في تناقضات.. الذات

أثناء لقاءٍ دوريّ لطيف؛ أطلعتني صديقة مُحبَّة للعمل اليدويّ على بعض منتجاتها: أغراض بسيطة للمناسبات الشخصية والأعياد. حافظات صغيرة من القماش السّميك، سلاسل مفاتيح، أكواب ودفاتر؛ فيها ما يحمل أيقونات الميلاد ورمضان وشمّ النسيم وعيد الأضحى، وفيها أيضًا ما هو مزدان بعبارات ساخرة ورسوم خفيفة الظل.

العادة أن ترى العينُ الصورةَ قبل الكلمة وأن تلحظ اللونَ قبل تفصيلات النقش، وقد انتقيت رسمة مبهجة جذبت انتباهي ثم التفت إلى المكتوب فإذا به: “قد أقول شيئًا وأفعل شيئًا آخر.. لماذا؟ لأنه براحتي“. توقفت لحظة ثم طلبت أن أقتنيها إذ مسَّت في نفسي أمرًا. رأيتها – برغم الضحكة التي أفلتت مني- توصيفًا صادقًا للواقع المخزي الذي نعيش؛ واقع مَحكوم برطانة لغوية جوفاء وكثيفة، عبارات رنانة صارخة؛ لا ترتبط بالأفعال بل تعاكسها جملة وتفصيلًا، ولا يؤاخذ قائلها بما أنتج من تناقض؛ بل يُمجَّد ويُثاب.

***

تتخلل التناقضات الجمَّة حيواتنا فتجعلها أشبه بمزحة، وكثيرًا ما تحرمنا القدرة على بناء معنى متماسك ومُتسق الأركان. نرى بأعيننا علامات البذخ الهائل في مضارب متنوعة من الرفاهة والمظهرية؛ وفي المقابل نسمع ادعاءات الفقر والاحتياج. نتابع التنازل عن أجزاء من الأرض؛ وعلى الجانب الآخر نتلقى أناشيد الوطنية التي تمجد التراب وتؤكد الدفاع عنه حتى الرمق الأخير. نكتوي بتبعات الاستدانة والاقتراض؛ وفي الوقت ذاته ننصت إلى خطاب أجوف متنه التفوق والأفضلية. مصدر التناقض واحد، حاضنٌ للشيء وضده، قادر على إنتاج كمية هائلة من الزيف، لا يعطي الكلمة وزنها ولا يعي أثرها.

    ***

يقع أغلبنا في تناقضات ذاتية متعددة؛ مردُّها الرئيس غياب القدرة على النظر في المرآة، وقد جرت العادة بأن ننتقد سلوكيات الآخرين ولا نفطن لكوننا نفعل مثلهم؛ نرميهم بالنقصان ولا نرى في أنفسنا سوى الكمال. تناقضاتنا مفضوحة لا تتوارى أو تتجمل في أغلب الأحايين؛ حتى ليشيع على ألسنتنا ذاك المثل الشعبيّ البليغ: “أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك أستعجب“. بعض الكلام يبدو لفرط إحكامه حقيقة، بينما الحقيقة الملموسة المجردة من المنطوق؛ عكسية أو مغايرة.

***

من تناقضات البشر ما هو صارخ؛ تجسده الحكمةُ الشهيرة: “اللي تحسبه موسى يطلع فرعون“. موسى في الموروث الديني هو الطرف الصالح، أما فرعون فتجسيد للجبروت والطغيان. المحكوم في غالب الأحوال مستضعف والسلطة في ضوء استسلامه باطشة مستأسدة. نسبة لا بأس بها من الناخبين يدفعها حسن الظن بمرشح إلى التصويت له، وإذا بها تفاجأ لاحقًا بما لم يكن في الحسبان؛ تصطدم بكلمات الودّ وقد استحالت عنفًا وعدوانية، وبوعود الوفرة والرخاء وقد انقلبت إلى بؤس وشقاء وسُخرة، ترى عهودَ الرفعة والسيادة وقد باتت في خبر كان، وتدرك أن الأفق المفتوح قد أصابه السَّدد. لكل واقعة عبرة نافعة، ولكل درس خلاصة وفائدة.

***

تثبت الطبيعة مرارًا وتكرارًا أنها عَصِيَّة على الترويض، متجاوزة بعنفوانها وثوراتها أدوات العلم الحديث ومنجزاته، والحال أنها كثيرًا ما تربك الخطط وتعقد المسارات المقررة، وفي أفعالها المتضادة المتنافرة يمكن الاستعانة بالأمثولة الراسخة: “الاسم طوبة والفعل أمشير“. يشير كلٌّ من طوبة وأمشير في التقويم المصري القديم إلى شهريّ يناير وفبراير (كانون الثاني وشباط) الميلاديين على التوالي؛ الأول قارس البرودة والثاني حافل بالرياح والزعابيب، ولإن تداخلت الأوصاف واقترض أحدهما من الآخر بعض سماته، وبدّلَ خصاله التي عُرِفَ بها واشتهر على مرّ الحقاب؛ لاستحق عن جدارة أمثولات التعجُّب والاستنكار.

***

إذا أبدى الواحد ما تيسَّر من اللطف والظرف والبشاشة في وجه آخر، وأغدق عليه من حسن النوايا وأفاض الود، ثم تحدث في غيابه بما يسوء؛ تكشفت حقيقته على عكس ما أظهر، وبان معدنه الصدئ المتآكل، وهجاه المخدوع بالمقولة الأثيرة: “في الوش مراية وفي القفا سلاية“. المرآة لمعان وصفاء وصدق؛ لا تضيف إلى الواقع شيئًا ولا تبخسه أيضًا ميزاته، أما السّلاية فهي الشوكة في الظهر، تؤرق الواحد وتحرمه السكينة، ولا شك أن التناقض في هذه الحال مؤذ ومخيف، يربك من يتعرض له ويورثه الحيرة، وقد ينقض دعائم الثقة التي بناها في الآخر ويذهب بها أدراج الرياح.

***

بعض المرات يحمل الشخص في ذاته وتصرفاته تناقضات فادحة لا معقولة، يدهش لها الناس ويستعصي عليهم التعامل معها أو حتى قبولها، وقد رأينا من عجائب الخطاب والأفعال في هذا الإطار ما يضحك وما يبكي، ووقفنا ذاهلين أمام سلوك أقل ما يوصف به أنه غير سوي؛ مفتقر إلى أدنى درجات التناسق. الأمثلة الدالة كثيرة، ولا أوضح هنا من مسلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يدلي بالتصريح وعكسه، ويُدوّن العبارة ونقيضتها، يؤكد ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول، والحال أنه يدعم أعمال القتل والإبادة والتنكيل، في حين يدعي السعي نحو تحقيق السلام ويتباكى على وقوع ضحايا ويطلب الجوائز على حسن الأداء، وفي مثل هذا الموقف العبثي يُقال: “يقتل القتيل ويمشي في جنازته“.

إقرأ على موقع 180  في التحدّي والإقدَام

***

يظهر القتيل في أكثر من صورة، والجنازة تحفل في العادة بمن قطعوا شرايينه أو كتموا أنفاسه، وكذلك بمن كفنوه ودفنوه ثم راحوا يبكونه، وفي الذاكرة القريبة أمثلة صادحة؛ يحتل أبطالها سدة المشهد ويواصلون الخنق والطعن فيما يذرفون الدموع.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  شذرات إنسانية من حياة المناضل ماجد أبو شرار (2/1)