هذا الاعوجاج في مسار حيوات شخصيات رواية “عيون بيروت” لا يتبدى كمشهد خلفي في العمل الروائي بل كصيرورة زمنية ممتدة في الوعي اللبناني؛ من اغتيال رفيق الحريري ( ٢٠٠٥)، إلى انفجار مرفأ بيروت (٢٠٢٠)، سنوات تقول الكثير ولكن قلّما نقرأ عملاً روائياً انشغل في كيفية التداخل بين الخاص والعام في كل هذه المحطات والأزمنة.
في الرواية، جهدٌ شاقٌ لتبيان كيف تتكرر الأحداث تكرار نفسها مع اختلاف العمر والتجربة والسياق. أربع شخصيات تنهض عليها الرواية: لمياء ورامي وكنان وكاتبة الراوية نفسها. لا يحضر الواقع في حيواتها كمجرد خلفية للأحداث، بل يتسلل إلى أعماقها ويشارك في تشكيل وعيها وهواجسها ومصائرها، حتى تكاد الشخصيات تبدو نتاجاً لتحولات الواقع وتناقضاته. وعلى هذا التداخل بين الداخل والخارج تتشكل تقلباتها المزاجية وأحوالها النفسية والجسدية، وتتحدد سلوكياتها وعلاقاتها المتبادلة، ومواقفها من الأحداث ومن ذواتها ومن الآخرين.
الزمن في الرواية مُحدّد بعناية لأن العمل معني بإستعادة السياقات ونبشها من أرشيف المكتبات. في الرواية التقليدية، غالباً ما يتخذ الحب والمعاناة والعنف موقع الصدارة، فيما ينهض المكان والزمان بدور الإطار الذي يحتضن الحكاية ويمنحها سياقها. أما عزة طويل فتقلب هذه العلاقة رأساً على عقب؛ فالمكان والزمان في روايتها ليسا وعاءً للأحداث، بل مادتها الأساسية ومحركها العميق، فيما تبدو الشخصيات امتداداً لهما، تتشكل في تفاعلهما وتعبّر، من خلال مصائرها وتحولاتها، عن تناقضاتهما. ولعلّ في هذا الانقلاب السردي يكمن أحد أبرز عناصر قوة الرواية.
نقرأ في صفحاتها قصتي حب بين الرجل نفسه وامرأتين مختلفتين في زمنين مختلفين ولكن في المكان نفسه. نقرأ في الرواية عن رامي الذي يكتب رواية يخلط فيها الواقع بالمتخيل، لتجد نفسك أيها القارىء في رواية ضمن الرواية. نقرأ في الرواية عن أب قُتل لأنه رفض أن يكون شاهد زور على سرقة تراث بيروت. نقرأ عن قصص حب وشغف، تتناسل بين أحداث كبرى، وصداقات تنمو وتختفي وفق الحاجة والضرورة. ولكن الأهم يبقى في أن رواية “عيون بيروت” معنية أكثر باستعادة أرشيف أخبار الوطن اللبناني بمآسيه المتكررة بأشكال مختلفة تتوارثها أجيال متعددة، وكيف ترسم هذه الأحداث بنتائجها الهائلة مسار حيوات الأشخاص في المجتمع.
تطرح عزة طويل سلسلة طويلة من الأسئلة الشائكة والتي ليس بالضرورة أن تخلص من خلالها إلى إجابات محددة:
كيف يتسلّل حب في غمرة أحداث المدينة؟ كيف تغدو الصداقة فعل تجسّس للتخلّص من الماضي أو استكشاف حاضره غير المنجز؟ كيف تستعاد وفاة الأب من خلال حدث راهن؟ كيف يعمل بعض الناس على إخفاء الذكريات؟ هل تختفي الذكريات حقاً أم هناك من يُقرّر دفنها مؤقتاً؟ وهل دفنها مؤقتاً يعني التخلص من عبئها؟ ماذا عن جروحنا الشخصية التي نراها في مرآة تجارب الآخرين؟ هل نتدخل لنحمي القريبين منا تفادياً لتكرار الأخطاء نفسها أم لا نكترث لهذا الشأن؟ كيف نقيس ما تولده بيروت من خوف وقلق؟ على مقياسنا أو على مقياس الآخرين؟ هل مشاعر الآخرين الذين نختبر وإياهم لحظات الفرح والغضب هي بالضرورة مشاعرنا؟ إلى أي مدى يتأثر حكمنا على وقائع الحياة من خلال رؤية اللصيقين بنا (دائرة الأصدقاء) لهذه الوقائع؟ أنملك حقاً قدرة عدم الانخراط في حياة الآخرين في مدينة كبيروت؟ هل الماضي يشكل التوقعات أم أن الحياة تفاجئنا؟ أي مساحة موجودة للحرية والسلام الداخلي؟ هل هناك ثمن يدفعه الناس للانخراط في الشأن العام؟ وهل هذا الثمن يختفي حينما نقرّر عدم الانخراط؟ أو أن تأثيرات الأحداث ونتائجها ستدخل إلى حياتك خلسةً سواء أقررت ذلك أو لم تقرّر؟
تختبر رواية “عيون بيروت” أحاسيس الفرد وانعكاسها على الوجوه وملامحها. مشاعر الفرح والغضب والاحتقان والقلق تُفصلّها عزة طويل في حبكتها الروائية. ندوب الجسد تحكي ما تختبئ خلفه أقنعة المشاعر. كأنّ الحواس في هذا العمل هي الدالة على حركة النصّ الروائي. فنكاد نلمس من خلال الاستعارات والتشبيهات روائح المدينة أثناء أزمة النفايات، كيف كانت أحوال الناس أثناء انفجار مرفأ بيروت، ماذا نسمع في شوارع المدينة حينما تسير الحياة بشكلها الطبيعي؟ أهي تسير أصلاً بشكل طبيعي؟ ماذا نرى هناك في التفاصيل؟ كيف يدوّن الناس ما يختبرونه يومياً؟ من خلال العيون فقط؟ وماذا إذا تم اقتلاع العيون؟ أيشكّل هذا عاملاً لانقطاع السرد؟ العيون شاهدة على الزمن ولكن إذا فُقئت العيون هل يختفي الإحساس أم تختفي قدرتنا على أرشفة الأحداث في الذاكرة؟
ركرّت عزة طويل كثيراً على حاسة البصر. ليس الأمر مرتبط حصراً بشخصية المصور الفوتوغرافي الشغوف كنان فقط وإن كان عنصراً رئيسياً في تسمية الرواية. ولكن برأيي ما تود عزة قوله إن ما تستطيع العين التقاطه لا يمحوه الزمن. وعيونها التي اختبرت تقاطعات لأحداث وتفاصيل الرواية التي تجري جميعها في العاصة بيروت، هي التي قادتها إلى عنونة عملها “عيون بيروت”.
حينما تكتب قصتك الشخصية، لا يقتصر السرد على الحيّز الخاص، بل ثمة تشابك مع مسارات وأحداث في الحيّز العام أيضاً، أي المجتمع بدينامياته كافة. وفق هذا المعيار، فإنّ الرواية التي اجتهدت عزة طويل في كتابتها، لا تنفكّ عن روايات الآخرين أو بالأحرى هي روايات الآخرين في حياتها. تتكامل، تتنازع، تفترق حيناً، تقترب أحياناً أخرى، ولكن في جميع المرّات، تلتحم مع روايات الآخرين، لتشكّل زمناً خاصاً للحياة. الزمن في هذه الرواية هو المكان بعينه: بيروت.
(*) رواية ” عيون بيروت” لعزّة طويل، صادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ٢٠٢٦.
