ما بعد (كوفيد-19).. ركود إقتصادي ومجاعة 

يهتزّ العالم برمتهِ على وقع الإيقاع المتسارع لانتشار فيروس كورونا (كوفيد- 19)، ففضلاً عن الخسائر البشريّة الفادحة (عدد الإصابات يقترب خلال أيام من رقم المليون حالة)، ثمة خسائر اقتصاديّة متلاحقة.

فقد أكدت السيدة البلغاريّة كريستالينا جورجيفا المديرة التنفيذيّة لصندوق النقد الدولي التي تولّت مهامها الجديدة منذ تشرين الأول/ أكتوبر2019، في مؤتمرٍ صحافي عبر الإنترنت بأنّه:”من الواضح أنّنا دخلنا في انكماش، سيكون أسوأ مما كان عليه الوضع في عام 2009 بعد الأزمة المالية العالميّة.. ومع التوقف المفاجئ للاقتصاد العالمي، تبلغ تقديرات الصندوق للاحتياجات المالية الإجمالية للأسواق الناشئة 2.5 تريليون دولار”. مضيفةً: “يمكن للحكومات في الأسواق النامية أن تغطي جزءاً كبيراً من الـ83 مليار دولار التي خسرتها في الأسابيع الأخيرة، لكن من الواضح أن الموارد المحلية غير كافية، وهذه الدول لها مستويات تداين عالية”، وحثّت على “ضرورة مساعدة الدول النامية”.
ولعل أهم ما جاء على لسان مديرة صندوق النقد الدولي آنفة الذكر، إشارتان هامّتان: الأولى، بلوغ الانكماش أسوأ مستوياتهِ، فاق في ذلك ما حدث في الأزمة الماليّة العالميّة سنة 2009. والثانية، حثّها دول العالم المتقدّم على مساعدة الدول ذات الدخل المنخفض، بما فيها الدول النامية. مع توقعها في ختام المؤتمر الصحافي حدوث الانتعاشة الاقتصاديّة خلال العام المقبل (2021)، إذا تمّ احتواء الفيروس ونجحت البشريّة في تخطي إحدى أكثر مراحلها حساسيّة وخطورة.

الانكماش الاقتصادي

لقد أدّى تراجع الناتج المحلي العالمي إلى الانكماش الاقتصادي بسبب انخفاض الطلب الإجمالي على الاستهلاك، ممّا ينسحبُ عنهُ  تراجع متوقّع في الأصول، وانخفاض بديهي في قيمة الإيرادات الضريبيّة، بسبب تراجع القدرة الشرائيّة نتيجة لانتشار جائحة كورونا (كوفيد-19)، فضلاً عن تصاعد الضغط على الائتمان، والعجوزات المرتقبة في وفاء الأعمال التجاريّة عموماً بالتزامات الدفع والسداد بداعي نفاد أصولها، ممّا سوف يؤدّي حتماً إلى ركودٍ حقيقي يشلّ المؤسسات الماليّة العالميّة، فثمة سياسات متوقّعة سوف تنتهجها المصارف من أجل التقليل من حدّة الخسائر، تعمل على رفع هامش الفائدة على القروض بعامة، وهو ما سيزيد في تعقيد العلاقات الماليّة مع الزبون سواءً كان طبيعياً (انسان) أو شخصاً معنوياً (مؤسسة، دولة..)، ممّا قد يحتّم على الدول فرض شكلٍ من التقشف الحادّ من أجل خفض عجز الميزانيّة.. ثم لاحقاً، إعادة النظر في السياسة الماليّة بشكل شاملٍ وعام، الأمر الذي سوف يجعل التأثيرات الاقتصاديّة الكبيرة التي أحدثها وباء كورونا، بعد إيجاد لقاح أو دواء، طويلة الأمد نوعاً ما، هذا إذا تمّ احتواء الوباء في المدى المنظور.

اللافت للنظر في ظل تراجع الأسهم الأميركيّة والأوروبيّة بنسبة 35 في المائة، أنّ الأسهم الأسيويّة حافظت على وتيرة هادئة للغاية في حدّة التراجع

لكن اللافت للنظر في ظل تراجع الأسهم الأميركيّة والأوروبيّة بنسبة 35 في المائة، أنّ الأسهم الأسيويّة حافظت على وتيرة هادئة للغاية في حدّة التراجع، حيث تقول إحدى التقارير المتخصصة بأنّ مؤشر شنغهاي الصيني قد تراجع إلى نسبة 14 في المائة برغم انبعاث وانتشار فيروس كورونا (كوفيد- 19) من هناك، فيما تراجع مؤشر نيكاي 225 الياباني وكوسبي 50 الكوري الجنوبي بنسب 24 في المائة و25 في المائة على التوالي.
أمّا في ما خصّ النفط والغاز والمعادن، فيقول تقرير دقيق في صحيفة “الاقتصاديّة” بأنّ النفط (خام برنت) هو الأكثر تعرّضاً للخسائر خلال فترة تفشي الفيروس، فقد هوى بنحو 58 في المائة، ليبلغ نحو 27 دولاراً عند التسوية يوم 23 آذار/ مارس الجاري، مقابل نحو 64 دولاراً في 15 كانون الثاني/ يناير الماضي.  وقد جاء ذلك كله مع تضرّر الأسعار من عوامل إضافية مثل زيادة الإمدادات عالمياً عقب فشل اتفاق “أوبك +” حسب ذات المصدر. كما هبطت أسعار الغاز 24 في المائة لتبلغ 1.6 دولار، مقابل 2.12 دولار. وتراجعت أسعار “الفضة” 26 في المائة لتبلغ 13.2 دولار، مقابل 18 دولاراً. وعلى عكس ما يعتقد كثيرون، لم يرتفع الذهب سوى 0.5 في المائة، ليبلغ نحو 1568 دولاراً، مقابل نحو 1560 دولارا. ونتج هذا الارتفاع الطفيف عن ارتفاعات سابقة للذهب بالتزامن مع تراجع الدولار حينها.
يجري كل ذلك في ظل مواجهة المصرفيين الأميركيين نقصاً فادحاً في سبائك الذهب، فقد ارتفعت عقود الذهب حسب وكالة سبوتنيك الروسيّة نقلاً عن صحيفة “وول ستريت جورنال” بحوالي 9 في المائة، لتصل إلى 1.6 ألف دولار للأونصة الواحدة هذا الأسبوع، وهذا أعلى مستوى له خلال سبع سنوات. في حين هزّت أسعار النفط السلبية السوق الأميركية، حيث ذكرت وكالة “بلومبرغ” أن منتجي “الذهب الأسود” اضطروا لدفع مبالغ إضافية لتفريغ الخزانات ومرافق التخزين، حسب سبوتنيك.

الأسباب والحلول
يحدث الركود الاقتصادي نتيجة ثلاثة عوامل: النزاعات المسلحة وحدوث الجائحة والمناخ، ثم التباطؤ الاقتصادي. هذا كله من شأنه أن يقود إلى الكساد الاقتصادي، وهو التعطّل القيمي والمعنوي والمادي للاقتصاد بصورة عامة.

الاعتماد على التنويع الاقتصادي وبناء استراتيجيات جديدة، واستحداث خلايا خاصة تحسّباً إلى  نشوء الطوارئ الاقتصادية الناجمة حتماً عن الطوارئ السياسيّة والصحيّة والمناخيّة

أما الحلول، فعلاوةً على ما اقترحتهُ في مقال سابق نشرتهُ هنا، يمكن مقاربة موضوعة المقال هذا، على النحو التالي:
أولاً: توقع حدوث مجاعات في البلدان الفقيرة التي ألمّت بها جائحة كورونا، وخلق آليّة فعّالة لمساعدة الدول قبل وقوع المجاعات التي تعقب الركود الاقتصادي عادةً في دول الجنوب الفقيرة، ذلك أنّ معدلات النقص الغذائي في البلدان ذات الدخل المتوسط بلغت 84 في المائة في الفترة الممتدّة من 2011 إلى 2017، وشملت 96 مليون شخص في العالم، ممّا يعني أنّ العالم لم يتخلّص بعد من شبح الجوع الذي ينبغي أن يؤرّقه دائماً. هذا النقص التغذوي كانت الدول التي عانت من الانكماش الاقتصادي مسرحاً له بنسبة 5,1 في المائة، وذلك حسب التقرير المنشور الذي أعدّه الصندوق الدولي للتنمية الزراعيّة لسنة 2019 المعنون بـ(حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم: الاحتراز من حالات التباطؤ والانكماش الاقتصادي).
ثانياً: الاعتماد على التنويع الاقتصادي وبناء استراتيجيات جديدة، واستحداث خلايا خاصة تحسّباً إلى  نشوء الطوارئ الاقتصادية الناجمة حتماً عن الطوارئ السياسيّة والصحيّة والمناخيّة، يكون هدفها الأساس: امتصاص الصدمات الاقتصاديّة التي يتسبّب فيها الانكماش الاقتصادي الناشئ عن: الجائحة أو النزاع أو المناخ.
ثالثاً: اليقين العالمي بالمصير المشترك، والالتزام الأخلاقي بضرورة التكاتف وإحياء مشاعر الشعور بالمسؤوليّة العالميّة حيال أيّ طارئ بيئي أو صحي أو مناخي.
رابعاً: دعم صناديق الأمم المتحدة من غير الأمانة العامة ومجلس الأمن والجمعية العامة، وأخصّ بذلك المجلس الاقتصادي الاجتماعي التابع للجمعية العامة، حيث تقع على عاتقه ما يقترب من 70 في المائة من الموارد البشريّة والماليّة لهيكلة الأمم المتحدة ووظائفها. والنظر الدولي بعين الاعتبار إلى 14 وكالة متخصصة تابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بما فيها تسع لجان فنية وإقليميّة تابعة لهُ، لطالما وقعت طيّ التجاهل والإهمال، بسبب شعور العالم الغربي بأنّ العلاقات الدوليّة قائمة على التسابق والتباري في كافة الحقول ممّا يقود إلى تحويل العالم إلى حلبة مصارعة، بائسة المحتوى والمصير معاً.
خامساً وأخيراً: كل ما يحصل الآن وما قد يحصل تالياً من كوارث صحيّة  يمكنُ تفاديه بشيّء واحد فقط، لا يكلّف كثيراً، إنّه الخلود إلى البيت والركون إلى النفس طيلة عمر هذا الوباء. “خليك بالبيت” هي المفتاح الصحي في هذه الآونة، مثلما كانت هي النافذة الثقافيّة الأفضل في تلفزيون المستقبل في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الحالية.

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download