يملِك كلُّ واحد فينا أدوات متعددة للدفاع عن نفسه. ثمَّة من يبادر إلى لوم الآخرين رغم أنه يدرك جيدًا كونه المخطئ، ومَن يجاهر دون مناسبة بقوته وسلطته ليخيفهم؛ فيراجعوا أنفسهم قبل أن يفكروا في التعدّي عليه، ومن يُبدي الضَعف وقلة الحيلة، فيجني بموقفه هذا مكاسب أكبر، ويُقال حينها في صنيعه: “اتمسكن لحدّ ما تمكّن“. المَسكنة من الفعل سَكَنَ أيّ التزم الهدوء، والقصد أنه ادعى الضَعف وقِلة الحيلة بما دفع الناس لمساعدته، وحين نال مراده؛ كشف عن الوجه الآخر.
***
يقول المثل الشعبيُّ: “العايبة تلهيك واللي فيها تجيبه فيك“، والحال أن المرء يدرك بطبيعة الأمر عيوبه، وفي معرض التنصُّل منها فإنه يَصِم بها غيره؛ وإذ يتلهى المَوصوم في محاولة الدفاع عن نفسه؛ يكون الواصم قد نجا، وراح يستعد للخطوة التالية، وما أكثر ما اتهم فاسدٌ مَن حوله بما فيه مِن نواقص؛ ساعيًا لصرف الأنظار عنه وتوجيهها بعيدًا. على الجانب الآخر، تأتي إحدى الحيل الدفاعية الأصيلة التي يلجأ اللا وعي إليها في بعض المواقف، ويقوم الشخص من خلالها بإسقاط عيوبه في الآخرين والإشارة إليها؛ إنما دون تعمد أو قصدية.
***
تؤكد القاعدة الحربية التي أثبتت مع التجربة نجاحها أن “الهجوم خير وسيلة للدفاع“. الهجوم مبادرة، وصاحب المبادرة يمتلك على الدوام أفضلية؛ إذ له اليد العليا في طرح الكلمة الأولى، وغالبًا ما تكون الأخيرة أيضًا له. الاستباق بالفعل يمنح الفاعل سيطرةً مُحقَّقة على مسرح الحدث ويعطيه زمام القيادة، أما هذا الذي يكتفي برد الفعل؛ فيظل في المرتبة الثانية لا يبارحها. الحال أن حِكمة التأني والانتظار ليست اختيارًا إيجابيًا أو مثاليًا بصورة مطلقة؛ فبعض المرات يستلزم الموقف حسمًا سريعًا مبكرًا، وتكون للتباطؤ نتائج سلبية مفجعة.
***
المُذنِب قادرٌ في أحوال كثيرة على قلب المائدة وتبديل المواقع؛ بما يجعل الناس يتعاطفون معه ويلومون ضحيته، وذاك موقفٌ تصوره القولة الطريفة: “ضربني وبكى وسبقني واشتكى“، ومثل هذا السلوك قد يصدر عن الأطفال، وجزء منه محاولة لجذب الانتباه والحصول على تعاطف الكبار واهتمامهم، أما حين يرتكبه الكبار أنفسهم؛ فعلامة على عدم اكتمال النضج والاحتياج الدائم إلى ممارسة الخداع والتحايل.
***
“ما لقوش في الورد عيب قالوا يا احمر الخدين“. مثل شعبي رائج نستخدمه ما انتوينا الدفاع عن شخص نبغي تنزيهه عن أي نقيصة، والتأكيد على مبلغ مثاليته واتساع فضائله. نستظهر طيب صفاته وننفي عنه كل مذمة، ونؤكد عبر الأمثال والأقوال أن الحاقدون عليهم هم مصدر النقد، وأن الغيظ دافعهم ليس إلا، والحال أن المبالغة عادتنا الأصيلة؛ سواء في كيل النقد أو قرض المديح، ولا شكَّ أن لكل امرئ عيبه، والحكمة كامنة في العمل على تداركه وإصلاحه؛ لا إنكاره أو نفيه.
***
يلجأ بعض الناس في سبيل حماية مصالحه وتحصينها، إلى مداهنة من يملكون تعطيلها أو إفسادها، ولا يجد غضاضة في اتباع المثل القائل: “إن كان لك عند الكلب حاجه قل له يا سيدي“، والهدف الظاهر من إعلاء شأن الحقير والتزلف للخسيس والتقرُّب من الدنيء؛ اتقاء ما قد يصدر عنه من بطش وإيذاء. الإشارة الواردة تكني كلَّ صاحب سطوة أو نفوذ يُخشى مسلكه الخبيث، وقد جرت العادة بأن نجعل الكلب أداة للذمّ برغم خصاله الحميدة، وما من جدال أنه يفضل كثير البشر في مودته وإخلاصه، ووفاءه لأصحابه.
***
بعض المرات يحلو لنا أن نصور سلوكًا سيئًا بعكس ما يُفترَض أن يحمل من مشاعر ودلالات؛ خاصة إن كان مرتكبه شخصًا مُقرَّبًا. نمنحه أسباب القبول والرضاء بدلًا من الرفض والنفور؛ بل وقد نتمكن من جعله مُحبَّبًا مرغوبًا، مستعينين بعض الأحيان بالمأثور الشهير: “ضرب الحبيب زي أكل الزبيب“. الظن أن الضربَ واحد وإن اختلف الضارِب؛ إنما هو الميل إلى تسكين الألم والتجاوز عن الإهانة، وحلّ الصراع الداخلي القائم ما بين الإحساس بوقوع الأذى وضرورة دفعه، وبين عدم القدرة على التنفيذ. في بعض المرات، يصبح استخدام هذا المأثور مجرد محاولة بائسة للتعامل مع الواقع المُهين؛ عبر تجميله وتزيينه وإخفاء سلبياته؛ لكن الحقيقة سرعان ما تفرض نفسها، وتجبر المرء على الاعتراف بها؛ والأمل ألا يحدث بعد فوات الأوان.
***
يتطلب الدفاع عن الذات تمييز المعتدي، والإلمام بمواطن قوته ونقاط ضعفه، ثم وضع خطة مناسبة للتغلب عليه. في الوقت نفسه فإن رد أيّ اعتداء يتطلب إيمان المرء بنفسه وقدراته، وبعدالة قضيته، وقبل هذا وذاك بأن ثمة ثمنًا لا مفر من دفعه في مقابل تحقيق المراد.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
