تقول الحِكمةُ الشعبية: “لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك“، والمراد أن يروض المرءُ نفسه على عدم الاستسلام للانفعالات السريعة التي غالبًا ما تسفر عن ارتكاب أخطاء لا ضرورة لها؛ خاصة واللسان يغدو بعض الأحيان كالفرس الجامح؛ يحتاج إلى لجام لئلا يصيب من يعترض طريقه، أو يتعرَّض هو نفسه لأذى الاصطدام.
***
جزءٌ مهم من القبول الذي يحظى به الواحد عند الناس؛ قوله وبيانه. إذا كان موفقًا فيهما مالكًا أمرهما؛ توطدت علاقاته وتيسَّرت أهدافه، وإذا أخفق ونطق بما لا يُستحَب ولا يجوز؛ جاء بأثر عكس المراد، ولا عجب حينها إن تلقى العتاب، وبكَّته السامعون على سوء تقديره قائلين: “الملافظ سعد“.
***
يُوصَف المرءُ بأنه حلو اللسان ما ترفق في أسلوبه واستطاع أن يصيغ أصعب الرسائل في أطيب الكلمات. الحلاوة نقيض المرارة، والمُرُّ من الكلام يتعذر ابتلاعه، وقد غنى الشيخ إمام من كلمات أحمد فؤاد نجم: “مُرّ الكلام زي الحسام يقطع مكان ما يمُرّ“؛ فكان لغنائه في النفوس العليلة فعل النصل الحاد؛ إذ يُسيل الدماء ويُذكر دومًا بالعِلة والذِلة.
***
ضِمن مناهج الدين المدرسيَّة، حفظ كثيرنا الآية التي تقول: “ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا مِن حولِك“. الفظاظة والغلظة تُثقِلان الخطاب؛ حتى ولو كان صاحبه أعلمَ الناس وأكثرهم اتزانًا؛ فمتى تمكنتا من حديثه؛ نفر المتلقون منه وأعرضوا عنه، وتركوه وحيدًا يخاطب نفسه؛ إلا أن يخشوا بطشه فيمكثوا مضطرين، وأكم من جَهبذ تولَّى عنه المُريدون لسوء المَعشَر، وأكم من ظالمٍ، جافِ الطباع، خشنِ اللفظ، فجّ القول؛ تكأكأ عليه الناسُ وزادوه مديحًا؛ خوفًا من غضبه.
***
رأى فرويد أن لزلات اللسان وهفواته معنى وأصل، وأن أحداثًا وقعت خلال الطفولة وما بعدها؛ قادرةٌ على تشكيل ما يتفوَّه به الشخص؛ إذ تراوِغ وعيَه، وتنسلت لتظهر عفوًا في جملة أو عبارة، وقد يلتقطها الآخرون؛ فيفسرونها تبعًا لما تعرَّضوا هم أنفسهم له. زلَّات اللسان قد تغدو مؤلمةً للنفس قاسية، والزَلل درجةٌ أعلى ولا جدال من ارتكاب الخطأ البسيط المُعتاد، وقد شهدنا من زلَّات الكبار ما أضحكنا ودفع بالدموع إلى أعيننا؛ خاصةً في المواقف الرسميَّة التي تقع علنًا، ولا تحتمل هزلًا ولا مزاحًا، ويبدو أن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب قد احتلَّ المرتبة الأولى في هذا المِضمار إلى الآن؛ لكنه لا يقف فيه وحيدًا؛ إذ له أشباه ينافسون على الصدارة.
***
لا يقتصر حسنُ القول على استخدام مفرداتٍ لينةٍ لطيفة؛ إنما يمتدُّ إلى مُراعاة الدقَّة في اختيار كلّ مفردة على حده؛ طمعًا في أن تؤدي المعنى المرجو مباشرةً ودون انحراف، وأن تتماشي مع ثقافة السامعين ودرجة استيعابهم، دون أن تتعالى عليهم أو تهين قدراتهم؛ والحقُّ أن المهارة تكمُن في جعل الكلام يسيرًا وسلسًا؛ أما الميل إلى التعقيد والمغالاة في التركيب والتقديم والتأخير؛ فيسفر عن إرباك الأفهام وحسب.
***
قدَّم الراحل مصطفى جواد برنامج “قل ولا تقل” لأعوام طويلة؛ عاملًا على تصحيح الكلمات التي يخطئ كثير الناس نطقها. البرنامج شديد التميز، مُحقَّق الفائدة، وجواد هو لغويٌّ عراقيٌّ بارعٌ ومُتمكّن، مولود في بغداد بمطلع القرن العشرين، وقد صدرت حلقات برنامجه في كتاب، وقلَّده لاحقًا بعض مُقدمي البرامج الإذاعيَّة والتلفزيونيَّة؛ لكن أداءه ظلَّ محتفظًا برونق شديد الخصوصيَّة لا ينازعه فيه آخر.
***
عُرِضَ مُسلسَل “وقال البَحر” في مطلع الثمانينيات؛ سيناريو أسامة أنور عكاشة، وإخراج محمد فاضل، بينما التمثيل لنخبة شديدة التميُّز من الفنانين، أما كلمات الأغنية الافتتاحية؛ فكتبها سيد حجاب ولحَّنها عمَّار الشريعي وأدَّاها علي الحجار، وفيها ما يشرح قولَ البحر بتفصيل خلَّاب.
***
إذا أراد الواحد منا تأييدَ رأي مُحدّثه والتضامن معه؛ استخدم التعبير الشهير: “على قولك“، وإذا قرَّر أن يمدح آخر دَمث الخلق، حريصًا على الابتعاد عن الفاحش من الكلام؛ قال في نبرةٍ واثقة: “فلان ما تطلعش منه العيبة“، أما في الحال النقيضة فالمثل الشعبيّ اللاذع يستوفي الغرض ويزيد: “إن طلع العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب“؛ والمعنى أن القول أو الفعل السيء ليس بمُستعجَب من صاحب الخُلُق السيء؛ إنما يؤخذ كسلوك طبيعي معتاد لا يستحق الدهشة مطلقًا، والحقّ أن هؤلاء الذين يقترفون العيب؛ فلا يجد المرء في نفسه ميلًا لتأنيبهم أو حتى استنكار فعليهم؛ إنما يدربون الآخرين على قبول مصائبهم في استسلام، وبغير غضبٍ أو حتى ضيق، والنتيجة أن يتمادي المُسيء ويغالي في إساءته؛ حتى ليحقَّ في وصفه المأثور الطريف: “سكتنا له دخل بحماره“.
***
على عكس الأقوال المُرسَلة التي لا تجد سندًا ولا دليلًا؛ فللأقوال الصادِقة الحاسِمة أثرٌ عميقٌ ومشهود؛ يهتدي الناس بها ويضبطون مساراتهم، ويبنون في رحابها مواقفهم ويدبّرون صنائعهم، والظنُّ أن الصحافةَ الحرَّة النزيهة التي تلتزم في خطابها الشفافية وكشف الحقيقة؛ إنما تؤدي دورًا لا يُنكَر في إنارة الأركان المُعتِمة، وتوضيح ما خفيَ أو التبس على الجُموع المُتعطشة للمعرفة؛ ولا عجب إن هي لقيت مِن القمع والترهيب ما تضيق له الصدور وتأسى، وإذ يتعرَّض هؤلاء البشر الذين يسعون وراء المحجوب ويتحلون بالشجاعة الواجبة؛ للتنكيلَ والأذى على مرّ الأزمنة؛ فإنهم يخلفون بين صفحات التاريخ ما يصمد في وجه الجُور، ويحظى بالخلود.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
