الانتخابات اللبنانية في خضم تحولات الإقليم.. ما هي الأولويات؟

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة تحوّل جذري بعد أن شكّلت أحداث غزة (بدءًا من "طوفان الأقصى") بداية انعطافة كشفت هشاشة البنى الاستراتيجية الإقليمية في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا الواقع المتقلّب، يشهد لبنان تحولات داخلية عميقة تتقاطع مع اقتراب الانتخابات النيابية في الربيع المقبل (إن حصلت في موعدها) بوصفها محطة مفصلية لإعادة تشكيل السلطة.

وجد لبنان نفسه في قلب هذه التطورات المضطربة والمعقدة. أدت المواجهات العسكرية في الجنوب اللبناني إلى تحولٍ نوعيٍ لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث. تعرضت المراكز القيادية والحساسة لحزب الله لضربات مباشرة وموجعة وقاسية، وتأثرت بشكل جذري شبكات الإمداد اللوجستية التي كان يعتمد عليها، مما حول النزاع من “جبهة داعمة” نسبياً وآمنة إلى مسرح مباشر ومُهدَّد. كان يُفترض باتفاق وقف النار بين لبنان وإسرائيل في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أن يعكس موازين قوى الحرب غير أن سقوط النظام السوري في نهاية العام 2024 جاء ليُعمّق المأزق ويجعل إسرائيل تخرج من الإتفاق وتواصل حربها بوسائل جديدة (اغتيالات وضرب مراكز وقدرات ومؤسسات)، بعدما فرض الواقع الجيوسياسي الجديد معادلات مختلفة لجهة قطع شريان التواصل الحيوي بين بيروت وطهران عبر دمشق مرورًا ببغداد.

دلالات الانتخابات في واقع متحول

أعادت هذه التطورات المتسارعة رسم المشهد السياسي اللبناني بطريقة جذرية. لا تمثل الانتخابات المقبلة مجرد تجديد روتيني للتمثيل النيابي كما حدث في الماضي، بل هي اختبار حقيقي وفاصل لإعادة صياغة التوازنات الداخلية بطريقة جوهرية. لم يعد الصراع يدور حول التحالفات التقليدية والثابتة، بل حول من سيملأ الفراغ الكبير والحساس الناجم عن تراجع أوزان بعض القوى.. فالخطوط القديمة والمعروفة لم تعد قادرة على تفسير الواقع الجديد المعقد. النظام اللبناني يحتاج بإلحاح إلى إعادة نظر جذرية وعميقة في معادلاته الأساسية والبنيوية.

واذا كان البعض يضع حزب الله في خانة التصويب الأول، بحثا عن واقع سياسي جديد، يجب الإلتفات هنا إلى نقطتين، أولى تتصل بالبيئة المتحفزة والمتأهبة وثانية تتصل بالحزب نفسه الذي لا يعتبر الواقع الحالي نهاية المطاف، بل لحظة انتقالية لإعادة هندسة نفوذه وعناصر قوته بطريقة أكثر ذكاءً، تعتمد على عامل الوقت وتعزيز الروابط الداخلية مع القواعد الشعبية وتشديد الخطاب على قضايا الهوية وحماية الجماعة. لذا، علينا ألا تتوقع تسليماً فورياً وكاملاً للسلاح كما يطالب بذلك البعض أو يتمنى ذلك.

ينعكس هذا التوجه الحزبللهي خطابًا دفاعيًا بحتًا يركز على حماية الجماعة والبقاء المؤسسي، وبالتالي يدفن عمليًا كل معادلات الحزب الإقليمي. هنا تصبح التعبئة واجباً جماعياً شاملاً وليس حزبياً فقط، والسلاح يُعاد تعريفه بوصفه “الضمانة الأخيرة” في مرحلة صعبة من الانعزال الإقليمي والضغط الدولي.

ومع التراجع الواضح في القوة العسكرية لحزب الله، ينصب التركيز بشكل متزايد على توسيع النفوذ السياسي والاجتماعي. لذا، لن يكون مفاجئًا أن يحاول الحزب تطويق أي معارضة تنموية داخل مجتمعه من خلال السيطرة الكاملة على الخدمات الأساسية والموارد الحيوية. هذا النهج يمثل تحولاً استراتيجياً من الاعتماد الكامل على القوة العسكرية إلى بناء شبكات متشابكة اقتصاديًا واجتماعيًا.

تظهر أطروحة جديدة وخطيرة في الحسابات الدولية مفادها: إذا فشل الضغط العسكري المباشر، فيمكن تطبيق ضغط اقتصادي واجتماعي مركّب على البيئة الحاضنة للحزب، تقوم هذه الفكرة على تحويل المجتمع إلى ساحة تنافسية اقتصادية حقيقية بدلاً من الاعتماد على المواجهة العسكرية المباشرة والمدمرة. قد يفتح هذا المجال أمام قوى معارضة داخلية تنمو وتتطور تدريجياً، وبخاصة إذا توفرت لها فرص سياسية حقيقية.

الانتخابات كاختبار حقيقي للديموقراطية

تختلف الانتخابات المقبلة- بمعزل عن حظوظ التمديد للمجلس الحالي من عدمها- اختلافاً جوهرياً وعميقاً عن سابقاتها. يسعى حزب الله لتحويلها إلى استفتاء على دوره ووجوده وسلاحه، بدلاً من منافسة سياسية طبيعية وسلمية. النقاش حول هذه الانتخابات يحمل حذراً واضحاً وعميقاً من قبل المعارضين للحزب ممن سيطرحون سؤالاً جوهرياً: كيف تُجري دولة انتخابات حقيقية وحرة بينما جماعة واحدة تمتلك القدرة الفعلية على التعطيل؟

السلاح الذي قُدِّم كـ”درع دفاعي” ضروري، بات يُنظر إليه الآن بوضوح بوصفه عامل تفتيت داخلي. مع التغيير الجذري في موازين القوى الإقليمية، لم يعد له نفس الدور الحمائي والاستراتيجي السابق، بل أصبح في الواقع أداة ضغط محلية فقط؛ وبالتالي، يعيش لبنان لحظة تحول دقيقة وحسّاسة فيما تخشى قواه الشرعية المسلحة من الانهيار والتهميش. أما المعارضات فترى أن هناك فرصة ذهبية داخلية للتغيير وأن الدعم الدولي يشكل قوة دفع من خلال المضي بسياسة العصا والجزرة في التعامل مع الواقع اللبناني المعقد.. حتماً لا أحد يبحث عن مواجهة عسكرية، بل عن عناصر يُمكن أن تجعل هذه المرحلة الانتقالية كفيلة برسم قناعات جديدة تصب في خانة حصرية السلاح ورسم استراتيجية شاملة لحماية لبنان عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصاديا واجتماعياً.

في الخلاصة، تعد الانتخابات النيابية اللبنانية المقبلة أكثر بكثير من حدث سياسي روتيني أو عملية إدارية عادية. إنها لحظة فاصلة وحاسمة حيث تتقاطع التحولات الإقليمية الجذرية مع أسئلة أساسية حول طبيعة الدولة وسيادتها وموقعها. لا بد من توافقات معقدة وصعبة على مستويات متعددة بين الأطراف السياسية المختلفة، وبين الحكومة وحزب الله، وبين لبنان والقوى الإقليمية والدولية. الطريق لانتخابات ذات نتائج حقيقية وأثر فعلي يتطلب ليس فقط نزع السلاح، بل إعادة بناء شاملة وعميقة للنسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. الانتخابات المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً وفاصلاً لقدرة لبنان على التخلص من الصراعات القديمة والعميقة والدخول إلى واقع سياسي أكثر استقراراً وأماناً.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  جورج عبدالله.. هويتنا الضائعة
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  أنسي الحاج "يخون" لبنان: الدولة أسيرة باترونات الدعارة!