مع حكومة دياب.. لم ننتصر لكن هزائمهم أكبر

أسقطت ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر حكومة العهد برئاسة الديو "الحريري – باسيل". هذا هو الانتصار السياسي الأول للثورة، وفي أقل من أسبوعين من تاريخ نزول مئات آلاف اللبنانيين إلى الشارع، ذلك أننا لم نشهد ـ أقله منذ إتفاق الطائف حتى الآن ـ سقوط حكومات في الشارع بهذه السرعة القياسية، سوى مرتين، الأولى، في 1992، مع إستقالة حكومة عمر كرامي بعيد ثورة إستمرت 10 أيام نتيجة تردي الوضع الإقتصادي والمالي؛ والثانية، مع إستقالة حكومة عمر كرامي في 2005 بعيد زلزال اغتيال رفيق الحريري.

لا أكتب هذه المقالة للكتابة وحسب. ثمة حالة من الإحباط تتملك شريحة كبرى من المواطنين والثوّار في هذه الأيام، وتحديدا منذ ولادة حكومة حسان دياب. من جهة، لم يجدوا في الحكومة تجسيدا لمطالبهم؛ وفي الجهة المقابلة، ثمة شعور بالعجز يتقاطع مع تبشير بعض أركان السلطة بنهاية الثورة.

بطبيعة الحال يمكن فهم إحباط الثوار الذي تعمّق مع صدور مراسيم تشكيل حكومة حسان دياب. مئة يوم من التظاهر والاحتجاج والتعبير الواضح عن رفضهم لكل الحكومات التي تشكل إنعكاساً لمنظومة الفساد القائمة منذ ثلاثين عاماً. مئة يوم من تحمل شتّى أشكال الترهيب والعنف الأمني، الرسمي والميليشيوي. سقوط شهيدين وما يزيد عن ألف جريح وإعتقال المئات. إحراق الخيم وتدميرها في وسط العاصمة والعديد من المناطق. خسارة آلاف الموظفين وظائفهم. إبتزاز الناس بودائعهم وجنى عمرهم. برغم هذه والكثير غيرها، يتمكن حسان دياب من تشكيل حكومة عشرينية تمثل منظومة سياسية مرفوضة. عليه، أعلنت معظم المجموعات السياسية المشاركة في الثورة رفضها لهذا التركيبة، ودعت النوّاب لعدم منحها الثقة، وبدأت بإعداد العدّة لإقفال الطرقات المؤدية إلى المجلس النيابي، كون هكذا وزارة لا يعوّل عليها في إنجاز المهام الإنقاذية الملحّة.

أوجه الهزيمة في حكومة دياب

غير أن تشكيل حكومة حسان دياب وفق النهج التحاصصي نفسه بمباركة من رموز السلطة الفاسدة أنفسهم، لا يمنع من تقييم سريع لما أنجز وما يمكن أن يُنجز.

أولا، مع التأكيد على أهمية إسقاط حكومة الحريري، في وقت قياسي، نحن أمام أول حكومة غير سياسية، ولو بشكلها، منذ الطائف حتى الآن، وهذه تعتبر بمثابة كسر للقواعد التي قامت عليها كل الحكومات السياسية أو التكنوسياسية منذ ثلاثين سنة حتى الآن.

ثانيا، صحيح أن الحكومة لن تتمكّن من إنقاذ البلد من أزماته كونها عاجزة عن معالجة أصل العلّة، ألا وهو النظام التحاصصي الطائفي الذي أتى بها وشكّلها وقرر أن يمحضها ثقته.  لكن، الصحيح أيضًا هو أن هذه الحكومة لا تعكس حاجات النظام التحاصصي برمّته. فحكومة دياب لا تتوفر فيها كل مقوّمات وأركان هذه المنظومة الفاسدة، المتحصّنة دائمًا في العباءة الطائفية، بل تضمنت بعض الأسماء التي جاءت من خارج عباءة أركان منظومة الفساد.

ثالثا، نجحت الثورة في إحداث تفسخ ضمن منظومة المحاصصة نفسها، فخرج تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الإشتراكي (جزئياً) من الحكومة الجديدة، فكان أن أُسمّيت حكومة “اللون الواحد”.  لكنّ الحقيقة ليست كذلك. كلنا يعرف أن الثنائي حزب الله وأمل “فرشا الأرض بالحرير والورود والمن والسلوى” لعودة سعد الحريري رئيسا للسلطة الإجرائية، لا حبًا به بل تعزيزًا لنظام طائفي تحاصصي. لذلك، يصبح السؤال: ما هي القضايا التي أراد أصحاب حكومة “اللون الواحد” القيام بها وتصدى الحريري لها؟ بالعكس، بعد رفض الحريري العودة، حاولت الطبقة السياسيّة تكليف آخرين غيره ولم تفلح تحت ضغط الشارع. إذن، صحيح أن حكومة دياب تخلو من أي رمز من رموز الحريرية السياسية، وهذه سابقة لم يقبل بها حزب الله سوى مع نجيب ميقاتي سنة 2011 في ظروف إقليمية ودولية مختلفة، ولكنها تحفظ مصالحه وهو يريد أن يحفظ مصالح الآخرين، بدليل توفيره نصاب جلسة إقرار الموازنة العامة.

معظم وزراء الأمس كانوا أتباعًا لوزير آخر يشاركونه الجلوس إلى طاولة مجلس الوزراء مجرّدين من حرية التفكير أو النقاش، أكانوا وقّعوا على أوراق إستقالتهم مسبقًا كما فعل وزراء التيار الوطني الحر أم لم يوقعوا

رابعا، صحيح أن معظم وزراء حكومة دياب، أتى بهم أركان منظومة المحاصصة، لكن استبدال الأصيل بالوكيل أو بالمستشار، يشكل خسارة ولو محدودة للمنظومة. أولا، ليس لأي من الوزراء الجدد القدرة على تغطية عمليات النهب المقوْنن التي كان يقوم بها أسلافهم.  ثانيا، بمجرد دخول الوزراء الجدد إلى وزاراتهم، ستضيق حكمًا مزاريب استفادة المحسوبين والأزلام من أموال المال العام، ممّا سيضعف وصاية أحزاب السلطة على رقاب الإدارة العامة، وحتما هناك الكثير من الموظفين الأوادم. وخير دليل ما يتسرب من معطيات عن حرب تخاض في بعض الوزارات ضد الوزراء الجدد من قبل أسلافهم أو من قبل رموز منظومتهم بسبب عدم قابليتهم للتعايش مع منظومات إحتاج تثبيتها إلى سنوات طويلة.

خامسا، لا يوجد في حكومة حسان دياب “وزير ـ ملك” يدير النقاش ويوجّه مجموعة من الوزراء وفق “أجندة معلمه”. معظم وزراء الأمس كانوا أتباعًا لوزير آخر يشاركونه الجلوس إلى طاولة مجلس الوزراء مجرّدين من حرية التفكير أو النقاش، أكانوا وقّعوا على أوراق إستقالتهم مسبقًا كما فعل وزراء التيار الوطني الحر أم لم يوقعوا. في حكومة دياب، هناك عدد لا بأس به من الوزراء العشرين ممّن لديهم فسحة من حرية القرار، بمن فيهم بعض المستشارين، في ظل غياب أي وزير ملك يستطيع الإملاء عليهم وتوجيههم.

سادسا، بعض الوزراء في حكومة دياب هم أصحاب كفاءة وقرار، وقد اضطرت السلطة إلى تسميتهم في محاولة منها لإرضاء بعض الدول لاسيما فرنسا والولايات المتحدة، أو أقلّه عدم إغضابها، ناهيك عن تجميل صورة الحكومة أمام الرأي العام. علمًا أن عدد هؤلاء الوزراء غير كاف لتمرير مشاريع من شأنها إعطاء مصالح المواطنين العاديين الأولوية على حساب منظومة مصلحة أزلام الأمس، غير أنهم يتمتعون بورقة ضغط وقوة ألا وهي الاستقالة في حال شاءت الحكومة تمرير قرارات سيئة. تكفي استقالة وزير أو وزيرة من الكفوئين حتى تهتز هذه الحكومة الضعيفة أصلاً. لذلك، ليس مستبعداً أن نشهد، في المرحلة المقبلة، إستقالة وزراء في ظاهرة لم نر مثيلاً حقيقيا لها منذ سنوات طويلة.

سابعا، لم تنتصر الثورة في فرض حكومة وفقًا لرؤيتها ولكنها لم تخسر. فالخاسر الأكبر في حكومة دياب هي سلطة المحاصصة الطائفية. على الثورة الاستمرار في الضغط الممنهج وتطويره لتحقيق مكاسب إضافية، وصولا إلى إسقاط النظام الطائفي. هذه مهمة كبيرة جدا وتقتضي إعادة نظر بالكثير من أشكال وأساليب وأدوات عمل الثورة، وهذا يقودنا إلى نقاش من نوع آخر في المرحلة المقبلة.

  (*) ناشط سياسي

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download