سوريا في بناء دولة موحدة، ذات جيش وطني واحد، وحدود مضبوطة وقرار سياسي وعسكري مستقل، مع ضمان حقوق مكوناتها المختلفة؛ وإما أن تتحول إلى مجموعة ترتيبات أمنية متجاورة، لكل منطقة ضامن إقليمي ولكل قوة مرجعية مختلفة.

وفي الحالة الثانية لن تكون المشكلة في تقسيم سوريا على الخريطة فقط، بل في تقسيم قرارها السيادي.

ومن هنا يصبح السؤال الحاسم: هل يستطيع السوريون، بدعم إقليمي ودولي، بناء دولة يتعامل معها جيرانها كشريك ذي سيادة، لا كساحة يتنافسون فيها على النفوذ؟

إذا نجحت المحاولة، فقد تكون المنطقة أمام بداية منظومة إقليمية جديدة. أما إذا فشلت، فقد تدخل المشرق مرحلة جديدة من تقاسم النفوذ بدلاً من استعادة السيادة.

Print Friendly, PDF & Email
حسان نصر فرج

علوم دبلوماسية واستراتيجية

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  ترامب والبرغوثي.. اختبار حدود الضغط الأميركي على إسرائيل