لبنان: تخادم متبادل بين السلاح.. والسلطة!

ما أن أصيبت المقاومة بنكسة كبيرة في أيلول/سبتمبر 2024، ثم على مدى 15 شهراً تلت توقيع اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حتى صار "الخيار الإسرائيلي" في لبنان له سرديته ومن يدافع عنه في السياسة والإعلام، بعدما ترسخت طويلاً فكرة أن هذا "الخيار" هُزِمَ لبنانياً في لحظة إقرار اتفاق الطائف.

هناك من يُريد بأقرب فرصة انهاء العداء والمقاطعة وتعديل كتب التربية والتاريخ و”تبليع” اللبنانيين فكرة إسرائيل “الجارة” وانتهاء صلاحية سردية المقاومة الحامية للبنان. هذا المناخ جعل حكومة نواف سلام تتخذ سلسلة قرارات تهدف إلى تجريد حزب الله من سلاحه وتحويله إلى جماعة “مارقة” محظورة الأنشطة العسكرية والأمنية لا بل خارجة عن القانون.

في الرابع عشر من نيسان/أبريل الماضي، تماهى “الفريق الإسرائيلي” مع أولى جولات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، واتخذ من انخراط حزب الله في الحرب الإقليمية إلى جانب إيران، اعتباراً من الثاني من آذار/مارس الماضي، ذريعة للقول إن لبنان مستعد لكل ما من شأنه وقف تلك الحرب، فيما أراد حزب الله أن يكون لبنان جزءاً لا يتجزأ من المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، حتى يتمكن من وقف الحرب والاغتيالات وفرض جدول انسحاب إسرائيلي من المناطق المحتلة في الجنوب اللبناني.

ومنذ ستة أسابيع لم يترك حزب الله مناسبة إلا وأطلق من خلالها النار على المفاوضات المباشرة، رافضاً الاعتراف بمخرجاتها، مطالباً السلطة اللبنانية بالكف عن تقديم الهدايا المجانية للعدو، والعودة عن قراراتها التي تمس بالعمل المقاوم. كما دعاها إلى اعتماد التفاوض العسكري غير المباشر المنصوص عليه في اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

في ظل الانقسام الحاد الذي يشهده لبنان، ثمة تخادم متبادل غير مقصود بين حزب الله والحكومة اللبنانية. كيف؟

التخادم الأول: إطلاق الصواريخ الستة، أتاح الفرصة لرئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام، لتقديم عرض التفاوض المباشر عن طريق الولايات المتحدة، على اعتبار أن الحزب تجاوز السلطة اللبنانية، وعاد إلى سيرته الأولى بحسبهم، لجهة التحكم بقرار السلم والحرب، على غرار حرب إسناد غزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وقبلها بـ17عاماً، عملية أسر جنديين إسرائيليين عام 2006 (عملية خلة وردة في عيتا الشعب)، شرارة “حرب لبنان الثانية”..

التخادم الثاني: لم يتجاوب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، مع دعوات الحكومة اللبنانية للتفاوض المباشر، إلا بعدما أيقن بأن القضاء على المقاومة بالقوة أمر بعيد المنال، لا سيما بعدما صرّح رئيس أركانه، إيال زامير، “أن نزع سلاح الحزب يحتاج منّا اجتياح كل لبنان”. يعني ذلك، أن صمود الحزب في الميدان، أسدى الخدمة الثانية للحكومة اللبنانية، ودفع بالعدو للقبول بالتفاوض معها، في الوقت الذي جرّمت فيه هي أعمال المقاومة. ولو تسنّى لنتنياهو القضاء على حزب الله، لِمَ كان سيلجأ إلى التفاوض؟

التخادم الثالث بين حزب الله والحكومة اللبنانية، تمثّل بنجاح مسار إسلام آباد الأميركي الإيراني في تحييد مدينة بيروت وضاحيتها الجنوبية من الاستهداف الإسرائيلي بعد “الأربعاء الأسود” الذي شهدته العاصمة اللبنانية في الثامن من نيسان/أبريل الماضي. في الوقت الذي ادعت فيه الحكومة اللبنانية بأن هذا الإنجاز يُحسب لها، كونه من مخرجات “مفاوضات واشنطن”!

أما الخدمة الوحيدة التي قدمتها الحكومة اللبنانية للحزب، فقد تمثلت بابتعادها عنه، في محاولة منها لتحييد المنشآت والمؤسسات العامة، وربما التباين مطلوب بين السلطة اللبنانية والحزب، من أجل التحييد المذكور، لكن أن لا يصل هذا التباين إلى حالة الخصومة، فهذا ليس مطلوباً، وحسناً فعل قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل بأن أعطى تعليمات صارمة للوفد العسكري اللبناني المشارك في اجتماعات البنتاغون المقررة غداً، بعدم الانخراط في أية صيغة تنسيقية وترتيبات أمنية قبل انجاز وقف النار والانسحاب الإسرائيلي. بهذا الموقف نجحت المؤسسة العسكرية في أن تستمر صمّام أمان بدل وضعها في مواجهة المقاومة، وبالتالي أخذ البلد نحو الصدام المباشر.

وللمناسبة، لا يضير حزب الله التباين المحدود بينه وبين الدولة، إذا ما جنّب ذلك حرباً على الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ولنتذكر أن أمين عام الحزب الأسبق، الشهيد السيد حسن نصرالله، كان يقبل بأن يتحمل الحزب وبيئته هذا الوزر مهما بلغت التضحيات.

في المحصلة، لا المقاومة قادرة على الحسم، ولا التفاوض المباشر سيأتي بوقف النار وجدول الانسحاب، وكل ما نحتاج إليه كلبنانيين، تخادم وتنسيق بين السلطة والمقاومة، ومناورات في الميدان، ومثلها في حقل التفاوض.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  لبنان يُشيّع إلى مثواه الأخير
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  في غزة.. المُقيمة بدمائها