تواصل استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية، قبل أسبوعين من الانتخابات البرلمانية التي ستجري في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، رسم مشهد برلماني متشرذم، بعيد عن الحسم لصالح أحد الفريقين المتنافسين على سدة الحكم، فكلاهما بعيد نسبياً عن الأغلبية المطلقة.
وفي الوسط تقف القائمتان الفاعلتان في المجتمع العربي، مع أن إحداهما، القائمة العربية الموحدة برئاسة النائب منصور عباس، تصر على موقفها الداعي إلى الانضمام إلى حكومة المعارضة الحالية، رغم تكرار هذه المعارضة رفضها ضمها إلى الحكومة.
لكن، في خضم كل هذا، هناك سباق غير معلن نحو الأغلبية اليهودية، وليس فقط الأغلبية البرلمانية. وهذا ما جاهر به أقطاب الحكومة الحالية بعد فوزهم بالأغلبية البرلمانية المطلقة في الانتخابات الأخيرة، بـ64 مقعداً من أصل 120، إذ أعلنوا أنهم حققوا أغلبية يهودية، وهذا ما يهمهم أكثر.
فالفريق الحاكم حالياً تألف من أربع قوائم انتخابية حصلت مجتمعة على 64 مقعداً من أصل 120، ما وفر لها أغلبية برلمانية واضحة. لكن، بعد احتساب أصوات القوائم التي لم تجتز نسبة الحسم، وخصم الأصوات العربية التي حصلت عليها الأحزاب الصهيونية، تبين أن أكثر بقليل من 60% من اليهود صوّتوا للقوائم التي شكلت هذه الحكومة.
كما أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة، التي جرت في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2022، استمرار انزياح الشارع الإسرائيلي نحو اليمين الاستيطاني، وحتى اليمين الاستيطاني المتطرف، الذي يمثل العنوان السياسي للعصابات الاستيطانية التي ترتكب الجرائم في مختلف أنحاء المناطق المحتلة منذ عام 1967.
كذلك رأينا، في حينه، أن 63% من اليهود صوّتوا لليمين الاستيطاني، بما في ذلك أحزاب الفريق الحاكم، ومعها حزب «إسرائيل بيتنا» المعارض، وحزب «البيت اليهودي» الذي ترأست قائمته أييلت شاكيد ولم يجتز نسبة الحسم.
كما ذهبت نحو 31% من أصوات اليهود إلى قائمتي اليمين «يوجد مستقبل» بزعامة يائير لبيد، و«المعسكر الرسمي» بزعامة بيني غانتس. وهاتان القائمتان، وفق التعريفات الإسرائيلية، هما من «الوسط» أو «اليمين المعتدل»، لكن ممارساتهما في الحكومة السابقة لم تَحِد كثيراً عن نهج اليمين الاستيطاني، خاصة في كل ما يتعلق بالتعامل مع الضفة الغربية والقدس المحتلة وقطاع غزة.
وكان اللافت للانتباه في نتائج تلك الانتخابات أن الكتل الدينية، التي تمثل التيار الديني الصهيوني والتيار الديني المتزمت (الحريديم)، حصلت على 30% من أصوات اليهود، مقابل 27% في انتخابات عام 2021، و17.5% في انتخابات عام 2020، وفق فحص أجريناه للنتائج النهائية الكلية، ويشمل القوائم اليهودية التي لم تجتز نسبة الحسم.
المشهد البرلماني المتوقع
تتأرجح استطلاعات الرأي بين فريق المعارضة الصهيونية والفريق الحاكم، وفي الوسط، كما أسلفنا، تقف الكتلتان الفاعلتان في المجتمع العربي، بحصيلة مجتمعة تتراوح بين 13 و15 مقعداً.
أما الفريقان الكبيران، فتتراوح حصيلة الفريق الحاكم، بحسب الاستطلاعات المتداولة، بين 51 و54 مقعداً، مقابل 52 إلى 53 مقعداً لفريق المعارضة، ويتناوب الطرفان على التفوق.
وتعكس هذه الحصيلة، إلى حد بعيد، أصوات الجمهور اليهودي، على الرغم من أن ما يعادل نحو ثلاثة مقاعد يأتي من أصوات الجمهور العربي، وبنسبة عالية من الجمهور العربي الدرزي، مع حصول كلا الفريقين على أصوات عربية.
وحتى لو تفوق الفريق الحاكم بمقعد أو مقعدين على فريق المعارضة، وفق معدلات الاستطلاعات المتداولة حالياً، فإنه يبقى، أولاً، بعيداً عن الأغلبية المطلقة اللازمة لتشكيل حكومة. كما بات واضحاً تراجعه النسبي الكبير بين اليهود.
فالفريق الحاكم لوّح طوال الوقت، بعد الانتخابات الأخيرة، بشرعيته المستمدة من حصوله على الأغلبية المطلقة، أي 64 مقعداً، كما تفاخر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأنه حصل على دعم أكثر بقليل من 60% من أصوات اليهود وحدهم. أما حالياً، فقد تراجع إلى نحو النصف، وفق استطلاعات الرأي العام، التي نستثني منها استطلاعات القناة التلفزيونية «14» اليمينية المتطرفة.
وفي ذلك دلالة سياسية من الشارع الإسرائيلي. فعلى الرغم من استمرار انزياحه نحو اليمين المتطرف، لا يعني ذلك اعتدالاً في المواقف، إذ يسمع الشارع أيضاً خطاباً سياسياً متطرفاً من فريق المعارضة، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ككل، بما في ذلك التحريض العنصري ضد الفلسطينيين في إسرائيل.
ومن هنا يأتي السؤال التالي: إذا صدقت استطلاعات الرأي عند صدور النتائج النهائية، فلن تكون لأي من الفريقين أغلبية مطلقة. وعندها سيكون من المستحيل على بنيامين نتنياهو مواصلة رئاسة الحكومة بالصيغة الحالية، في حين قد يستفيد فريق المعارضة من المشهد المفترض، على الرغم من إعلان أبرز قادته رفضهم ضم كتلة فاعلة في المجتمع العربي إلى الحكومة.
ونحن أمام قائمتين. الأولى هي القائمة المشتركة، التي تضم الأحزاب الثلاثة: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير. وقد أعلنت أن موقفها يرتكز على بندين أساسيين: الأول صد نتنياهو ومنعه من تشكيل حكومة برئاسته مع الأحزاب المتطرفة، والثاني رفضها المطلق الانضمام إلى أي حكومة تتشكل، لأنها ستكون، وفق موقفها، حكومة احتلال واستيطان.
وعلى الرغم من ذلك، توجد أدوات برلمانية لتحقيق الهدف الأول، من بينها التغيب عن جلسة التصويت الأولى لمنح الثقة للحكومة، أو الامتناع عن التصويت، وغيرها.
أما القائمة الثانية فهي القائمة العربية الموحدة، برئاسة منصور عباس، التي تصر على موقفها الداعي إلى الانضمام إلى حكومة المعارضة الحالية رغم رفض قادة المعارضة. وقد ضمت هذه القائمة ضابط الشرطة الاحتياط والنائب الحالي، الذي غادر حزب «يوجد مستقبل»، يوآف سيغالوفيتش، والذي قد يشكل المسار الذي يطبق عبره الجانبان موقفيهما؛ بمعنى أن ينضم وحده إلى الحكومة ويحصل على حقيبة وزارية، فيما تدعي الحكومة الجديدة أنها ضمت سيغالوفيتش وحده، لا باقي نواب كتلته.
ونشير هنا إلى أنه، بحسب معدل استطلاعات الرأي العام، فإن ضم القائمة العربية الموحدة إلى الحكومة المفترضة لن يكون كافياً لتحقيق الأغلبية، لتبقى القائمة المشتركة هي المقرر في هذا المجال.
ونذكّر بأن المرشح لخلافة نتنياهو، غادي أيزنكوت، قال، إلى جانب رفضه ضم القائمة العربية الموحدة، إنه مستعد لتشكيل حكومة أقلية. وهذا متاح قانونياً. والهدف واضح: استبدال الحكومة الحالية، وتشكيل حكومة لبضعة أشهر، وربما لعام كامل، ثم العمل على حلها والتوجه إلى انتخابات جديدة، وهو على رأس الحكم، سعياً إلى تحقيق نتائج أفضل مع شركائه.
ويتيح القانون الإسرائيلي تشكيل حكومة بأغلبية عادية من الحاضرين في الهيئة العامة خلال جلسة التصويت، لكن إسقاط الحكومة يتطلب أغلبية من 61 عضواً، وأن يكون هؤلاء متفقين على رئيس حكومة بديل، وإلا يُحل الكنيست ويُتجه إلى انتخابات جديدة.
قائمة فينتر.. ونظرية المؤامرة التي تتعزز
اللغز الأكبر، إن صح التعبير، في الانتخابات الحالية هو قائمة «شعبك إسرائيل» («عمخا يسرائيل»)، التي يتزعمها العميد في الاحتياط عوفر فينتر، وهو شخص شديد التطرف. ومن أوائل شعارات قائمته التهجير الكامل للفلسطينيين من قطاع غزة، وإعادة الاستيطان فيه، إلى جانب شعارات أخرى، منها فرض الخدمة العسكرية الكاملة على شبان الحريديم.
وفي الوقت ذاته، يعلن جهاراً أنه، في حال فوزه في الانتخابات، سيوصي بتكليف بنيامين نتنياهو تشكيل الحكومة الجديدة.
ونشير، قبل الدخول في التفاصيل، إلى أن بنيامين نتنياهو كان قد عرض على فينتر ضمان مقعد له في الليكود، لكن الأخير رفض.
وحالياً، تنتشر تقارير صحافية تدعي وجود قلق كبير في الليكود، وخاصة لدى نتنياهو ومحيطه، من هذه القائمة، التي يرون أنها تقتنص أصواتاً من الليكود، وقد لا تجتاز نسبة الحسم، وبالتالي تحرق عشرات آلاف أصوات اليمين الاستيطاني المتطرف.
لكن، في ظل كل هذا، تحوم أسئلة كثيرة حول هذه القائمة، بعضها يمكن إدراجه في خانة «نظرية المؤامرة».
فعلى صعيد الشأن الإسرائيلي الداخلي، تبدو المسألة الأبرز موقف فينتر الداعي إلى تجنيد شبان الحريديم في الجيش، في وقت يراوح فيه فريق الأحزاب الحاكم حالياً، ومن ضمنه كتلتا الحريديم، بين رفض التجنيد أو التراخي تجاه هذه المسألة.
وفي المقابل، تؤيد نسبة عالية من القاعدة الانتخابية لليمين المتطرف، وخاصة الليكود، فرض الخدمة العسكرية على الحريديم، ويمنح بعض هؤلاء هذه القضية أولوية.
ويمكن التكهن بأن تخوف نتنياهو يعود إلى احتمال خسارته عشرات آلاف الأصوات، وربما أكثر، من قاعدته الانتخابية بسبب قضية التجنيد، وأن هذه الأصوات قد تجد في أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، عنواناً سياسياً، خاصة مع توغله في خطابه السياسي المتطرف.
وعلى هذا الأساس، يظهر احتمال أن يكون الغرض من قائمة فينتر امتصاص هذه القوة الانتخابية، ومنع وصولها إلى ليبرمان، الموجود ضمن فريق المعارضة الصهيونية الساعي إلى استبدال حكم نتنياهو والليكود.
وتتعزز «نظرية المؤامرة» هذه بالنظر إلى تركيبة قائمة فينتر. فقد اختار «عربياً» في المرتبة الثانية، هو يوسف حداد، الجندي السابق المصاب الذي يعمل في الدعاية الإسرائيلية في العالم، ويتبنى مواقف اليمين الأشد تطرفاً.
وهذا الشخص لن يضيف، على الأرجح، حصيلة انتخابية تُذكر من المجتمع العربي؛ ربما بضع عشرات من الأصوات، أو أكثر بقليل. ومن ناحية أخرى، صدرت أكثر من «فتوى دينية» عن حاخامات قياديين لدى المستوطنين وجمهور اليمين الاستيطاني، تقول إنه لا يجوز التصويت لقائمة تضم شخصاً غير يهودي، حتى لو كان من أشد المؤيدين لليهود. وهذه الفتاوى تُبعد جمهور التيار الديني الصهيوني الذي ينتمي إليه فينتر.
وتتأرجح هذه القائمة، حتى الآن، بين عدم اجتياز نسبة الحسم والحصول على خمسة مقاعد، وفق استطلاعات توحي بأنها تميل إلى اليمين والفريق الحاكم. لكن في الأيام الأخيرة، انتشر مقطع من مقابلة مع حداد في إحدى القنوات العربية الفضائية، تعود إلى عدة سنوات، يقول فيها إنه يؤيد قيام دولة فلسطينية، لتكون فاتحة هجوم أشد على فينتر.
وحين نقول «نظرية المؤامرة»، فهذا يعني أنه لا يوجد شيء مضمون، وأن كل الاحتمالات واردة في حلبة سياسية انتخابية عاصفة، تقول وقائعها إن الانتخابات ستفرز حالة من عدم الاستقرار السياسي، وفق ما تكاد تُجمع عليه استطلاعات الرأي العام.
(*) المصدر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)
