سعيد عيسى, Author at 180Post - Page 5 of 9

8800.jpg

مع اقتراب موعد الاستحقاق النيابيّ في ربيع العام 2026، تتجدّد في المشهد السّياسيّ والإعلاميّ ظاهرةٌ ثابتةٌ، تتجلّى في ظهور جيلٍ جديدٍ من المرشّحين ينتمون إلى صُلْبِ البيوتات السّياسية التّقليديّة، يستعدّون لتسلّم "الرّاية" من الجيل الذي سبقهم. لا يُنْظِرُ إلى هذا الأمر كاستثناءٍ، بل كقاعدةٍ، وكأنّ المقعد النّيابي مُلْكيّةٌ خاصةٌ تتوارثها الأجيال.

800-47.jpg

منذ مطلع الخريف، تشهد الحدود الجنوبيّة للبنان حالة تصعيدٍ محسوبةٍ، تكاد تكون استمراراً لحربٍ لا تُعْلَنْ ولا تتوّقف. القصف الجوّيّ والاشتباكات المحدودة لم تعد استثناءً، بل إيقاعاً يوميّاً يتحكّم في حياة القرى الجنوبيّة. خلف هذا المشهد الظاهر، تتكشّف استراتيجيةٌ أعمق تسعى من خلالها إسرائيل إلى إعادة تعريف الشمال، ليس كمنطقة مواجهةٍ مع لبنان فحسب، بل كمجالٍ أمنيٍّ واحدٍ يمتدّ من غزّة إلى الجولان مروراً بالجنوب اللبنانيّ. الهدف المعلن هو “الرّدع”، لكن الهدف الفعليّ هو إعادة رسم أو ترسيم الجغرافيا - ليس فقط على الأرض، بل في المخيّلة السّياسيّة.

800-45.jpg

مع كلّ جولة توترٍ على الحدود الجنوبيّة، تعود واشنطن إلى المسرح اللبنانيّ. فيتساءل مراقبون: هل تسعى الولايات المتّحدة فعلاً إلى فتح قناة تفاوضٍ مباشرةٍ بين بيروت وتل أبيب، أم أنّها تكتفي بإدارة النّار من بعيدٍ لتبقى المُمْسِكَةَ بخيوط اللّعبة الإقليميّة؟ السّؤال لم يعد افتراضياً، بل صار جزءاً من ديناميّةٍ متشابكةٍ تجمع بين ملفَّي الغاز والحدود من جهةٍ، وملفّ الحرب والسّلام من جهةٍ أخرى.

800-37.jpg

في ظلّ تهاوي الأنظمة الإقليمية القديمة، وتشكّل تحالفاتٍ جديدةٍ، في قلب هذه العاصفة الجيوسياسيّة، يقف لبنان كسفينةٍ تتقاذفها أمواجٌ عاتيةٌ. إنّه المشهد الأكثر تعقيداً في منطقةٍ متغيّرةٍ، دولةٌ تمتلك كلّ مقوّمات النّجاح، لكنّها حبيسة صراعاتها الدّاخلية وتداخلاتها الإقليميّة. السّؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إنْ كان لبنان سيتغيّر، بل كيف سيغيّر نفسه لينجو من العاصفة ويبني مستقبلاً يليق بشعبه.

88bca15b982a2b316a6be2fd748e3be9.png

شكّل التدخّل العسكريّ الروسيّ في سوريا قبل نهاية عام 2015 نقطة تحوّلٍ حاسمةٍ، لم يكن هدفها المُعْلَن إنقاذ شخص بشّار الأسد بقدر ما كان يهدف إلى إعادة تموضع روسيا كقوةٍ عالميّةٍ عظمى على السّاحة الدّوليّة. جاء هذا التدخّل ردًا على الخسائر الجيوسياسيّة التي تكبّدتها موسكو بعد أزمة أوكرانيا وشبه جزيرة القرم عام 2014 وما تبعها من عقوباتٍ غربيّةٍ مؤلمةٍ. لقد اختارت موسكو سوريا لتكون ساحةً لـ"ردّ الاعتبار" وتأكيد أنّها طرفٌ أساسيٌّ لا يمكن تجاهله في معالجة القضايا الإقليميّة.  

799.jpg

شهدت تسعينيّات القرن الماضي ذروة النّفوذ العالميّ للمنظمات غير الحكوميّة (NGOs)، حيث نمت أعدادها وميزانيّاتها بشكلٍ غير مسبوقٍ في ظلّ رؤيةٍ متفائلةٍ لمجتمعٍ مدنيٍّ عالميٍّ قادرٍ على قيادة التّقدّم في قضايا حقوق الإنسان والبيئة. مثّلت منظمات كبرى مثل "أوكسفام" و"منظمة العفو الدوليّة" و"الشفافيّة الدوليّة" قوىً فاعلةً نجحت في حشد الرأي العام والتأثير في سياسات الدّول، بل والإسهام في صياغة معاهداتٍ دوليّةٍ مهمّة كـ "اتفاقية حظر الألغام المضادّة للأفراد" و"اتفاقيّة الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد".

750-2.jpg

في السّنوات الأخيرة، تحوّلت أولويّات العواصم الغربيّة من الانفتاح الدّوليّ إلى التّركيز الدّاخليّ عبر ما يُعْرَف بـالقوميّة الاقتصاديّة، فبدأت تعيد توجيه مواردها الوطنية نحو دعم الصّناعة المحلّيّة بدلاً من الالتزامات الخارجيّة.

IMG_6120.jpeg

تؤكّد الأحداث التي يشهدها كلٌ من النّيبال والمغرب أنّ جيل Z ليس مجرّد مستهلكٍ للتّكنولوجيا؛ بل هو دينامو الحراكات الاجتماعيّة والسياسيّة، ويمتلك القدرة على تضخيم القضايا المحلّيّة وتحويلها إلى قضايا وطنيّة باستخدام قوّة وسرعة الاتّصال الرّقميّ، رفضاً للواقع البراغماتي الذي فرضه عليه عالم الأزمات المتراكمة من فساد وفقر وبطالة وغيرها من الأزمات الإجتماعية.

700.jpg

في المجتمعات الحديثة، يُفْتَرَض أنّ التعليم والشهادات العليا تمنح الفرد القدرة على الاختيار ورفع مستوى وعيه. إلا أنّ الواقع يكشف المفارقة الآتية: كثيرٌ من المتعلّمين يواصلون الخضوع للنّفوذ الرمزيّ، الانقياد للجماعات القويّة، أو حتى للميليشيات المحلّية، بينما ينجح آخرون في الخروج عن هذه السيطرة وممارسة استقلاليةٍ حقيقيّة. هذه الظاهرة تثير تساؤلاتٍ أنثروبولوجيةً عميقةً حول العلاقة بين المعرفة والسلطة، بين التعليم والحريّة، وبين الفرد والمجتمع. فهل يكفي التراكم المعرفيّ وحده ليحمي العقل من الوقوع تحت سلطة الرّموز والأنماط الاجتماعية؟ أم أن هناك عوامل خفية تتحكّم في الانقياد، حتى بين المتعلّمين الأعلى تأهيلاً؟

800-35.jpg

منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، ارتكزت المعادلة الأمنيّة لدول الخليج العربيّ على شراكةٍ وثيقةٍ مع الولايات المتّحدة، وتعاونٍ متفاوتٍ مع بعض القوى الأوروبيّة، في إطار نظامٍ دولٍّي تقوده الليبراليّة الغربيّة. هذا النّظام كان يقوم على تبادلٍ واضح لحمايةٍ عسكريّةٍ وأمنيّةٍ من الغرب، مقابل تأمين إمدادات الطّاقة واستثماراتٍ ضخمةٍ في الاقتصادات الغربيّة.