أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الحرب تسمية “العملية العسكرية الخاصة”، تدليلاً على افتراضات خاطئة بأن القوات الروسية ذاهبة في مهمة لا تتطلب أكثر من أيام أو أسابيع. وتتلخص في خلع نظام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي المؤيد للغرب، وتنصيب أحد الموالين لموسكو خلفاً له، وبذلك يتعزز “الاتحاد السلافي” بين روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا.
وقع بوتين في الكمين. لم تسقط كييف ولا فرّ زيلينسكي ولم ينهر الجيش الأوكراني. لم تتخلَ أوروبا عن كييف من أجل النفط الروسي، ووجد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، فرصة لإعادة بعث حلف شمال الأطلسي (الناتو) من “موته السريري”، الذي فرضه الانسحاب الأميركي الأحادي من أفغانستان من دون استشارة الحلفاء في آب/أغسطس 2021، وأعاد توحيد قوى الغرب ضد روسيا.
مكانك راوح
تدخل الحرب عامها الخامس، وروسيا وأوكرانيا تنزفان بشرياً واقتصادياً، وأوروبا تعيد النظر في سياساتها الدفاعية وتنفق أكثر على جيوشها، بعدما عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، وأوقف المساعدات العسكرية المجانية لأوكرانيا، مما دفع أوروبا إلى شراء السلاح الأميركي وتحويله إلى كييف.
ولم يطل الأمر بترامب، حتى أصابته الحرب بالخيبات أيضاً. ما كان يظن أنه سيستغرق منه “24 ساعة”، أي إنهاء الحرب، مضى عليه أكثر من سنة من جون أن تفلح الجهود الأميركية واللقاءات المتكررة مع زيلينسكي واجتماع مع بوتين، من اقناع كييف وموسكو، بوقف النار والدخول في حوار يفضي إلى تسوية دائمة للنزاع.
وتراوح المفاوضات غير المباشرة التي تجري بوساطة أميركية، عند نقطة تبادل الأراضي. بوتين يتمسك بضم مناطق لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزابوريجيا. وزيلينسكي بدعم أوروبي، يرفض التسليم بالأمر الواقع، ولا يزال يراهن على استعادة المناطق التي تسيطر عليها روسيا، إذا ما حصل على مزيد من الدعم الغربي، وشرط أن تتعرض موسكو لمزيد من العقوبات الأميركية المتعلقة بتصدير النفط الروسي.
حرب المُسيّرات!
وفي العام الخامس للحرب، تجمدت خطوط الجبهة تقريباً. والتقدم الروسي بطيء جداً ولا يكفي لإحداث تغييرات ميدانية كبيرة، تدفع زيلينسكي إلى تقديم تنازلات جوهرية. وبالمقارنة، كان الجيش السوفياتي في العام الرابع من الحرب العالمية الثانية، قد توغل مسافة 1500 كيلومتر غرباً ليصل إلى برلين. الآن، يتكبد الجيش الروسي آلاف الخسائر في الأرواح، في مقابل تقدم يقاس بمئات الأمتار أحياناً. استغرق القتال للسيطرة على مدينة باخموت في دونيتسك من آب/أغسطس 2022 إلى أيار/مايو 2023. وبعدما كان الجيش الأوكراني قد استطاع أن يخرج القوات الروسية من ضواحي كييف وخاركيف خلال هجوم كاسح في صيف وخريف 2022، أخفق في هجومه المعاكس في ربيع 2023 على شرق أوكرانيا وجنوبها. وفي 2024، توغلت القوات الأوكرانية في مقاطعة كورسك الروسية، لكن الجيش الروسي، بمؤازرة قوات كورية شمالية، استعاد المناطق التي احتلتها أوكرانيا في 2025.
تسيطر روسيا الآن على كامل منطقة لوغانسك ونحو 80 في المئة من منطقة دونيتسك وعلى مساحات كبيرة من زابوريجيا وخيرسون. وجمود خطوط الجبهة الممتدة على نحو ألف كيلومتر، يعود بدرجة أساسية إلى حاجة الطرفين الماسة إلى العنصر البشري. تعاني روسيا وأوكرانيا من نقص فادح في المجندين، لشن هجمات وهجمات مضادة.
إن عدم حصول اختراقات كبيرة في الميدان، دفع الطرفين إلى استخدام مكثف لسلاح المسيّرات، الذي بات عاملاً حاسماً في تكبيد كل طرف للطرف الآخر خسائر فادية في بناه التحتية. في الأعوام الثلاثة الأولى من الحرب، كانت روسيا وأوكرانيا تستخدمان يومياً عشرات المسيّرات، في حين تستخدمان المئات منها يومياً مما يرهق الدفاعات الجوية على جانبي الحدود، ويتيح إصابة المواقع المستهدفة.
التركيز الروسي على ضرب محطات توليد الطاقة في أوكرانيا، أدى إلى انقطاعات هائلة في التيار. وعلى سبيل المثال، يحصل سكان كييف ومدن أخرى، فقط على ساعة ونصف ساعة من الكهرباء يومياً.
وعلى الجانب الآخر، تمكنت المسيّرات الأوكرانية من تدمير العديد من مصافي النفط في العمق الروسي، وأخرج كثيراً منها عن العمل، وحرم روسيا من مورد رئيسي لتمويل الحرب. كما استهدفت المسيّرات الأوكرانية مصانع عسكرية ومطارات تؤوي قاذفات استراتيجية، ونجحت في تحييد أسطول البحر الأسود. وزادت مطاردة الأوروبيين لـ”أسطول الظل” الذي ينقل النفط الروسي الخاضع للعقوبات. واغتالت الاستخبارات الأوكرانية مسؤولين عسكريين كبار داخل روسيا.
أدوار روسيا تتراجع
إلى جانب الخسائر المباشرة، أحدثت الحرب تحولات استراتيجية في أوروبا والعالم. لقد أفقد الغرق في المستنقع الأوكراني روسيا الكثير من مكانتها ونفوذها الدوليين، لمصلحة الولايات المتحدة والصين. وتراجع مثلاً الدور الروسي في جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية سابقاً. وتيمم هذه الجمهوريات شطر الصين وأميركا، وكازاخستان أبرز مثال على الخروج من “الفضاء الروسي” إلى الفضاء الأميركي. ومنطقة القوقاز، ليست أفضل حالاً. وترامب اليوم، وليس بوتين من يُبرم السلام بين أرمينيا وأذربيجان.
وعدوى التراجع في الدور، امتد إلى الشرق الأوسط. سقط نظام بشار الأسد المدعوم من روسيا في سوريا في 2024. وتتودد موسكو اليوم إلى الرئيس السوري أحمد الشرع للاحتفاظ بقاعدتي طرطوس وحميميم.
وفقدت موسكو بالكامل تأثيرها على الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وفق ما تبين خلال الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان. وهناك اكتفاء بإدانات لفظية، من دون دور فاعل كانت تتمتع به روسيا قبل الورطة الأوكرانية. ولا تجوز المقارنة بما كان إبان الاتحاد السوفياتي السابق.
وبقيت المصالح النفطية، الرابط الرئيسي بين روسيا ودول الخليج العربية. وهذا لا يقاس بحجم الاستثمارات الأميركية والصينية هناك.
ويتجلى ضعف الدور الروسي أيضاً في الملف الإيراني، حيث لم تستطع علاقات الشراكة الاستراتيجية دون منع الحرب الإسرائيلية-الأميركية في حزيران/يونيو 2025، وليست بقادرة اليوم على منع حرب أخرى على وشك الاندلاع بين واشنطن وطهران.
حليف آخر لروسيا، انهار في فنزويلا مع إقدام الأميركيين على اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وتجديد حصارهم على النظام الكوبي. لن تتمكن السفن الروسية من إيصال امدادات نفطية إلى هافانا إلا إذا سمحت البحرية الأميركية بذلك. بقيت لروسيا بقعة نفوذ في شرق ليبيا وجزء من السودان وبعض دول الساحل جنوب الصحراء مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو، التي تتعرض اليوم لهجمات شرسة من التنظيمات الجهادية.
بفعل الحرب، حلت أميركا محل روسيا، كمورد أساسي للنفط إلى أوروبا الغربية. وباتت الصين البديل عن السوق الأوروبية. لكن هذا يجري على قاعدة الأسعار التفضيلية، وعلى قاعدة ارتماء بوتين أكثر في الحضن الصيني.
وإذا كان الاقتصاد الروسي ليس معرضاً للانهيار، فإن علامات التعب بدأت تظهر عليه بفعل العقوبات الغربية، من دون نسيان أن 8 في المئة من إجمالي الناتج القومي، يذهب للموازنة الدفاعية، وهي النسبة الأعلى في العالم. وفي حال أصر بوتين على رفض التجاوب مع المقترحات الأميركية للحل، فإن ترامب قد ينقلب عليه، ويعمد إلى فرض المزيد من العقوبات على النفط الروسي. وهو فعلاً، يضغط على الهند كي تتوقف بالكامل عن الاستيراد من روسيا، وسيحاول أن يمارس ضغوطاً مماثلة على الصين أيضاً.
أسئلة أوكرانية وجودية
أما أوكرانيا، فإنها تواجه أسئلة وجودية نتيجة الحرب. فالاقتصاد الأوكراني يعتمد اعتماداً شبه كلي على المساعدات الأوروبية، التي تصحح العجز في موازنة كييف. وهروب الشباب من الخدمة الإلزامية بلغ مستويات عالية جداً، بينما يفقد زيلينسكي البريق الذي اكتسبه في سنوات الحرب الأولى، وأهدرت فضائح الفساد التي طاولت أقرب مساعديه من رصيد الثقة الذي كان يتمتع به داخلياً وخارجياً. ويتردد في إجراء انتخابات رئاسية لأنه لا يضمن الفوز فيها.
الأثمان الكبيرة التي يدفعها الأوكرانيون في الحرب، تثير لديهم أسئلة كانت محرمة قبل خمسة أعوام. ماذا لو كان ثمن السلام هو التنازل عن شرق أوكرانيا؟ هناك من يقول إن خطوة كهذه من شأنها أن تتيح لكييف مساراً أسرع للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بينما استمرار الحرب يثير شكوكاً بمستقبل أوكرانيا كبلد مستقل. وما يحاول ترامب افهامه لزيلينسكي، هو أن روسيا بمقدورها تحمل الخسائر التي تتكبدها من دون أن تكون معرضة للزوال، في حين أن الحال ليست كذلك بالنسبة لأوكرانيا.
على ذلك، يرد زيلينسكي والأوروبيون، بأنه لا يوجد ما يضمن أن بوتين سيتوقف في حال حصل على الشرق الأوكراني، ولن يستأنف الحرب لاحقاً بعد أن تتعافى روسيا. ولذلك، تتمسك الدول الأوروبية بحلف الناتو، كقوة ردع، بينما وضع ترامب الحلف على محك الاستمرار، في ضوء الخلافات عبر ضفتي الأطلسي حول الانفتاح الأميركي المجاني على بوتين، وبسبب إصرار الرئيس الأميركي على وضع اليد على جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك، العضو في الناتو وفي الاتحاد الأوروبي، ونتيجة للحروب التجارية.
هزّ بوتين النظام العالمي القائم عندما اقتحم أوكرانيا قبل خمسة أعوام، لكنه لم يتمكن من اسقاطه. المدهش والمستغرب في آن، أن اسقاط النظام العالمي يتم في الوقت الحاضر على يد ترامب. من ينظر إلى احتفالية إعلان “مجلس السلام” في واشنطن الخميس الماضي، لن يتأخر في بلوغ هذه القناعة. ولا توجد مؤشرات على أن ترامب يمكن أن يتوقف.
كثير من التحولات والأحداث الكبرى في العالم اليوم، ما كانت لتحدث أو تتخذ المسار نفسه، لو أن روسيا تفادت “الفخ الأوكراني”.. وها هما موسكو وكييف تدخلان السنة الخامسة للحرب من دون أن يكون هناك أي أفق يحول دون بلوغ أعتاب السنة السادسة، طالما أن الطرفين يراهنان على الميدان من جهة وما يُمكن أن تستجلبه الظروف السياسية من مستجدات قد تقلب الوقائع رأساً على عقب من جهة ثانية.
