الصمت ولّادة أفكارنا

يدفعنا وباء كورونا نحو ذواتنا. ونحن ننعزل في وحدتنا القسرية خوفاً منه، وتجنباً لأوجاعه، ترانا نغوص في مخاوفنا وهواجسنا، وأيضاً في أعمق أفكارنا. هي الوحدة حد الصفاء التي تزيل غشاوة يومياتنا الرتيبة، وتلقي بنا في بحر الأسئلة عن أمثولة الوجود، وسبل إنبثاقه، وتشكل وعينا، وما خلف هذا الوعي.

كيف ينبثق البرعم ويتحول إلى زهرة. وكيف يلدُ غصنٌ غصنًا آخرَ، فيرفع هامة حامله إلى السماء ليلامس النور والأفق.

هي الفكرة نبحث عنها، أو تحضر بالصدفة، لتفرض وجودها في مساحة وعينا مهما كان الانتباه مشدوداً في إتجاه مختلف. وعند كل ولادة لها تسمو الانسانية فينا بمعزل عن جوهرها وعمقها، أو بمعزل حتى عن جمالها.

قد تأتي بينما نحتسي الشاي، أو نعبر مفترق طرق، أو قبل خلودنا للنوم، أو أنها قد تسرقنا من نومنا هذا لساعات طويلة. أما الفكرة الأم التي أدت اليها، فغالباً ما نتركها في الخلف وننساها. هي فكرة تجر فكرة وراء فكرة.. وقد يحدث ذلك في لحظة لا تقاس في منظومة الوقت التي نعرفها، برغم أنها نتيجة عمليات تواصل لا تحصى لجهازنا العصبي والنفسي، وأيضاً نتيجة تراكم لا يقف عند حدود من المعلومات والتجارب ورواسب الماضي. إنها إذاً عملية تشابك ذات خصوصية فريدة وغامضة بين الذهن والنفس والوجدان، تجعل ولوجها وتحليلها غير ممكن تماماً، مهما غصنا في متاهاتها.

أين تولد الأفكار؟ وما علاقتها بوعينا ولاوعينا؟

اللاوعي في تركيبتنا النفسية هو محرك  ملوّن محدّد، وقد إعتمد عليه علم النفس التحليلي. فالوعي ما هو إلا القشرة الخارجية لحياة عقلية لا واعية قوية بحسب فرويد، الذي يضيف؛ إن الوعي هو مثل رأس الجبل الجليدي الذي يظهر فوق سطح البحر، بينما يشكل اللاوعي الكتل الكبيرة من الجليد غير المرئية تحت الماء (iceberg) والكتل غير المرئية هي التي تحدد مركز جاذبية الجبل الجليدي، وحركته، ومجراه. لذا فجوهر شخصيتنا هو اللاوعي.

أما علاقة اللاوعي بتاريخ الفرد وقصته، فهي تحمل مفاهيم متشابكة يطرح بعضها أسئلة فلسفية دقيقة ومنها  قضية مسؤولية الفرد برغم كل المؤثرات التي يخضع لها.

وكما أن اللاوعي يتغذى من مخزون متشابك في الماضي، تشتبك الفكرة في وعينا بهذا الجهاز المركب، لتظهر تارة رطبة وريانة محملة بالمتعة والخيال، وتارة جافة وقاسية مثقلة بالتردد والقلق. قد نلجأ إلى الفكرة لنبحر في عالم الفنتازيا والخيال. وقد تفرض في يومياتنا لتشحن أنفسنا وتشتت قدراتنا.

سقراط هو من تأثر في الحكمة المعلقة في معبد “الدلف”: “اعرف نفسك بنفسك”، وحاول على مدى سني حياته ان يعمل بها وينقلها الى الشباب من اتباعه

وبرغم تطور علوم الأعصاب (neurosciences) التي تسمح  بإحصاء عدد من العمليات البيو كيميائية والفيزيولوجية المسؤولة عن المشاعر (emotion)، فإن الآلية الكامنة وراء نشوء الفكرة تبقى محيرة. لقد بُذلت جهود كبيرة مثلاً لتعقب مرور المعلومات من مكان إلى آخر، إعتمادًا على عدة عمليات منها: تخطيط أمواج الدماغ (électroencéphalogramme)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (IRM)، لكن دقة كل من هاتين الوسيلتين لم تَرْق إلى المستوى المطلوب. وإقتصر الأمر على  معرفة دور المناطق الدماغية، ولا سيما دور “قشرة مقدم الفص الجبهي” التي ظلت نشطة طوال عملية التفكير، والتي كلما زادت سرعة إنتقال الإشارات من منطقة إلى أخرى، زادت سرعة إستجابة الشخص. والخلاصة أن هذا لا يعطي تفسيرا واضحا عن منشأ الفكرة بل يحدد منطقة دماغية قابلة لمزيد من النشاط إذا كثر التحفيز (stimulation).

لقد كان سقراط هو الاول في طرح ولادة “الفكرة” (maïeutique) نسبة الى أمه الولاّدة او القابلة. يقول سقراط : “أمي قابلة تولّد النساء وانا أولّد الأفكار”، إلا ان سقراط اتبع المنهج الحواري مع تلامذته لدفعهم للتخلي عن افكارهم الجاهزة. وبذلك، كان يهيئ لجيل يمتلك المؤهلات الفكرية لتفكيك آلية السلطة في اثينا وأساليبها ووسائلها في التشويش والتضليل. وسقراط هو من تأثر في الحكمة المعلقة في معبد “الدلف”: “اعرف نفسك بنفسك”، وحاول على مدى سني حياته ان يعمل بها وينقلها الى الشباب من اتباعه.

فإذا كنا أيقنا ان نقطة الصمت هي المفتاح الى معرفة الذات والالتقاء بالحقيقة، فالمنهج الحواري يسمح كذلك بتبديد الكثير من الحواجز التي شيدت حولنا عبر التبعية الفكرية السائدة. الا ان الدياليكتيك السقراطي قد أوقع به في نهاية المطاف، وهو يشير في فلسفته إلى أن الحكمة المطلقة هي نتاج معرفة الذات وكلما كان الفرد أكثر علماً زادت قدراته في التفكير واتخاذ القرارات التي ستجلب له السعادة.

هذه مجرد معطيات ضئيلة لا تشفي غليلنا حول السؤال الكبير؛ ما هو مصدر نشوء الفكرة؟ هل هو الـ (bing bang) أو الإنفجار العظيم؟ و ما الذي يؤدي بعد كل ما عُرض من الأجهزة المفهومية العديدة إلى ظهورها؟

الصمت هو مفتاحها. هي لحظة من الصمت كالوميض أو العاصفة أو النسمة، تحرك جملة من الخلايا العصبية والجهاز النفسي مع المحفزات العصبية  (neurotransmetteur) هو ليس بصمت عضوي محسوس. وليس بصمت قابل للقياس. إنه نقطة فراغ والتماس في الوقت ذاته، لأنه يأتي من هذا الصمت/الفراغ، ويؤدي الى التماس الجسد/الروح. أي إنه صمت يتيح الاتصال بدواخلنا.

في أيامنا هذه، مع كل ما يحيط بنا ويغمرنا من معلومات ومؤثرات سمعيةً وبصريةً، وكل هذا  الضغط الناجم عنها، يُطمس الصمت، وتتحول نقطة التماس تلك إلى تشنجات وتوترات وتأهب. تصبح نقطة الفراغ للالتقاء بالذات بعيدة المنال.

هذه دعوة في زمن الحجر الطوعي أو القسري لا فرق، كي ندرك أن الالتقاء الذاتي الداخلي يفتح النافذة على ما هو أبعد من المتوفر، سعياً للفكرة الأشمل والأعمق، من دون الحاجة إلى دفق المعلومات على مدار الساعة. تشذيب ما يطوقنا.. نحو الالتقاء أكثر مع ذواتنا وحقيقتنا.

(*) طبيبة لبنانية مقيمة في فرنسا

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download