بين منطق الدولة ومنطق الهوية: فجوة المعنى في إدارة الرمزيات
??????????

في الدول التعددية، لا تُقرأ القرارات الرسمية قراءةً واحدة. فبينما تنطلق الدولة في كثير من خياراتها من اعتبارات بروتوكولية أو قانونية أو دبلوماسية، يتلقّى الجمهور هذه القرارات من زاوية مختلفة: زاوية الهوية والاعتراف. هذه الفجوة بين منطق الدولة ومنطق الطائفة ليست تفصيلاً عابراً، بل هي عنصر بنيوي في فهم التوترات الرمزية التي تظهر أحياناً في الفضاء العام.

أولاً؛ المستوى الدستوري البروتوكولي:

تتعامل الدولة مع قرارات الحداد أو الاستقبالات الرسمية وفق معايير محددة. فهي ترتبط، من حيث الأصل، برؤساء دول أو شخصيات تجمع بين المرجعية الدينية والصفة السيادية. وفي هذا السياق يشكّل، على سبيل المثال، رأس الكنيسة الكاثوليكية حالةً فريدةً، إذ يجمع بين الموقع الروحي ورئاسة دولة ذات سيادة هي الفاتيكان، معترف بها في النظام الدولي.

هذا البعد السيادي يضع الوفاة أو الزيارة في إطار علاقات دبلوماسية بين كيانات سياسية، لا في إطار رمزي ديني فحسب.

ومن هنا يمكن فهم بعض القرارات البروتوكولية، كإعلان الحداد أو تنظيم الاستقبالات الرسمية، بوصفها استجابةً لالتزامات دولية. إلا أن المرجعيات الدينية المحلية أو الإقليمية، مهما بلغ شأنها الروحي والاجتماعي، كالمرشد الأعلى، سماحة السيد الشهيد عليّ الحُسيني الخامنئي، لا تنطبق عليها دائماً المعايير نفسها.

فهي لا تتمتع بالصفة السيادية التي يمنحها القانون الدولي وزناً بروتوكولياً مماثلاً. أقول قولي هذا متيقناً أن القانون الدولي أصبح للأسف سلعةً لا شرعةً لدى الكثير من أهل القرار، لكن هذا ما يحتمه علينا القلم الحرّ الموضوعي أن نذكّر به ونطرحه بدايةً.

الإشكال إذاً لا ينشأ بالضرورة من غياب الاعتراف، بل من غياب توضيح المعيار. فالجمهور لا يقرأ قرار الدولة اللبنانية، والتي لست هنا بصدد التبرير عنها ولها، من زاوية القانون الدولي، بل من زاوية المعنى الرمزي الذي يضفيه على هويته الجماعية، أي الطائفية، بالمعنى الإيجابي والإندماجي الوطني الذي ورثناه عن سماحة الإمام المغيّب، السيد موسى الصدر الذي استحق لقب إمام الوطن والعيش المشترك، باعتراف الطوائف الثماني عشر، وليس فقط ضمن بيئته الخاصة.

ثانياً؛ المستوى الرمزي الهوياتي:

في مجتمع متعدّد كلبنان، لا تُختزل الرموز الدينية في بعدها الروحي، بل تتحول إلى تمثيلات مكثّفة للكرامة الجماعية. كل طائفة ترى في رمزها مرآةً لوجودها التاريخي والاجتماعي.

وعندما يُحتفى برمز ويُغفل رمز آخر، حتى لأسباب إجرائية، ينشأ شعورٌ بالاختلال في ميزان الاعتراف.

هذا الشعور لا يفترض من حيث المبدأ، نية إقصاء. فقد يكون نتيجة عجز مؤسسي، مقصود أم لا وبنوايا حسنة أم خبيثة، عن إدارة التوازن الرمزي بدقة، أو غياب خطاب رسمي يشرح المعايير المتبعة.

الدولة الحديثة تتقن إدارة النصوص القانونية، لكنها لا تنجح دائماً في إدارة المعاني التي يقرأها الجمهور خلف النص.

هنا تتجلى الفجوة:

الدولة تقرأ الحدث بوصفه واقعة دبلوماسية أو بروتوكولية والجمهور يقرأه بوصفه إشارة إلى مكانته الرمزية في السردية الوطنية.

ومع اتساع هذه الفجوة، تتسع مساحة التأويل، ويشتد الإحساس بالازدواجية وتبدا الحملات والحملات المضادة. والشبكة العنكبوتية التي تحتضن وسائل “التقاتل” الإجتماعي، خير دليل على هذه الفجوة.

ثالثاً؛ نحو مقاربة متوازنة:

لا يعني تحليل الفجوة أن الدولة مطالبة بالتحول إلى مؤسسة رمزية، ولا أن القرارات “السيادية”، إن وُجدت، يجب أن تُدار بمنطق العاطفة.

لكن المطلوب هو وضوح معياري وشفافية في تفسير القرارات، بحيث يفهم المواطنون منطقها دون إسقاطات هوياتية.

ولأن الهدف من هذا المقال لا يسعى إلى وصف الحقيقة فحسب، بل إلى إيقاظها أيضا في المُتلقي، فيمكننا أن نقترح تحقيق الشفافية عبر:

– إعلان المعايير: توضيح الأسس التي تُتخذ بناءً عليها قرارات الحداد أو العطل الرسمية؛

– الخطاب التفسيري: إصدار بيانات تشرح الخلفيات البروتوكولية عند الحاجة؛

– التوازن الرمزي: إدراك حساسية المجتمع تجاه الإشارات، والعمل على عدم خلق انطباعات تفضيلية.

إن الاعتراف المتبادل بالرموز في مجتمع تعددي ليس مجاملة، بل شرط من شروط الاستقرار. لكنه يجب أن يقوم على معيار واضح، لا على ردود فعل ظرفية.

المسألة ليست في يوم عطلة أو بيان حداد، بل في سؤال أعمق: كيف يشعر كل مكوّن بأن كرامته الرمزية مصونة ضمن الإطار الوطني المشترك؟

فعندما تُدار الرمزية بشفافية، ويُشرح المنطق المؤسسي، تتحول الاختلافات إلى عناصر غنى لا إلى مصادر توتر. وهكذا يمكن للدولة والمجتمع أن يتكاملا: الدولة بالقانون، والمجتمع بالمعنى؛ وكلاهما ركيزة للعيش المشترك.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  العدالة الإنتقالية في لبنان.. إنتقال إلى المجهول
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  لنفضح شراكة أمريكا في "محرقة غزة"!