أنا المسكونة بكورونا.. نغمة موسيقية

ليس الإسم جديداً. الآن نهجس فيه ليل نهار، ليس في الأخبار فقط ومقتضيات العمل بل في ذرة الهواء التي نتنفسها من خلف الأقنعة. تلك الأقنعة تسبب لي دموعاً، لكنني أرتديها مجبرةً بهدف تعميم نموذج انضباطي في كيفية منع نقل الوباء أو استقباله من مصاب به خلال احتكاكي اليومي بالآخرين، في قاعات العمل أو خارجها.

تلك الفقاعة المتنافرة الاطراف التي يصوّرها العلماء لشكل الفيروس الجديد، تذكرني بالألعاب الهلامية اللزجة للأطفال. كأن هذا الفيروس، وعلى وحشيته، يداعبنا. يقفز أمامنا. يقول لنا “انا من أقود العالم وسأعيد كل شيء الى مكانه. لن أترك لكم هذا المسرح حتى لا تعيثوا به مزيداً من التلوث والتدمير”. يقدم الفيروس نفسه كأنه يحمل الخلاص للبشرية ولو كان سبباً في تدميرها في آن معاً.

بلمحة بصر، صار للفوارق معناها. شرق وغرب. شمال وجنوب. ابيض واسود. انثى وذكر. دول قوية واخرى ضعيفة.. فيروس عصي على التطويع. يتحذلق على المتحذلقين. يتخذ اشكالا والوانا متعددة. يتلطى خلف مقود السيارة أو على مسكة باب البيت أو المكتب أو المصعد. يسكننا، كما يسكن الآخر الذي قبالتنا، بل كما يجيز لنفسه أقرب المقربين الدخول إلى بيوتنا.

برغم الحساسية التي تسببها لي مواد النظافة والتنظيف، صرت مهووسة نظافة. امسح مكتبي كلما غادرته للحظات او كلما دخل زائر إليّ، اما الزملاء، فلا يجرؤون على تجاوز العتبة. يرفعون اصواتهم عبر الهاتف او من وراء كمامات يقتنيها بعضهم مزركشة بالأقمشة والألوان .

اهرب الى البيت بعد ان يضنيني كورونا. أطلب ما أحتاجه منزلياً، عبر الهاتف وانا المدمنة على تذوق اطعمتي برائحتها أولاً. لكن قبل ان أدخل الدار، تلاقيني ابنتي بالمساحيق والسبيرتو مجدداً واترك حذائي عند المدخل قبل ان أخضعه هو الآخر للتعقيم لاحقاً.. كأنني مسكونة بالكورونا.

أتعاطف مع المصابين ولا سيما كبار السن ممن لا أسرّة تحتضن وجعهم وأنينهم في بعض مستشفيات أوروبا والعالم. هل يعقل ان يُحكم على كائن بشري فقط من خلال عمره؟ اية انسانية هذه واية قوانين يفرضها كورونا علينا؟

كمامتي تفيض بزفرات حزن طويلة على ضحايا تزداد اعدادهم يومياً.. على معوزين لا يجدون قوت يومهم. هل كان ينقص هؤلاء هذا الكورونا حتى يزدادوا بؤساً وقهراً وهم الذين كانوا يلهثون يومياً خلف لقمة مغمسة بالشقاء وعرق الجبين. يريد لهم كورونا أن يتحولوا إلى متسولين. ينتظرون إعانة لا تشبع ولا تغني لكنها قد تسد رمق جائع. هذه الصور المتراكضة تعيدنا الى صور الحرب ويومياتها. كنا نأكل على مدار الايام ارزاً مخلوطا بعلب التونة لنفاذ المؤن والأموال وضيق الحال.

اتلطى من كورونا. لا أريد ان اكتشفه اكثر. لا أريده أن يكتشفني أو أن يقترب مني. اريده فقط ان يمضي لكن بعد ان يعيدنا إلى ذواتنا. نحن أبناء الطبيعة. فيها ولدنا واليها نعود

اتعاطف مع كورونا بمواجهة توحش البشر..

مع الفيروس الأسود، نفثت المدن سموم المصانع واخرجت السماء سحبها السوداء، لكنه اطبق على رئتي الانسان كأنه يأخذ ما تبقى من أوكسيجين فينا ليمنحه لأمنا الطبيعة التي تصارع بسببنا لكي تبقى.

وعلى سيرة الطبيعة، أنا صديقة البحر. البحر محطتي اليومية قبل العمل او بعده. ارمي عليه التحية هذه الايام من بعيد. من خلف زجاج سيارتي المغلق.

استعيض عن البحر بمواجهة يأس التغلب على كورونا بنظرات حفيدي. أرى في عينيه حلم الغد علّ الأجيال الآتية تكون اكثر رأفة بالأرض فلا تجد كورونا وأخواتها من الأوبئة مكاناً في حياتهم. افتح عيني لأرى الزهو والزهر في ايامه الآتية. معه ولدت انتفاضة تشرينية بشّرت بغد مغاير عن امسنا. مع ولادته، قرر والده أن يهاجر بعد ان تعثرت اعماله في لبنان، لكنه سرعان ما عاد بعد تعثر احواله في الغربة. عاد ولم يعد. عاد الى الحجر المنزلي الاحتياطي قبل ان يرى عائلته. كورونا كان له بالمرصاد. مستعد للإنقضاض على كل لحظة فرح محتملة. هو ماثل بيننا لا مفر. اتأمل عيني هذا الطفل، فأرى اشراقة شمس بلا كورونا. أرى صفاء البحر الذي افتقده. للمناسبة، افتقد مصافحة زميلي الذي كان يتأهب كلما التقيته لمد يده إليّ قائلا “آخذ طاقة ايجابية كلما صافحتك”، وأنا أسعد بعباراته كلما رأيته..

اتلطى من كورونا. لا أريد ان اكتشفه اكثر. لا أريده أن يكتشفني أو أن يقترب مني. اريده فقط ان يمضي لكن بعد ان يعيدنا إلى ذواتنا. نحن أبناء الطبيعة. فيها ولدنا واليها نعود.

(*) رئيسة تحرير الأخبار في تلفزيون لبنان

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course