العفو العام في لبنان: حين يصبح الاستثناء بديلاً من القانون

في لبنان لا يظهر العفو العام كاستثناء قانوني، بل كدليل على خلل أعمق في طريقة عمل الدولة نفسها. فهي دولة لا تُنتج العدالة بوصفها قانوناً عاماً نافذاً، بل كصفقة سياسية تُعاد صياغتها كل مرة تحت ضغط التوازنات. وما يُطرح بوصفه حلاً إنسانياً للاكتظاظ أو التعطّل القضائي، يكشف في العمق نظاماً تصبح فيه العدالة قابلة للتجزئة والتأجيل والتفاوض، حتى تفقد معناها كمعيار ملزم.

ففي السياق الذي يتكرر فيه النقاش حول العفو، لا يكون السؤال في جوهره: هل ينبغي إصدار العفو أم لا؟ بل ما طبيعة الدولة التي تجعل من العفو أداة دورية لإعادة إنتاج الاستقرار؟ وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى مفهوم العدالة حين يتحول من قاعدة معيارية إلى نتيجة تفاوض مستمر؟

في دولة العدالة يُفترض أن يمثل القانون معياراً عاماً يعلو فوق الانقسامات الاجتماعية والسياسية. لكن في الحالة اللبنانية، يتراجع هذا الافتراض لصالح نموذج آخر أكثر تعقيداً: الدولة بوصفها مساحة لإدارة التوازن بين جماعات سياسية وطائفية متنافسة، لا جهة تنتج معياراً مستقلاً عنها.

هذا التحول ليس ظرفياً، بل هو تحول بنيوي في طريقة تشكل النظام السياسي. فالقوانين لا تُصاغ هنا بوصفها تعبيراً عن إرادة معيارية موحدة، بل كتسويات دقيقة بين اعتبارات متعارضة تسعى إلى منع الانفجار داخل النظام. ومن هنا يصبح العفو العام امتداداً منطقياً لهذا النمط من الحكم. فهو لا يظهر كقرار استثنائي يُتخذ في لحظة اضطراب، بل كآلية دورية لإعادة ضبط التوازنات السياسية والاجتماعية. وتتحول السلطة التشريعية من جهة تنتج قواعد ملزمة إلى جهة تعيد توزيع الاستثناءات بما يضمن استمرار النظام، فيصبح الاستثناء جزءاً من بنية الدولة نفسها.

ولا يدور النقاش حول العفو فقط حول نصوص أو مواد قانونية، بل حول صياغة مفهوم العدالة ذاته. فحين تُستبدل العدالة بالإنصاف، يتغير معيار الحكم من قاعدة ثابتة إلى تقدير ظرفي. وحين تُستبدل القضية بالملف، تتحول العدالة إلى وحدة إدارية قابلة للتجزئة والتسوية. وحين يُستبدل الحق بالمظلومية، تنتقل المرجعية من الفرد إلى الجماعة. وحين يُستبدل مفهوم المحاسبة بفكرة الحل، تصبح الغاية إدارة التوتر بدل إنتاج الحكم.

هذه التحولات ليست لغوية في ظاهرها فقط، بل معرفية في جوهرها. وهكذا لا يصبح الخلاف حول العفو خلافاً قانونياً فحسب، بل خلافاً على المعجم الذي يُنتج القانون نفسه.

في النقاش حول العفو العام يمكن تمييز ثلاث مقاربات كبرى لا تختلف فقط في الموقف السياسي، بل في تصورها للعلاقة بين الدولة والقانون والمجتمع. ومع ذلك، فإنها جميعاً تشترك في نتيجة واحدة: إعادة إنتاج هشاشة مفهوم العدالة.

المقاربة الأولى: العدالة بوصفها إدارة للأزمة

تبدو هذه المقاربة في ظاهرها الأكثر واقعية، إذ تنطلق من اعتبارات تقنية تتعلق باكتظاظ السجون، وبطء القضاء، وارتفاع الكلفة الاجتماعية للاحتجاز الطويل. ومن هذا المنطلق يُقدَّم العفو العام كأداة لتصحيح اختلالات النظام.

ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في ملفات التوقيف الطويل من دون أحكام نهائية، حيث يبقى عدد كبير من الموقوفين سنوات في السجون بانتظار المحاكمة، في ظل بطء قضائي مزمن وتعقيدات إجرائية متراكمة. هذا الواقع لا ينتج فقط ضغطاً إنسانياً، بل يحوّل السجن نفسه إلى بديل عملي عن الحكم، ويجعل الزمن القضائي عنصراً خارج قدرة العدالة على التحكم به.

عند هذه النقطة، يصبح العفو العام بالنسبة إلى كثيرين محاولة لتصحيح خلل بنيوي تعجز المؤسسة القضائية عن معالجته ضمن أدواتها الطبيعية. لكنه، في الوقت نفسه، يتحول من استثناء محدود إلى آلية تعويض متكررة عن غياب الإصلاح القضائي البنيوي، فتكتفي الدولة بإدارة عيوب النظام بدل معالجتها.

المقاربة الثانية: العدالة بوصفها اعترافاً جماعياً

تغادر هذه المقاربة الإطار القانوني لتصبح جزءاً من منطق تمثيلي لهويات متنافسة. فالعدالة هنا لا تُفهم بوصفها علاقة بين الفرد والدولة، بل كعلاقة بين جماعات تسعى إلى الاعتراف والشرعية.

وتتحول مفردات مثل “الظلم التاريخي” و”الاستهداف” و”الكرامة الجماعية” إلى أدوات تفسير أساسية تُعاد عبرها صياغة الوقائع القانونية نفسها. ويتراجع القضاء بوصفه مؤسسة محايدة، ليُعاد تأويله كامتداد لتوازنات القوة بين الجماعات.

وعندئذٍ يصبح العفو العام ليس تسوية قانونية، بل إعادة توزيع رمزي للاعتراف داخل نظام سياسي قائم على التعدد المتنازع عليه.

المقاربة الثالثة: العدالة بوصفها تعبيراً عن موازين القوة

ترى هذه المقاربة أن البنية المؤسسية برمتها خاضعة للتسييس: القضاء، والقانون، وحتى محاولات الإصلاح نفسها. وفي هذا المنظور لا توجد مؤسسات محايدة بالكامل، بل شبكات نفوذ تعيد إنتاج نفسها داخل كل قرار.

وما يجمع هذه المقاربات الثلاث ليس اختلافها بقدر ما هو اشتراكها في تحويل اللغة إلى ساحة الصراع الأساسية. ولذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس حول القرار نفسه، بل حول المعجم الذي ينتج القرار.

ومن هنا لا يمكن فهم العفو العام بوصفه سياسة جزئية، بل بوصفه اختباراً لنموذج الدولة نفسه: هل الدولة قادرة على إنتاج معيار قانوني يتجاوز توازناتها الداخلية؟ أم أنها مجرد آلية لإدارة هذه التوازنات عبر إعادة توزيع الاستثناءات؟

فالعفو العام لا يكشف فقط أزمة في السياسات الجنائية أو في الإصلاح القضائي المؤجل، بل يكشف تحوّلاً أعمق في بنية الدولة. فحين تصبح العدالة قابلة للتفاوض، تتحول الدولة إلى مساحة تفاوض مستمر حول معنى القانون نفسه.

إقرأ على موقع 180  "الأرثوذكسية السياسية".. أحلام موؤودة وزعامة مفقودة

وحين يتحول ملف قانوني مثل العفو العام إلى ساحة تتقاطع فيها الهوية مع الانتماء، والتشريع مع التوازنات السياسية والاجتماعية، يتراجع مفهوم الإرادة العامة لمصلحة منطق التسوية الدائمة. ويغدو القانون جزءاً من شبكة معقدة من التأويلات السياسية والاجتماعية والأخلاقية، فيما تتحول المرجعيات السياسية والدينية والاجتماعية إلى شركاء فعليين في إنتاج معنى العدالة، لا مجرد مخاطبين لها.

وهكذا لا يعود العفو العام مجرد نص قانوني قيد النقاش، بل مرآة تكشف الطريقة التي تُدار بها الدولة نفسها. فبدل أن يُطرح كاستثناء محدد ضمن نظام قانوني مكتمل، يظهر كآلية متكررة لتعويض عجز بنيوي في العدالة: بطء القضاء، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتراكم الملفات التي تتجاوز قدرة النظام على الحسم.

في هذه اللحظة يصبح العفو، في جوهره، ليس استثناءً من القانون، بل بديلاً عنه في لحظات العجز المؤسسي. فالقوى السياسية تعيد ترجمة القانون إلى تسوية، والمرجعيات الدينية تعيد تأويله عبر منطق الجماعة والإنصاف الرمزي، فيما تتعامل النخب الاجتماعية مع الاستثناء بوصفه أداة عملية لتجاوز انسداد مزمن. وليس ذلك نتيجة قرار مباشر بقدر ما هو حصيلة تراكم طويل لنظام سياسي باتت فيه معالجة العدالة أصعب من إدارة غيابها.

لا تكمن المشكلة في العفو العام بحد ذاته، بل في تحوّله إلى أداة اعتيادية لمعالجة أعطال يفترض أن تعالجها مؤسسات الدولة. فحين يصبح الاستثناء حلاً متكرراً، يفقد صفته الاستثنائية، ويتحوّل إلى جزء من طريقة الحكم نفسها.

عندها لا يعود السؤال: هل نحتاج إلى عفو عام أم لا؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف وصلت الدولة إلى مرحلة باتت فيها التسوية أسهل من العدالة، وإدارة الخلل أسهل من إصلاحه؟

إنّ الدولة التي تحتاج بصورة دورية إلى تعليق أثر القانون كي تستمر، هي دولة تواجه أزمة في قدرتها على إنتاج القانون بوصفه قاعدة عامة ونافذة. ومن هنا لا يبدأ الإصلاح من العفو أو من رفضه، بل من استعادة الثقة بأن العدالة يمكن أن تكون قاعدة دائمة لا استثناءً مؤجلاً، وأن القانون قادر على أن يكون مرجعية حقيقية للحياة العامة، لا مجرد أداة لإدارة تعثرها.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الانتقال من طور الصهيونية إلى طور "الصهيونية الجديدة"