منذ التدخل العسكري السوري في لبنان عام 1976، ثم ترسخ الوصاية خلال سنوات الحرب وبعد اتفاق الطائف، امتد النفوذ السوري إلى صلب القرار اللبناني، من تشكيل الحكومات والاستحقاقات الرئاسية إلى الانتخابات وتوازنات القوى. ولم تقتصر هذه العلاقة على الحضور العسكري والأمني، بل تشابكت مع شبكات ومنظومات مصالح سياسية وشخصية جعلت الوصول إلى دمشق مورداً لتعزيز المواقع والنفوذ في بيروت.
ومع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، يعود السؤال الأساسي: هل يتغير منطق العلاقة بتغير السلطة في دمشق، أم أن النفوذ يمكن أن يستمر بأدوات تتلاءم مع المرحلة الجديدة؟
***
لم يكن الخط العسكري في المصنع متاحاً للجميع. فقد أتاح لشخصيات لبنانية العبور بإجراءات استثنائية، فيما خضع المواطنون للقواعد المعتادة. ولم يكن هذا التفاوت مجرد مسألة إدارية، بل عكس شبكة علاقات جعلت القرب من السلطة السورية امتيازاً يمكن توظيفه في المنافسة السياسية داخل لبنان.
فالسلطة لا تعمل عبر المؤسسات والقوانين وحدها، بل تستخدم أيضاً الامتيازات وإتاحة الوصول إلى مراكز القرار. وحين تتداخل القنوات الرسمية مع شبكات الولاء، يصبح الاتصال بالسلطة الخارجية جزءاً من القوة السياسية الداخلية.
ولم يكن الخط العسكري صانعاً للزعامات، بل إحدى القنوات التي ساهمت في تثبيت نفوذ بعضها. فقد تقاطعت مصالح دمشق مع مصالح شخصيات لبنانية وجدت في العلاقة معها وسيلة لتعزيز موقعها الداخلي، فيما استفادت سوريا من هذه الشبكات للتأثير في التوازنات اللبنانية.
وهكذا لم يكن الممر سبب اختلال العلاقة، بل أحد مظاهر بنية أوسع من الوصاية، تداخلت فيها الهيمنة الخارجية مع مصالح لبنانية سهّلتها، أحياناً طلباً للحماية، وأحياناً سعياً إلى الغلبة.
***
لا تكمن المسألة في مَن يحكم دمشق، بل في ما إذا كان تغير الحاكم يعني بالضرورة تغير النظرة إلى لبنان. فقد أتاحت ظروف الحرب الأهلية وتوازنات الإقليم لحافظ الأسد تحويل الحضور السوري إلى نفوذ امتد إلى صلب القرار اللبناني. واليوم، مع تبدل الظروف والتحالفات، يبرز سؤال آخر: هل تغيرت الحسابات، أم أن المرحلة الجديدة تتيح إعادة بناء النفوذ بأدوات مختلفة؟
تجري هذه التحولات في ظل إعادة تشكل موازين القوى الإقليمية وتراجع بعض مصادر النفوذ السابقة. وقد تتيح الظروف الجديدة لدمشق فرصاً مختلفة للتأثير في لبنان عبر الاقتصاد والتحالفات وشبكات المصالح، من دون الحاجة إلى استعادة أساليب الماضي بحذافيرها.
ويثير اختلاف المرجعية السياسية والاجتماعية للسلطة الجديدة عن النظام السابق تساؤلات بشأن نظرتها إلى موقع لبنان في الحسابات السورية. لكن تبدل هوية الحاكم لا يكفي لإثبات تغير تعريف المصالح أو حدود النفوذ. فالمعيار ليس هوية السلطة وحدها، بل كيفية تعاملها مع استقلال لبنان وقراراته.
***
ليس تكرار الماضي قدراً محتوماً، كما أن اختلاف الحاضر لا يثبت القطيعة معه. فالتغيير يُقاس بالممارسة، لا بالأسماء والخطابات: هل تتعامل دمشق مع لبنان بوصفه دولة مستقلة، أم مجالاً حيوياً تسعى إلى التأثير في قراره؟ وهل تقبل باستقلال خيارات بيروت حتى عندما تتعارض مع حساباتها؟
يتيح سقوط النظام السابق فرصة لإعادة بناء العلاقة بين البلدين، لكن هذه المهمة تتجاوز إعلان احترام السيادة. فلبنان وسوريا يحتاجان إلى التعاون في ملفات الحدود والأمن والتجارة والموقوفين والنازحين، فضلاً عن ترسيم الحدود البرية والبحرية وتسوية القضايا العالقة. ولا يمكن إدارة هذه المصالح بالقطيعة، كما لا يمكن ضمان استقرارها بالاعتماد على العلاقات الشخصية وحدها.
وشكلت الاتصالات والزيارات الرسمية بعد سقوط الأسد مؤشرات إلى إمكان فتح صفحة جديدة، لكن الانتقال إلى الدبلوماسية الرسمية لا يكفي وحده لإثبات تغير طبيعة العلاقة؛ إذ قد تبقى المؤسسات شكلية إذا استمر اتخاذ القرارات الفعلية عبر قنوات غير رسمية.
وقد تجد دمشق أن التعامل مع شخصيات لبنانية نافذة أسرع من التفاوض مع مؤسسات تعاني الانقسام والبطء. لكن هذه السرعة، إذا أصبحت أساساً لإدارة العلاقة، قد تعيد إنتاج التفاوت الذي جسده الخط العسكري. فقد يختفي الممر بوصفه طريقاً مادياً، فيما يستمر منطقه عبر قنوات سياسية أو أمنية أو اقتصادية غير رسمية.
ومع ذلك، فإن استمرار المصالح السورية في لبنان لا يعني حتماً تكرار التجربة السابقة. ما يحسم المسألة هو طبيعة الأدوات المستخدمة، وحدود النفوذ المطلوب، ومدى احترام استقلال الدولة اللبنانية.
ولا تنتج العلاقة غير المتوازنة من القوة الخارجية وحدها؛ إذ ساهمت فيها أيضاً قوى لبنانية رأت في الاستعانة بدمشق وسيلة لتعزيز مواقعها أو تجاوز خصومها. وقد أظهرت التجربة اللبنانية أن بعض القوى تلجأ إلى الخارج عندما تعجز عن تحقيق أهدافها داخل المؤسسات، أو حين تسعى إلى ترجيح كفتها في الصراع الداخلي.
لكن الاعتراف بهذه المسؤولية لا يعني مساواة الطرفين. فالقوى اللبنانية التي استعانت بدمشق لم تمتلك ما امتلكته الدولة السورية من قوة عسكرية وأدوات نفوذ أمني وسياسي. لذلك، فإن مسؤولية القوى المحلية عن تسهيل التدخل لا تلغي مسؤولية الطرف الأقوى عن ممارسته.
***
اليوم، تحتاج العلاقة الجديدة بين لبنان وسوريا إلى تحول من الجانبين: أن تتعامل دمشق مع لبنان بوصفه دولة مستقلة لا ساحة نفوذ، وأن تتعامل القوى اللبنانية مع سوريا بوصفها دولة جارة، لا مرجعية تُستدعى لحسم النزاعات الداخلية. فمن دون مراجعة هذا السلوك، قد تتغير موازين القوة فيما يبقى منطق العلاقة على حاله.
لا يحتاج لبنان وسوريا إلى إنكار التاريخ أو تجاهل الجغرافيا لبناء علاقة مختلفة. ما يحتاجان إليه هو التخلي عن الاعتقاد بأن القرب الجغرافي يمنح حق التدخل، أو أن تشابك المصالح يبرر تجاوز السيادة.
ولا يكمن السؤال في قدرة النظام السوري الجديد على إدارة علاقته بلبنان من دون خط عسكري؛ فالعلاقات الطبيعية بين الدول لا تحتاج إلى ممر استثنائي. السؤال هو ما إذا كانت دمشق مستعدة للتخلي عن إدارة لبنان عبر شبكات النفوذ والولاءات، وما إذا كانت بيروت قادرة على بناء مؤسسات تمنع إعادة إنتاجها من الداخل.
فالتاريخ لا يعيد نفسه دائماً بالأدوات ذاتها. قد تتغير المداخل والوجوه، فيما تبقى معادلة النفوذ كامنة تحت سطح التحولات. ولا يُقاس التغيير في دمشق بهوية الحاكم أو بخطابه، بل بمدى احترامه استقلال لبنان، كما لا يُقاس في بيروت برفع شعار السيادة، بل بالاستعداد لحمايتها عندما تتعارض مع المصالح السياسية.
فالعلاقة الجديدة لا تبدأ بإغلاق طريق قديم، بل بانتهاء منطق الوصاية في دمشق، وتراجع الاستعداد لاستدعائه في بيروت.
