“توريطة”.. نواف سلام!

في مقال سابق، كتبتُ أن السلطة التنفيذية التي يقودها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، على قدر ما تمنحه الشرعية، يمكن أن تتحوّل إلى أداة لإسقاطه إن لم يُحسن تحصين نفسه. كانت "هزّة العصا" الأولى لنواف سلام، أو "التوريطة الثانية" إذا صحّ التعبير، في تحريك ملف العسكر المتقاعدين ورواتب موظفي القطاع العام، بعد "التوريطة الأولى"، وهي تعيين غراسيا القزي. وعلى الرغم من أحقية هذه المطالب، إلا أن لا شيء يحدث في السياسة بالصدفة، لا سيّما في التوقيت

كثيرون لا يريدون نواف سلام رئيسًا قويًا للحكومة، قادرًا على تطبيق البيان الوزاري لحكومته. فلا بأس برفع الشعارات، وبالمناداة ليلًا نهارًا على المنابر حول ضرورة المحاسبة، وحول تطبيق دولة القانون والمؤسسات، وحول بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية. لا بأس بهذه الشعارات، بل هي مطلوبة للاستقطاب الجماهيري، أو التنويم الجماهيري.

مشهدان لا يمكن فصلهما عمّا يحدث في الحكومة. المشهد الأول هو دخول لبنان المرحلة الثانية في تطبيق قرار حصرية السلاح شمال نهر الليطاني، بعد الانتهاء من القسم الأكبر في جنوبه. والمشهد الثاني هو استمرار ضغط الدول الراعية والصديقة للبنان للبدء بإصلاحات جدية سياسية واقتصادية وقضائية واجتماعية وغيرها. وبالطبع، لا يمكن لهذه الإصلاحات أن تتم من دون تطبيق المحاسبة فعلًا لا قولًا.

وفي ملف السلاح كما في ملف الإصلاحات، لا تواجه الحكومة أطرافًا متفرّقة، بل منظومة واحدة. قد تتصارع في التفاصيل، لكنها تتوحّد عند الخطر. أي محاولة للمحاسبة، أي مسّ بشبكات النفوذ، يتحوّل فورًا إلى تهديد جماعي. لأن هذه المنظومة، مهما اختلفت في ما بينها، تعرف جيدًا أن سقوط حلقة واحدة يفتح الطريق أمام سقوط السلسلة كاملة.

إذا أراد نواف سلام أن يبقى فرصة للبلد أولًا، لا مجرّد مرحلة انتقالية تعيد تعويم من سبقه ومن يريد أن يخلفه، فعليه أن ينتقل سريعًا من إدارة التوازنات إلى فرض مسار حقيقي للإصلاح تدريجيًا، بدءًا من حكومته، ولو بقطاع واحد؛ وأن يتواصل مع الناس مباشرة، وأن يتمتع بجرأة الصراحة والصدق معهم، وهو أهل لها، فيُسمّي الأسماء بمسمّياتها، ويضع خارطة طريق علنية للمحاسبة

من هنا، يصبح مفهومًا كيف تحوّل نواف سلام من “رجل قانون آتٍ من خارج المنظومة” إلى هدف لحملات منظمة. فالرجل الذي تعهّد بالإصلاح ويتمتع بدعم دولي وعربي واضح، لا يمكن أن يُواجَه في العلن فقط، بل يجب محاصرته من الداخل، من عقر داره، أي من مجلس الوزراء نفسه.

فبعد أن صمد في وجه حملات التخوين المرتبطة بملف حصر السلاح، عادت المنظومة بأدواتها الإعلامية والجماهيرية لتضرب في نقطة يعرف اللبنانيون ضعفهم أمامها: الزعامة. فجأة صار النقاش في “الكاريزما” و”الهيبة” و”الإحباط”، بدل النقاش في المؤسسات، وكأن الاستعراض الجماهيري والعاطفي هو من يُحصّل للناس حقوقهم، وليس القدرة على نقل البلد من الدولة الريعية إلى دولة القانون.

كان تعيين غراسيا القزي، برغم الجدل القائم حولها، أول اختبار سياسي حقيقي لسلام. وهو لم يقبل فقط بالتعيين، بل دافع عن القرار الذي فُرض ضمن ما يُعرف بتوازنات الدولة، فدفع ثمن صورته. مرّت القضية، لكن الرسالة كانت واضحة. ثم تحرّك الشارع في ملف المتقاعدين وزيادة الرواتب والتعويضات، وهو ملف محقّ في جوهره، لكن توقيته وسياقه لم يكونا بريئين. رضخ سلام تحت ضغط الشارع، فجاء قرار زيادة الضرائب. وهنا ليست المشكلة في مبدأ الزيادة بحد ذاته، بل في غياب أي مسار متزامن للمحاسبة أو الهيكلة.

عامٌ كاملٌ من عمر الحكومة كان كافيًا لوضع خطة علنية لإعادة هيكلة القطاع العام، ولو تدريجيًا. صحيح أن سلام ليس مسؤولًا عن شبكة التنفيعات التي بنتها المنظومة منذ العام 1990 حتى الآن، لكنه يتحمّل اليوم مسؤولية عدم تحويل الإصلاح إلى خارطة طريق واضحة، ولو في قطاع واحد.

اليوم يُنظر إلى نوّاف سلام على أنه إما عاجز أو متواطئ، وهذه أخطر نتيجة سياسية. تمّ استدراج سلام إلى ملعب المنظومة بنجاح، وأعتقد أنه يعلم جيدًا أيّ مخاض ينتظره عند تشكيل الحكومة. اهتزّت صورة “رجل الإصلاح”.

وعليه، إذا أراد نواف سلام أن يبقى فرصة للبلد أولًا، لا مجرّد مرحلة انتقالية تعيد تعويم من سبقه ومن يريد أن يخلفه، فعليه أن ينتقل سريعًا من إدارة التوازنات إلى فرض مسار حقيقي للإصلاح تدريجيًا، بدءًا من حكومته، ولو بقطاع واحد؛ وأن يتواصل مع الناس مباشرة، وأن يتمتع بجرأة الصراحة والصدق معهم، وهو أهل لها، فيُسمّي الأسماء بمسمّياتها، ويضع خارطة طريق علنية للمحاسبة.

إن المنظومة التي عطّلت الدولة منذ ثلاثة عقود لن “تتقاعد” طوعًا. ستفاوض، وستماطل، وستشيطن على حساب الناس والبلد من أجل البقاء.

لا يستطيع سلام مواجهة أركان المنظومة دفعة واحدة، لكنه حتمًا يستطيع سحب وظائفهم وصلاحياتهم الواحدة تلو الأخرى، دون التحوّل إلى جزء من لعبة البقاء نفسها. خلافًا لذلك، سيبقى لبنان ساحة للخارج والداخل، وتبقى الدولة مؤجَّلة إلى أجل غير مسمّى.

فماذا يريد أن يختار نوّاف سلام؟

(*) راجع مقالة الكاتبة بعنوان: إلى نواف سلام.. معركة الدولة لا تُخاض بأدوات المنظومة

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  منع الرحلات الإيرانية إلى بيروت.. هل يُؤثّر على التوافق السياسي الهشّ؟
حياة الحريري

أكاديمية وباحثة سياسية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  جزّ صوف الكِباش خيرٌ من سلخِ جلودِ الحملان