هنا بغداد.. دفاعاً عن وزارة الدفاع

أزعم ان الجنسية بمعنى الانتماء الاصولي لدولة من الدول، ليست بطاقة ثبوتية مصدقة بختم حكومي تستبين فاعليتها على مكاتب القضاة في المحاكم او تستحيل نسخا مدرجة طي ملفات دوائر الشهر العقاري تتراقص اعين الموظفين متفحصة الامضاءات والاختام فيها قبل ان ترمي ملفا تضمنها على رف مغبرٍّ. ذلك الواقع كما هو، لكنه ليس الواقع كما ينبغي ان يفهم.

من قبيل نضج المجتمعات، ان انبرت الى مشتركاتها التاريخية، من لغة وثقافة واعراف وديانات وتصالح اجتماعي تعايشي، فصاغت ما تطور وصولا الى ما نعرّفه اليوم بالدولة، ولو فتشنا عن ثابت في مراحل تشكل هذه النماذج الاجتماعية من الاسر الى القبائل الى المجتمعات مرورا بمراحل صراعاتها وتناحرها وتنافسها، لوجدنا ان الارض هي الثابت الوحيد. لمَا؟ لانها كانت مصدر الحياة الوحيد للانسان، ربما لاننا غير اوفياء معها وأحيانا نتبجح اذ ندعوها أمنا الارض.

كانت الارض كدفتي كتاب يضم قصة كل امة على صفحة من اديمها، فجمعت كتلا من القيم وطرزا من المثل والوانا من المعتقدات واصولا من التقاليد في حومة صراعات انتقلت بهذا الارث كله من مرحلة الى اخرى، فأكسبت ابناء كل مجتمع سحنة نفس ومعالم وجه وطرائق تفكير هي حصيلة الانتساب لهذا المصنع العريق.

ولولا ذلك كله، لم نكن اليوم لنرى حدودا للدول يحظر تجاوزها الا بإذن من سلطاتها.

كانت المادة الخامسة عشرة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان مؤشر اخفاق من مجتمعات ترنحت وهي توازن بين ممارسة آلياتها السياسية وبين احترام الحريات في الاوطان، اكثر مما كانت مؤشر نضج. كانت العقلية الاميركية المتحررة من اعباء الانتماء للارض كفيلة بالضغط على الخاسرين والمنتصرين في الحرب العالمية الثانية لاقحام فكرة التحلل من قيود الجنسية والانتماء وتعويم الارتباط بالاوطان، تمهيدا لبناء عالم جديد يشاد بقيم جديدة ويُحكم بمعايير مغايرة تناسب الامبراطورية القادمة.

بعيدا عن العنصرية، فإن الجنسية تستجمع عناصر العرق بكل خصوصياته وميوله ومدركاته، وان طُولب بالاختلاط والتعارف والتعايش بهدف تلاقح الحضارات وتبادل المعارف، لا بهدف تصيير الناس امة واحدة.

محال ان يستبدل الانتماء لارض ووطن بانتماء آخر عبر تحرير بطاقة باختام تتبع سلطة بلد آخر، ولعل جمع جنسيتين في جيب واحد هو كجمع قلبين في جوف واحد .

غداة انطلاق صرعة الديموقراطية المهداة لاوطاننا عبر منافذ الفوضى الخلاقة، اتخذ قرار بازاحة ركائز الانتماء واقتلاع مفهوم الارتباط بالارض من الجذور وجرى تصوير الثوابت الوطنية على انها شعارات جوفاء اختلقها الدكتاتور لترسيخ اركان حكمه، وتسويغ جرائمه، من دون ان يلتفت احد الى ان كلمة الحق التي يراد بها الباطل بضاعة مزجاة لا يتاجر بها الدكتاتور وحده.

فتحت البوابات على مصراعيها بوجه مزدوجي الانتماء المدعوين تلطفا “مزدوجي الجنسية”، فتحكم العراقي البريطاني والعراقي الاميركي والعراقي الاسترالي والعراقي الايراني والعراقي النروجي الى ما شاء الله

ولتعزيز التوجهات الجديدة وتنكيهها بنكهة الانعتاق الفج، فتحت البوابات على مصراعيها بوجه مزدوجي الانتماء المدعوين تلطفا “مزدوجي الجنسية”، فتحكم العراقي البريطاني والعراقي الاميركي والعراقي الاسترالي والعراقي الايراني والعراقي النروجي الى ما شاء الله. ثم اندفع اجتياح السيل الى اشد المؤسسات ارتباطا بالوطنية، فتناوب بريطانيان وفرنسي على رئاسة الوزارة قبل ان يكلف ثلاثة بريطانيين آخرين لمّا يمنح احدهم الثقة حتى الآن.

وكان نصيب وزارة الدفاع، القيادة السياسية والادارية للجيش العراقي سلعة مبيعة لثلاثة من البريطانيين. ويالهول ما يصاب به المرء من الذهول، اذا ما اطلع على القوانين التي تحظر على العسكري العراقي كثيرا مما ابيح لنظيره المدني، اذ الاول ممنوع من السفر الا إن أوفدته حكومة بلاده الى دولة اخرى، كما انه ممنوع من الزواج باجنبية تجنباً لافشاء الاسرار التي قد يصرح بها المرء لزوجه، الى سلسلة موافقات استخبارية وامنية يستغرق انجازها بضعة شهور قبل ان تستكمل الموافقات المطلوبة لاقترانه بعراقية، مضافا الى تعليمات صارمة تحدد ادق لوازم مظهره، فالضابط حال ارتدائه البزة العسكرية لا يسمح له بالتختم او حمل المسبحة او التقلد او الاكل في الطرقات او العراك بالايدي او الرقص بل وحمل الطفل الصغير او الحقائب التسوقية او اكياس التبضع.

واذا بقادة الوزارة السيادية يروحون ويغدون دون اذن قائدهم الاعلى ولا يُسألون عما فعلوا خارج البلاد والى من اجتمعوا واذا بفضائح الخلق وفظائعه تطال الكبير قبل الصغير على ارض انتمائه البديل، واذا بالمخلصين والابطال ممن ردعهم طيب أرومتهم ووفاؤهم لانتمائهم الوحيد وقيم نشأوا على احترامها، يصبحون غرضا يرمى ممن يرون ان السواد (العراق) بستان قريش وهو نهزة كل طامع ونهبة من ابتعث للاجهاز على كل صوت رافض لأن يكون العراق مستساقا لخطط التقسيم ومشاريع التخريب.

ولقد سمعت من يقول متسائلا، وما الضير في ان يكون من وزراء حكومتنا من ازدوجت جنسيته؟

لعلي لا اطيل عليه اذا ذكرته بقصة المجري تريبيش الذي حصل على الجنسية البريطانية وصار إسمه لنكولن ثم انتخب عضوا في مجلس العموم البريطاني عن الحزب الليبرالي، قبل ان ينخرط في النشاط الجاسوسي لصالح المانيا خلال الحرب العالمية الاولى. ذلك كله اذا ما وضعنا مفهوم ازدواجية الجنسية وحده ومخاطره على اداء المؤسسات السيادية العراقية واما مع موجات الاحتجاج التي لم تترك مشروعا او محظورا الا رفعت رايته، بما في ذلك حقوق المثليين، فإننا نمسي امام محنة ازدواج الجنس والجنسية اذ تكشف وقائع  ان المسؤولين على ما يبدو ليسوا بمنأى عنها.

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free online course