يعكس مصطلح “الطبقة” عدة خصائص، على رأسها الوضع الاقتصادي للفرد، أما المصطلحات والتعبيرات الأخرى من قبيل “المرتبة” و”الدرجة” و”المقام”، فلها دلالة إضافية على مكانة معنوية، تسهم في تأسيسها عوامل ومؤشرات أكثر تعددًا ووجاهة من حجم الثروة. وعلى سبيل المثال، فإن اكتساب المعارف المتقدمة يمنح المرء مرتبة رفيعة متفردة، لكنه لا يضمّه بالضرورة إلى الطبقات الاجتماعية العليا ذات الوفرة. ويمكن القول مثلًا إن العظيمين طه حسين وعباس محمود العقاد قد احتلا مرتبة شماء في تاريخ الفكر، لم ترتبط بحسب أو نسب، ولا بأملاك أو أموال، إنما بما أنتجا من أعمال ثقافية كبرى أضاءت دروبًا كانت من قبلهما مظلمة. وإذ يُوصف كل منهما بأنه قامة عالية، فذلك علامة على الجوهر الإنساني النبيل: عقل سامق، إرادة صلبة، إبداع متفوق، وعزم لا يلين.
***
في معرض التفرقة بين البشر يُقال: “الناس مقامات“. المقام هو الموضع الذي يطول بقاء المرء فيه وينعم بالاستقرار، وهو أيضًا انعكاس لتقدير المجتمع له ودليل على ما يتمتع به من ميزات وسط الآخرين. بعض الأشخاص يحظون بوافر الاحترام والتقدير، وبعض آخر لا ينال في طريقه سوى إيماءات التحقير والازدراء، وبين هذا وذاك طيف واسع يتوزع عليه الناس.
***
إذا تدنّى السياق عن المتوقع أو تورّط المتحدث في تجاوز جارح للحاضرين، فثمّة استدراك شهير يوجهه لمن يتوقع إصابته بضرر، يومئ برأسه قائلًا: “مقامك محفوظ“. حفظ المقام يعني أن شيئًا لم ينل منه، وأن الموقف وإن بدا مهينًا، فللشخص المقصود هيبته الراسخة الأكيدة.
***
التقيتُ وبعض الصديقات خلال شهر رمضان الماضي. تتابع وصولهن، فيما تأخرت واحدة على غير عادتها، وحين هلت من بعيد أثار حضورها ضجة غامرة؛ إذ ارتدت عباءة مطرزة تبدو مرتفعة الثمن، لا تتماشى مع شكواها من الظرف الاقتصادي العصيب الذي يمر به أغلب الناس. مازحتها إحدى الجالسات سائلة عن مصدر زيّها اللافت، وما إذا كان ملكًا لها أو استأجرته في محاولة لإثارة الإعجاب. ضحكت الصديقة معلنة أنها ابتاعته بسعر زهيد من أحد المحال، وذكرت الاسم والعنوان، ثم أتبعت الوصفة بسخرية مريرة: “صحيح؛ الكحكة في إيد اليتيم عَجَبة“. مسّ المثل الشهير وجيعة عامة شاملة؛ فاليتم المجازي قد ألقى بظلاله على الجميع، وصارت الكحكة من عجائب الواقع المعاش. وقد تصاعدت الأسعار بما أعجز الغالبية العظمى من المواطنين عن الشراء، فاكتفوا ببضعة جرامات رمزية تستبقي الطقس المحبب، وتذكّر في الوقت ذاته بما آلت إليه الأوضاع. على كل حال، اليتيم في الصورة الذهنية المعتادة محروم من ملذات يتمتع بها غيره، أما المعنى المتوارى فذاك أن لكل شخص مساحة محددة يُسمح له بالتحرك ضمنها؛ فإن تجاوزها بأي فعل مغاير، تعالت الأصوات الممتعضة المستريبة.
***
إذا تبدلت أحوال امرئ فانقشعت الغيوم من أفقه، وتحسنت ظروفه بشكل ملحوظ، وانفرج ضيقه، قيل: “كان في جرة وطلع لبره“. تحمل الأمثولة إيحاءً قويًا بالتحلل من الضوابط الحاكمة للسلوك، رغم أنها لا تجهر به. والانطباع الذي تتركه العبارة في الذهن لا يبدو، للحق، بريئًا؛ فالتغيرات الكبرى كثيرًا ما تصحبها مفاسد، والخروج من حدود ضيقة إلى براح ووسع قد يفتن المرء ويفقده اتزانه.
***
بعض المرات يجد المرء نفسه في بيئة لا تشبهه؛ يراه الناس وينتقدون اقتحامه لبيئة لا تناسبه ولا تتواءم معه. على كل حال، يتغامز من استفزهم المشهد ويتلامزون، ويقفز من أفواههم السؤال اللاذع: “إيش جابك يا صعلوك بين الملوك؟”. الصعلوك لا يرقى، في عرف المجتمع، إلى مستوى الوجهاء أصحاب النفوذ والسلطة، وإذا اندس بينهم فذلك خطأ لا بد من إصلاحه. بعيدًا عن الاستخدامات الحديثة، فإن الصعاليك هم طائفة من الشعراء اشتهر أفرادها بالسطو والإغارة على القبائل، ومنهم عروة بن الورد وتأبط شرًا. والحق أننا نتداول المفردة في كلامنا كمزحة طريفة دون أن نعير لأصلها المخزي انتباهًا.
***
“امتى طلعت القصر؟ قال امبارح العصر“، والقولة تقليل من شأن من ارتقى في السلم الاجتماعي حديثًا ولم يكن ذا أصل عريق معروف. إذا كان المرء مستجدًا على القصر، عايره الناس، والتعبير المكافئ في العربية الفصحى هو أنه “مُحدِث نعمة”، أي صار في وفرة عن قريب، لم يولد فيها ولم يتمتع بها ذووه. وهو في هذا على النقيض من الشخص المولود “وفي فمه ملعقة ذهب“، كناية عن تمتعه بمباهج الثروة منذ البداية. وعلى الجانب الآخر يأتي المأثور الذي يقول: “كلنا ولاد تسعة“، والقصد أن البشر متساوون حتى لحظة الولادة؛ جميعهم، أو للدقة معظمهم، يمكث في رحم أمه تسعة أشهر حتى يكتمل نموه الطبيعي، لا تزداد المدة تبعًا للجاه أو الوفرة.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
