المقارنة مع رؤساء سابقين لا تأتي على معظم الأصعدة لمصلحة دونالد ترامب، والانقسام الذي أحدثه في المجتمع الأمريكيّ حول أفعاله يبدو فريدًا غير مَسبوق. لا مفرَّ من القول بأن أهلَ الحنكة والكفاءة يتوارون عن المشهد العام هنا وهناك؛ يحلُّ محلَّهم آخرون فقيرو المُقومات، مَعدومو المهارة، يتوزعون على المناصِب العليا دون استحياء، ويتربعون على العروش بغير استحقاق، ويخنقون الأنفاس بزلَّاتهم وحماقاتهم؛ ولا أصْدَق في وصف الأوضاع الراهنة من المثل الشعبيّ الذي يقول: “الأنصاص قامت.. والقوالب نامت“.
***
ترمُز القوالبُ للاكتمال والتمام بينما الأنصافُ تعكسُ النُقصان؛ فإذا انتكست الأولى وتغلَّبت الثانية وصارت لها السّيادةُ والقيادة؛ تدهوَرت الأحوالُ وساءت المُقدَّرات. مِن المُدهش أن نظريات التطوُّر وما حملت من مفاهيم واصطلاحات تتعلق بالتقدُّم والارتقاء؛ قد طرحت منذ زمَن فكرة “البقاء للأقوى” ثم إذا بها تتحوَّل لاحقًا للتأكيد على أن “البقاءَ للأصلح“؛ وذاك لا جدال مبدأ أدقّ وأشمل؛ لكن هذه النظريَّاتِ والفرضيَّاتِ على مرّ العصور واختلاف الأزمان، لم تذكر أن الأدنى قامة، والأقل معرفةً وحِكمةً ورزانة، والأكثر رعونةً وغوغائية؛ هو الأقدر على البقاء. تلك مُعضلةٌ جديدة لا يُرجى لها حلٌّ سوى أن يهويَ الرديءُ من عليائه المزيفة؛ فتعود الحياةُ إلى نقطة الاتزان.
***
كثيرًا ما سَمِعت من جدَّتي أمثولةً طريفةً تقول: “ما يقعد ع المَداوِد إلا شرّ البقر“. المَداوِد جمع مدود، وهو المكان الذي يُعقَد رباط المواشي حوله، والمراد أن أطيبها وأكثرها أصالة وقدرة على التحمُّل؛ يغادر موضعه لينخرط في العمل، فيحرثُ الأرضَ وينقل العلفَ والتّبن، ويدور بالسَّاقية دون كللٍ أو مَلل، أما الذي يرفضُ القيامَ بالمهام الشاقة أو تكون حركتُه بطيئة مُتكاسِلة أو مُتعثرة؛ فيبقى في مكانه مُستقرًا هانئًا، يرعى ويأكل من نصيبِه وأنصبةِ الآخرين؛ ويعيش مدةً أطول بغير أن تأتيَ من ورائه فائدة.
***
في ثقافتنا العامَّة ما يشير دومًا إلى أن الطيبين يرحلون سريعًا؛ كأنهم لا يحتملون قسوةَ الحياة وعنفَ اختباراتِها، كأن مكانهم في عالم أنقى وأرحَب، وفي هذا الإطار يؤمن عديد الناس بأن الموتَ يخطف باستمرار الأفضل، بينما يُواصِل الطريقَ من هم أقل صلاحًا وأعتم ضميرًا، فإن مات عزيز لديهم؛ واسوا أنفسهم بأنه بات في مكانة سامية، وبأنه سينال ما تأجل في حياته من جوائز.
***
يعرف المُتمرّسون أن البيضةَ فاسدةٌ عبر اختبار بسيط، يمكن إيجازه في المثل القائل: “ما يعوم على وِشّ المَيه إلا البيض المِمَشش“، والقولة بمنزلة حقيقة علمية مثبتة؛ فالبيض متى فَسَد تغيَّرت خواصُّه؛ تعطَّنت رائحتُه وسال قوامُه، وربما اختلطت مكوناتُه المُنفصِلة وتداخَلت. يحدث أيضًا أن يخفَّ وزنه فتتمكن المياه من حمله إلى سطحها، ويعاف عن طهوه الناس. طفو البَيضة يعني ببساطة أن تُترَكَ فلا يأكلها أحد؛ وقد جرى العرف على أن نستخدمَ هذا المثلَ في أحاديثنا كمجاز؛ فندلل به على الشَّخص الفاسد الذي يظهر بوضوح لكل ذي نظر، يفضحه باطنه ويكشفه على الملأ، دون حاجة إلى بَحثٍ وفَحصٍ أو تنقيب، يمارس دوره دون أن يحتجب ويبقى في مكانه دون مَساس.
***
بين الحين والآخر تتنحى نخبٌ حاكمِةٌ عن مواقعِها، وتتولَّى أخرى الزمامَ؛ ولا تنفك تثبت في كثير الأوقات أنها أقلّ حِرفيةً وجدارة من سابقاتها على مُختلف المُستويات؛ بدءًا من دبج التصريحات وإلقاء الخطاباتِ، وصولًا إلى اتخاذ القرارات وتعيين سبل تنفيذها. ليس المشهد إلا تكرارًا مُزعجًا لما حفل به التاريخ وقائع وأحداث وما سجَّله التراث، هو أيضًا تأكيد على قاعدة شبه ثابتة ومُستقرة، توافق عليها الحكام والمحكومون منذ أمد بعيد؛ إذ يحوز البلداءُ مَواقع رفيعة مؤثرة؛ لا سيما مع تمتعهم بحيلة واسِعة تكفل لهم المناورة لا المواجهة، والتنصُّل من الأزمات لا حلها.
***
سكت الناسُ عن الرديء لأنهم حين تمردوا جاءهم الأردأ والأدنى، وما انفك لسان الحال يقول: “رضينا بالهمّ والهمّ مش راضي بينا”، والحق أن سؤالا محوريًا لا يفتأ يتجدد في الأذهان بشأن عملية الانتقاء: لماذا يُستبعَد الممتاز بينما يُنتقَى المتوسط أو الضعيف؟ الإجابة حاضرة؛ لكنها ما ذكرت استجلبت الشجون وأثارت المشكلات. على كلٍ؛ جرى العرف بأن ينحوَ صاحب الكلمة العليا، المُحِبّ لذاته، العارف بمحدودية قدراته؛ إلى اصطفاء حاشية لا تفوقه ولا تتفوق عليه في أيّ مضمار؛ يأمن على مكانته في حضورها، ويظهر في وجودها عظيمًا مختالًا.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
(**) اللوحات للفنان اللبناني التشكيلي أسامة بعلبكي
