سألت رونا باريت ضيفها دونالد ترامب عمّا إذا كان يرغب في أن يصبح رئيسًا للولايات المتحدة يومًا ما، فرد بالنفي الحاسم.
وخلال المقابلة تطرق ترامب إلى أهم أزمة خارجية تواجه الولايات المتحدة في تلك المرحلة، وهي أزمة الرهائن الـ52 في سفارة بلاده بطهران، عاصمة إيران، الذين قضوا حتى موعد مقابلة ترامب 336 يومًا. وقال ترامب: «لا أعتقد أن إيران كانت ستحتفظ برهائننا لمدة 10 دقائق، وليس لأيام أو أسابيع، لو كانوا يحترمون هذا البلد. لا أعتقد أنهم كانوا ليتجرأوا ويأخذوا رهائننا لعشر دقائق. هم لا يحترمون هذا البلد، وإلا لما فعلوا ذلك».
وجاءت مقابلة ترامب قبل الإفراج عن الرهائن، في يوم 20 كانون الثاني/يناير 1981، بعدما انتهى الرئيس الجديد آنذاك، رونالد ريجان، من إلقاء القسم الرئاسي في مراسم تنصيبه رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة، وذلك بعدما قضى الرهائن 444 يومًا في الاحتجاز.
وفي حديثه أضاف ترامب: «إن احتجازهم رهائننا أمر سخيف تمامًا. أن تجلس هذه الدولة (أمريكا) مكتوفة الأيدي وتسمح لدولة مثل إيران باحتجاز رهائننا، من وجهة نظري، أمر مرعب. ولا أعتقد أنهم سيفعلون ذلك مع دول أخرى».
وهكذا اعتبر ترامب، منذ أكثر من أربعة عقود، أن أزمة احتجاز الرهائن كانت رمزًا لضعف أمريكا. كما طالب ترامب بأن يبعث البيت الأبيض قوات أمريكية لإخراج رهائنها وتحريرهم، وقال ذلك بعدما فشلت محاولة البنتاجون تحرير الرهائن في عملية عسكرية خاصة قُتل فيها 8 من قوات “المارينز” الأمريكية.
وقال ترامب كذلك: «نعم، يجب علينا الدخول إلى هناك. أعتقد أننا كنا سنكون الآن دولة غنية بالنفط، وأعتقد أنه كان يجب أن نفعل ذلك، وأنا محبط جدًا لأننا لم نفعل. ولا أعتقد أن أحدًا كان سيحتجزنا».
وبعد ما يقرب من 46 عامًا على هذا اللقاء، يُكرّر ترامب في تصريحاته القول إنه «على مدى 47 عامًا هتف النظام الإيراني: الموت لأمريكا، وشن حملة لا تنتهي من إراقة الدماء والقتل الجماعي».
***
عندما تحدث ترامب إلى رونا باريت عام 1980، كان شابًا تتشكل نظرته للعالم متأثرة بعدة أحداث كبرى، منها صدمات النفط عقب حرب أكتوبر (1973)، وما تبعها من تضخم كبير، ثم وقوع أزمة الرهائن؛ وهي تطورات اعتقد ترامب أنها كشفت عن ضعف أمريكا. وبعد أكثر من 40 عامًا، قد يرى دونالد ترامب، جزئيًا، أن حربه الجارية مع إيران فرصة للانتقام مما أزعجه في شبابه.
وهكذا شكّلت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي رؤية ترامب للعالم. وفي الفترة نفسها كانت نيويورك، مدينته، تعاني من ارتفاع نسب الجريمة، وكانت إلى حد ما مدينة فوضوية وخارجة عن السيطرة، وفاسدة سياسيًا. واعتبر ترامب أن ذلك يضر بأمريكا وبمكانتها، ولا يزال يستخدم اللغة نفسها والمصطلحات ذاتها التي تشير إلى استغلال الآخرين لأمريكا وإذلالها.
أعتقد أنه عند التفكير في سياسة دونالد ترامب الخارجية يمكن النظر إليها بعدة طرق. فشعار «أمريكا أولًا» يبدو وكأنه مواجهة لتصور بالإهانة، مفاده أن أمريكا تُستغل أو تُذل بطريقة ما من قبل دول أخرى. ويمكن النظر إلى قراره بالحرب على إيران في ضوء الانتقام مما يراه إذلالًا إيرانيًا لأمريكا قبل 46 عامًا. وفي مقابلته مع رونا باريت تطرق ترامب إلى نفط إيران، وقال: «لو دخلنا إيران لكنا أصبحنا أغنى بالنفط».
وكرّر ترامب الكلام نفسه عن العراق وسوريا، حينما انتقد واستغرب عدم سيطرة بلاده على نفط الدولتين بعد أن تدخلت فيهما عسكريًا. ويرى ترامب أن إيران مهمة أيضًا بسبب حجم احتياطاتها النفطية ودورها في تزويد الصين بالنفط. لذا، على المدى الطويل، يعتبر ترامب أن السيطرة الأمريكية على إيران قد تحقق له العديد من الأهداف الداخلية والخارجية.
***
قبل أكثر من نصف قرن، وفي عام 1959 تحديدًا، ألحق فريد كريست ترامب ابنه، ذا الثلاثة عشر ربيعًا، دونالد، بمدرسة داخلية عسكرية خاصة تقع شمال ولاية نيويورك تُسمى New York Military Academy، سعيًا لغرس صفات الجدية والالتزام والانضباط التي فشلت العائلة في تربية ابنهم المدلل عليها.
وقد قضى الشاب دونالد خمس سنوات في المدرسة العسكرية، تألق خلالها وانضبط كثيرًا، وصار شابًا رياضيًا ملتزمًا، وبخاصة مع تعوده على بدء يومه قبل السادسة صباحًا وإنهائه قبل العاشرة مساءً.
وبعد تخرجه من المدرسة لم يلتحق بكلية عسكرية كما كان يرغب، بل انتظم في دراسة إدارة الأعمال استجابة لرغبة والده في أن يساعده ابنه النابه ويدير أعماله من بعده. إلا أن إعجاب دونالد بالحياة العسكرية ما زال يؤثر عليه بصورة كبيرة، حتى بعدما اقترب من الثمانين من عمره وأصبح رئيسًا للولايات المتحدة مرتين.
خلال اجتماع مع قادة البنتاجون حول أزمة حرية الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، عقب التفجيرات التي استهدفت بعض ناقلات النفط في صيف 2019، والتي اتُّهمت إيران بالوقوف وراءها، قال ترامب: «المرة القادمة، إذا اقتربت سفن إيرانية من مضيق هرمز، عليكم بتدميرها على الفور».
اليوم ينفذ ترامب سياساته الانتقامية القديمة ضد إيران، غير مكترث بتحقيق أي أهداف لبلاده، وغير مكترث بأرواح الأمريكيين والإيرانيين، وإنما ينتقم فقط من إحساس بالإذلال شعر به قبل ما يقرب من نصف قرن.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
