موسكو وفخّ الخطوط الحمراء: كيف يتحوّل الردع إلى استنزاف؟

تُقارب الحرب الروسية ـ الأوكرانية (يمكن قراءة الأطلسية) نهاية عامها الخامس، وعلى الرغم من تعدد الاتصالات والمساعي، تبقى القضايا الترابية والضمانات الأمنية من أكثر الملفات استعصاءً على التسوية. ولا يوجد ما يشير إلى نضج المبادرات والمواقف بالقدر الذي يسمح بالتوصل إلى تسوية في الأفق القريب، تقبل بها جميع الأطراف المعنية بالنزاع. 

يمكن النظر إلى الحرب الروسية ـ “الأوكرانية” ليس فقط كنزاع حول الأراضي والأمن والنفوذ، وإنما لحدّ بعيد امتحانًا لقدرة الخصم على الاحتمال. وهنا تبرز فرضية «الخطوط الحمراء الروسية الرخوة». ولا بد من الإشارة، بدايةً، إلى أن الأمر لا يتعلق بطرحٍ نظريٍّ اجتاز مراحل الاختبار وأصبح مستقرّا، وإنما نحن أمام مفهوم تفسيريّ مبتكر يُراد من خلاله مقاربة الأبعاد الكامنة وراء عدم تنفيذ بعض التهديدات الروسيّة بالشكل المتوقع.

ولا تعني عبارة “الخطوط الحمراء الّرخوة”، عدم وجود حدود حقيقية، أو عدم جدّية التهديدات الروسية. المقصود، اعتبارا لحالات ضبط النفس العملياتي الروسي المتكررة، هو وجود فجوة محتملة بين مستوى التحذير السياسي وبين مستوى الرد العسكري الذي يأتي عند اختبار تلك التحذيرات أو تجاوزها. ولا تكمن أهمية هذه الفجوة فقط في أثرها على مصداقية الردع الروسي، بل في أثرها على سلوك الخصم.

الخط الأحمر، حتى عندما لا يُفعّل ولا يفضي إلى مواجهة مباشرة، قد يؤدي وظيفة فعّالة بإجبار الطرف المقابل على التعامل مع احتمال التصعيد بجدّية. ومن ثم، فإن الغرب لا يستطيع من سياق عمليّاتي مفعّل، أن يتعامل مع كل تهديد روسي على أنه مجرد خطاب، لأن تكلفة الخطأ في تقدير إحدى الحالات قد تكون مكلفة. ولذلك نرى أنّ الاستجابة تُبنى على مروحة السيناريوهات المحتملة.

هنا تظهر ملامح “الفخ”. كلما أعلنت موسكو أن انتقالًا معينًا في نوعية السلاح أو مدى الضربات أو طبيعة الدعم الغربي يمكن أن يؤدي إلى تصعيد خطير، يضطر الغرب إلى دراسة الاحتمال والاستعداد له. وإذا لم يقع التصعيد المتوقع، لا يعني ذلك أن تكلفة التهديد اختفت؛ فقد يكون الأمر “امتناع مرحلي” يخفي الانتقال إلى مستوى جديد من التسليح والاستعداد.

وهكذا يمكن أن تنشأ حلقة تراكميّة، تبدأ بخط أحمر روسي يتبعه حساب غربي لمخاطر التصعيد، فزيادة في الاستعداد والتسليح، فتجاوز تدريجي لعتبة سابقة، فظهورُ خط أحمر جديد؛ وبالنتيجة زيادة إضافية في الإنفاق والاستعداد. وبهذا المعنى، فإن الخط الأحمر لا يحتاج إلى أن يكون «صلبًا» كي ينتج آثارًا ملموسة. يكفي أن يكون قابلًا للتّصديق بما يكفي لإجبار الخصم على التّحوط.

أوكرانيا: مدخل جيوسياسي لإعادة بناء القوة الغربية

كانت الحروب دائماً إطاراً استثنائياً للتعلم العسكري وللابتكار التكنولوجي تحت الضغط. ومع التقدم العلمي والطفرة الرقمية تعززت الاستفادة من القتال للتسريع في تطوير الأنظمة العسكريّة الدفاعية والهجومية. وهنا يمكن فهم أوكرانيا باعتبارها أكثر من مجرد ملف جيوسياسي مرتبط بالعلاقة بروسيا وبهيكلة الأمن الأوروبي؛ فقد أصبحت ساحة احتكاك، وتعلم بين منظومتين عسكريتين متنافستين؛ في زمن إعادة تعريف مرتكزات التوازن القطبي.

تحصل الولايات المتحدة والدول الأوروبية على معلومات وخبرات عملية حول أداء منظوماتها وتكتيكات استخدامها، وتحصل روسيا بدورها على خبرة مباشرة في مواجهة أسلحة وتقنيات ومعلومات استخباراتية وأساليب عملياتية مرتبطة بالمنظومة العسكرية الغربية. ومن هذه الزاوية، تصبح الحرب وسيلة لاختبار القدرات وتحديث العقائد وتطوير التكنولوجيا لدى الطرفين، دون سقفِ تحوُّل المواجهة إلى حرب رسمية مباشرة بين روسيا وحلف الناتو.

وهذا تحديدًا خيط المقامرة الرفيع الذي يحكم المعادلة، فكل طرف يستطيع التعلم من الآخر، وكل طرف يستطيع تطوير أدواته استنادًا إلى ما يراه في الميدان، بينما هاجس عتبة اندلاع الحرب المباشرة يظل قائماً ومخاطر انفلات الأوضاع تُخيّم على المشهد السياسي والأمني.

وتكشف الحرب أيضًا عن مفارقة مرتبطة بمخزونات الأسلحة الغربية. فقسم من الأسلحة التي أرسلت إلى أوكرانيا كان قديمًا نسبيًا، أو يقترب من نهاية دورة استخدامه العملياتية، الأمر الذي أتاح للدول الغربية إخراج جزء من المخزونات القديمة من الخدمة واستخدام الحرب لتقييم البدائل وتعويض النقص، وفي الوقت نفسه التزود بأنظمة أكثر تطورًا لتعويض ما تم سحبه. هنا، وفرت الحرب للغرب فرصة نادرة لتقييم منظومات قديمة وحديثة في ظروف قتالية حقيقية، وتحديد ما يحتاج إلى تحديث، وما الذي أثبت فعاليته، وما الذي لم يعد ملائمًا لطبيعة الحرب الحديثة.

هذا لا يعني أن القوات الأطلسية تفتقد لتقييمات لمستوى أداء الأسلحة الروسية التي خبرتها خلال نزاعات عديدة. الجديد في السّياق الأوكراني هو المواجهة مع منظومة تسليح متكاملة تحت إمرة هيئة أركان روسية خالصة. ويكون من الخطأ اختزال السياسة الغربية تجاه أوكرانيا في اقتناص فرصة تجربة الأسلحة والتطوير؛ فالدعم يرتبط أيضًا باعتبارات أمنية وسياسية واستراتيجية تتعلق بمستقبل أوروبا والأمن الأطلسي والسعي لإضعاف شركاء الصين وأوراسيا عموما.

فخ الجهوزيّة الأبدية وانتقال التكلفة من الجبهة إلى المجتمع

ما يبدو استجابة “دفاعية” منطقية، قد يُنتج على المدى الطويل إعادة توزيع واسعة للأولويات الاقتصادية والسياسية في الغرب. فالإنفاق الدفاعي يتم داخل منظومة اقتصادية كُليّة، وكل زيادة مستدامة في الموارد المخصصة للدفاع تعني، بدرجات مختلفة بحسب الدولة، منافسة أكبر على الموارد العامة مع الصحة والتعليم والبنية التحتية والحماية الاجتماعية؛ قد تزيد الضغوط على المالية العامة.

إقرأ على موقع 180  سيولة زلزالية تطغى على المشهد الرئاسي التركي!

والفخ الأكثر خطراً، قد لا يكون عسكريًا ولا ماليًا بل اجتماعيًا. فكلما طال أمد الحرب، وارتفع مستوى التسليح، أصبح الهاجس الأمني وأسئلة كثيرة أخرى أقل ارتباطًا بالجبهة الأوكرانية وأكثر إلحاحاً في الحياة السياسية الداخلية للدول الغربية. المشهد الإعلامي، والنقاش السياسي في أوروبا يعجان بالأسئلة حول مستوى الإنفاق ومداه الزمني، وما جدية احتمال تحول الدعم الى مشاركة مباشرة تفتح حرباً مفتوحة روسية-أطلسية.

وهنا تدخل هواجس العائلات الأوروبية إلى المعادلة. قد يتقبل المواطن إرسال الأموال أو المعدات إلى حرب بعيدة بدرجة تختلف عن تقبله احتمال إرسال ابنه إلى حرب مباشرة. ولذلك فإن الانتقال من «دعم أوكرانيا» إلى «الاستعداد لمواجهة محتملة مع روسيا» يستبطن تكلفة سياسية واجتماعية من سجل مختلف وبتبعات خاصة. فمجرد احتمال اتساع الحرب يمكن أن يغير علاقة المجتمع بالدولة وبالمؤسسة العسكرية.

ويصبح السؤال الذي كان يبدو بعيدًا عن الحياة اليومية حاضرًا في النقاش العام: هل يمكن أن يُطلب من أبنائنا أن يدفعوا ثمن حرب بدأت كنزاع بدأ بعيدا عن حدودنا؟ هنا قد يتحول القلق الفردي إلى عامل سياسي واجتماعي. ليس بالضرورة أن يؤدي إلى رفض الدعم لأوكرانيا، لكنه يضيف طبقة جديدة من الضغط على الحكومات التي تسعى لإقناع المواطنين بأن الحرب لن تتحول إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، في حين التزمت في إطار اتفاقات إقليمية بالحفاظ على الدعم العسكري لمواصلة النزاع.

ولا ينبغي قياس الاستراتيجية الروسية فقط بعدد الخطوط الحمراء التي نفذتها موسكو، أو لم تنفذها. فيطرح السؤال الأنسب حول أثر التهديدات في استنزاف الخصم دون صدام ميداني. فإذا أدت التهديدات المتكررة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتسريع إعادة بناء الصناعات العسكرية، وترفيع حجم المساعدات، وتغيير العقائد العسكرية، وإعادة ترتيب الأولويات المالية، وإدخال احتمال الحرب المباشرة إلى النقاش الاجتماعي والسياسي، فإن الخط الأحمر يكون قد أنتج أثرًا إستراتيجياً حتى من دون تفعيل الردّ العمليّاتي المنتظر عند كل تجاوز. وهنا يصبح «فخ الخطوط الحمراء الرخوة» مفهومًا يتجاوز الردع التقليدي. إنه آلية يمكن من خلالها تحويل الخوف من التصعيد إلى أصلٍ/ مُقدَّرٍ استراتيجي.

وفي المحصلة، فإن جوهر «فخ الخطوط الحمراء الروسية الرخوة» لا يتمثل بالضرورة في قدرة موسكو على فرض مسار محدد على خصومها، بل في قدرتها المحتملة على إبقائهم في حالة استعداد مستمر لسيناريو التصعيد. وكلما طال أمد هذه الحالة، ارتفعت كلفة الاستعداد، واتسعت الالتزامات العسكرية والمالية، وأصبح التراجع إلى مستويات الإنفاق والجاهزية السابقة أكثر صعوبة. ومع ذلك، تبقى هذه الفرضية محاولة تفسيرية لا تكفي لاختزال التحولات الأمنية الغربية، إذ تتداخل معها حسابات مستقلة تتعلق بالحرب نفسها، وبمستقبل الأمن الأوروبي، وبالعلاقة مع الولايات المتحدة، وبالثغرات الدفاعية التي كشفتها الحرب.

وفي النهاية، تظل الحرب، وفق التصور الكلاوزفيتزي، مرتبطة بهدف سياسي؛ ولذلك فإن تراكم القوة والضغط العسكري لا يلغي احتمال التسوية، بل قد يصبح أحد عناصر تشكيل شروطها عندما تنضج الظروف السياسية والميدانية. أو، عندما تقتنع واشنطن بأنّ التعددية القطبية أصبحت قدرا لا يمكن الإفلات منه مهما طالت المكابرة والتعنت.

(*) بالتزامن مع موقع “بوليتيكا“

Print Friendly, PDF & Email
حامد بن إبراهيم

كاتب تونسي مُقيم في ألمانيا، استشاري في العلاقات الدولية

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ميقاتي إنْ كُلّفَ: التأليف قبل التكليف.. وإلا سيناريو الحريري!