في الجهة الأخرى، جلس دونالد ترامب يواكب اللحظة بصفاء متفرّجٍ يراقب مسارًا حيًا، حيث تتدفق الصور والبيانات وتُسجَّل الإنجازات تباعًا، وكأن القرار السياسي صار تجربة مشاهدة آنية لعملية تُدار بخوارزميات السرعة والدقة. هذه اللقطة التأسيسية تكشف روح الحرب الجديدة: فعلٌ يُختصر بكبسة زر، وزمنٌ يُضغط حتى يصير إحساسًا، وقوةٌ تُقاس بقدرتها على تحويل العالم إلى واجهة تفاعلية، حيث يُدار الصراع كما تُدار لعبة إلكترونية فائقة الواقعية، بكل ما تحمله من لذّة السيطرة وبرودة الحساب.
تاريخ الحرب مسارٌ يتحوّل كلما وُلدت أداة قادرة على ضغط الزمن داخل المعركة. يتقدّم العسكر عبر انعطافات معرفية حين تتحوّل الفكرة إلى معدن، ثم تتحوّل الحسابات إلى شبكة، ثم تتحوّل الشبكة إلى خوارزمية تربط وتسرّع وتمنح القرار إيقاعًا جديدًا. في هذا الأفق، تتشكّل فلسفة تقنية ترى البيانات ذخيرة، وترى الزمن سلاحًا، وترى الاستهداف سلسلة متحركة تعمل على مدار الثانية.
في زمن السيف، ظهر المنجنيق بوصفه مضاعفًا للقوة، يرفع طاقة الرمي إلى مدى يتجاوز الجسد، ويحوّل الحصار إلى هندسة. ثم جاء البارود ليعيد تعريف الاقتحام والدفاع، فانتقل مركز الثقل من مهارة المبارزة إلى فيزياء الانفجار، ومن أسوار الحجر إلى توازنات المدفعية. ومع الثورة الصناعية، صار الإنتاج ذاته جزءًا من الاستراتيجية، فالمعامل خلف الجبهة صارت تكتب مصير الجبهة. هذا المنطق بلغ ذروته في الحربين العالميتين، حيث اتخذت الدولة هيئة منظومة تعبئة تُسخِّر العلم والاقتصاد والتخطيط لتوليد الطائرة والدبابة والغواصة والقنبلة والرادار، ثم لتطويرها عبر سباق منهجي على الفاعلية.
التحوّل الراهن يحمل طابعًا خوارزميًا. الحرب اليوم تُدار بوصفها شبكة قرار: رصد، تتبّع، تثبيت، تعيين، اشتباك، تقييم، كلّها حلقات تُضغط زمنيًا حتى تكاد تذوب في لحظة واحدة. السرعة تصير قيمة تشغيلية عليا، وتفوّق القرار يتقدّم على تفوّق المنصّة. تتغيّر بنية القيادة نحو فرق أصغر، متصلة، قادرة على المناورة داخل بيئة كثيفة الحساسات، حيث يمتزج السيبراني بالمادي، ويغدو المجال الإلكتروني ساحة قتال كاملة السيادة.
هنا يظهر الفارق بين جيلين من التفكير العسكري. جيلٌ كلاسيكي يتعامل مع القوة عبر المنصّات والتمركزات والنيران. وجيلٌ تقني يتعامل مع الحرب باعتبارها إدارة تدفّق: بيانات متعددة المصادر، دمج فوري، نماذج توقّع، وأتمتة تعيد توزيع الموارد على الأهداف في الزمن الحقيقي. في هذا الجيل، يتحوّل الاستهداف إلى عملية تنظيمية بقدر ما يتحوّل إلى ضربة.
تجارب المنطقة في السنوات الأخيرة قدّمت إشارات كثيفة على هذا التحوّل. السرعة في توليد الأهداف وتتابع الضربات صارت عنصرًا حاسمًا، ومعها تبرز أسئلة الدقة والتحقق وإدارة المخاطر. ثقافة تشغيل جديدة تتشكّل: ضغط الزمن يغيّر موازين القرار داخل غرف العمليات، ويعيد ترتيب العلاقة بين العجلة واليقين.
في لبنان، ظهر نموذج صادم لحرب الشبكات حين تحوّلت أجهزة اتصال يومية إلى نقاط انهيار داخل منظومة بشرية كاملة عبر تفخيخ متزامن. الحدث أعلن انتقالًا من قصف موقع إلى اختراق نظام حياة، حيث يغدو الجهاز نفسه سلاحًا، والتوريد ساحة اشتباك، والتوقيت أداة حسم. وعلى خط الاغتيالات عالية القيمة، برزت عمليات دقيقة تُدار بتفوّق معلوماتي وقدرة على اختيار اللحظة والمكان، ما يعكس حربًا تهدف إلى تفكيك منظومات القيادة أكثر مما تهدف إلى احتلال مساحات.
في إيران، اتخذت الضربات طابع تفكيك الشبكات والبنى والرموز، ضمن منطق يوازن بين الردع والإنكار، ويقيس الأثر على الاستمرارية التنظيمية. ثم جاءت عملية القبض على نيكولاس مادورو في العاصمة الفنزويلية تضيف فصلًا جديدًا في منطق العملية المركّبة: بناء استخباري، تحضير عملياتي، تنفيذ خاص، ثم رسالة سياسية وإعلامية كثيفة. العملية بدت إعلانًا عن حرب تُدار كحزم دقيقة تجمع الهدف البشري والنقل والصورة والردع في فعل واحد.
هذه الوقائع تلتقي عند نقطة واحدة: الحرب تتحوّل إلى اقتصاد معرفة يعمل تحت ضغط الزمن. الذكاء الاصطناعي يدخل بوصفه قوة مسرِّعة ومكثِّفة، يرفع كثافة الرؤية، يختصر دورة القرار، يوسّع ساحة القتال، ويضع تحديات أخلاقية وتشغيلية في قلب المعركة. السرعة تمنح تفوقًا، كما تفتح أبواب تصعيد، وتفرض على القيادة أن تعيد تعريف المسؤولية والضبط.
وبين بيروت وكاراكاس مروراً بغزة وبغداد وطهران، يُركّز الفاعل على “القائد” ويختزل المنظومات والجبهات بأشخاص. من قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس إلى نيكولاس مادورو، مروراً بإسماعيل هنية ويحيى السنوار والسيد حسن نصرالله وكل منظومة القيادة في إيران. يُريد للمنظومة أن تنهار وترتبك. يريد قطع الصلة والأثر والاستمرارية.
الخلاصات الاستراتيجية لهذا العصر تتبلور في ثلاث سمات:
أولًا؛ تفوق القرار يتقدّم على تفوق المنصّة، ومن يختصر الدورة بين الرصد والضربة يملك إيقاع الحرب.
ثانيًا؛ الأمن يصير أمن منظومات، حيث الاتصالات وسلاسل الإمداد والبرمجيات والبيانات خطوط تماس فعليّة.
ثالثًا؛ الحوكمة التشغيلية والأخلاقية تدخل في صميم الردع، حيث تصير كيفية الاستخدام جزءًا من القوة نفسها.
هكذا ينتقل العسكر من سيفٍ في يد فرد، إلى منجنيقٍ يفرض هندسة الحصار، إلى بارودٍ يعيد تعريف القوة، إلى مصانع تبتلع الاقتصاد، وصولًا إلى خوارزمية تعيد تركيب معنى التفوق.
في هذا العالم، تتبدّل الجبهة، وتصبح التقنية فلسفة، وتغدو الفلسفة سلاحًا، وتتحوّل الحرب إلى فعلٍ يقيم في المسافة الضيقة بين المعرفة والسرعة.
