طلاّب لبنان إنْ حَكُوا

أعاد مشهد نزول طلاب لبنان الجامعيين و تلامذة مدارسه الى الشوارع في حركة احتجاجية عفوية لاقت بعضها بعضاً، الى الاذهان، صورة حركات طلابية رائدة في العالم، كان لها كبير التأثير على انتفاضات و ثورات أحدثت تغيرات كبرى في وعي المجتمعات.

وفي اليوم الحادي والعشرين، نزلت القوّة الضاربة للإنتفاضة الشعبية اللبنانية إلى الشارع : الطلاب.

فهؤلاء، الذين لطالما شكّلوا العصب الأساسي لكلّ الانتفاضات والثورات والحراكات في العالميْن النامي والمكتمل النمو، كانوا حاضرين في الساحات، طوال الأيام الماضية، مع مئات ألاف اللبنانيّين المنتفضين على سلطة الفساد المُمَأسس والمُطيَّف في البلد. لكنّهم أطلقوا في الساعات الأخيرة شرارات غضبهم “الخاصّ”، كشريحةٍ مجتمعية مثّل تحرّكها بالمقياس العالمي، على الدوام، حافزاً مهمّاً للتغيير، وظلّ هذا التحرّك، في شتّى الأزمان، الأكثر إثارةً وجذباً للأنظار، من بين كلّ الحركات الاحتجاجية، لما يحتلّه الطلاب من موقع متفرِّد بين كافة شرائح المجتمع. فهؤلاء الشابات والشبّان، غالباً ما يشكّلون طليعة الجيل الذي يختلف ويتصادم (حضارياً وثقافياً) مع أسلافه، لذا نراهم يحتلّون، في معظم الاحتجاجات، الخطّ الأمامي الذي تتنافس فيه الإيديولوجيا والهويات الثقافية المختلفة.

استكمل طلاب لبنان وتلامذته تحرّكهم وترجموه اعتكافاً واعتصاماً وتظاهراً في مناطق لبنانية مختلفة، فخرجوا من المدارس والجامعات احتجاجاً على ما اعتبروه “استخفاف السلطة بمطالبهم”، والذي تمثّل بقرار استئناف التدريس بشكلٍ طبيعي، كي “يوئدوا التظاهرات والحراك وكأنّ شيئاً لم يكن”، بحسب تعبير إحدى الطالبات في صيدا. بالمئات افتُتِحت “تجمّعات الغضب الطلابي اللبناني”، وتدحرجت ككرة الثلج من الشمال إلى الجنوب مروراً ببيروت (من الجديدة والفاكهة ورأس بعلبك، إلى طرابلس وجبيل وجونية وغزير، إلى بيروت والشوف وصيدا والنبطية). تركّزت التجمّعات الطلابية أمام المدارس والجامعات ومقر وزارة التربية في بيروت إضافةً إلى مرافق ومؤسسات عامّة، مثل قصر العدل والمصرف المركزي وشركات الاتصالات.

يصرخ شابٌ وهو ينظر في عدسات كاميرات التلفزة المصوّبة عليه “نِحْنا أساس الثورة”

هتافات الإنتفاضة التشرينية لا تزال إيّاها منذ الهبّة الشعبية، والمطالب – الحقوق إيّاها، والأهداف – الآمال إيّاها: إسقاط النظام الطائفي مع كلّ رموزه ومنظومته وآليات اشتغاله. يصرخ شابٌ وهو ينظر في عدسات كاميرات التلفزة المصوّبة عليه “نِحْنا أساس الثورة”، ونلمح خلفه عشراتٍ من رفاقه، وهم يفترشون الأرض، أمام مقرّ وزارة التربية التي كان وزيرها (الذي عجّل إطلاق أحد مرافقيه ليلة 17 تشرين الأول الرصاص على بضع شبّان في رياض الصلح في اندلاع الإنتفاضة) قد ترك حرية قرار استئناف التدريس لكلّ مؤسسة تربوية.

تختزل هذه الصرخة الفتيّة، ربما، كلّ ما كُتِب وقيل، في الأبحاث والدراسات والمراجع الأكاديمية، عن دور وأهمية ومركزية الحركات الطلابية، في التغيير السياسي والاجتماعي وتفجير الثورات الشعبية (في أيّ بلدٍ كان)، لذا، قد نفهم دوافع السعي الحثيث المستدام للأنظمة الحاكمة للسيطرة على الجامعات والاتحادات الطلابية.

فهذا ما حدث، أكثر من مرّة، في دولٍ غربية متقدّمة في سلَّم الحضارة (والأبرز في فرنسا عام 1968)، وهذا ما حدث في دولٍ إقليمية ذات أنظمة شمولية أو دينية (والأبرز في إيران عام 1999)، وهذا ما حصل في كلّ الدول العربية (والأبرز في مصر عام 1935)، وهذا ما حصل في لبنان، ولا سيّما في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي. لكن، من عجائب الدنيا وسخرية القدر وحظّنا العاثر، أن تكون نواة الاحتجاجات الطلابية الراهنة متركّزة في الجامعات اللبنانية الخاصّة، بينما حضر طلاب الجامعة الوطنية (كما أساتذتهم) بشكلٍ مبعثر وبمبادرةٍ فردية. بعد مذكِّراتٍ متتالية من رئاسة الجامعة اللبنانية التابعة لأحد أحزاب السلطة المصوَّب عليها، منعت، بشكلٍ ملتوٍ وبالقوة الناعمة، طلاب الجامعة اللبنانية من النزول إلى ساحات الإنتفاضة، لكنها لم تستطع أن تثني ألوف الطلاب من المشاركة في تنظيم النوادي الطلابية في مختلف الجامعات، ونصْب خيم النقاش والحوار بالتنسيق مع تجمّعات الأساتذة الجامعيّين، والانطلاق مع زملائهم في سائر الجامعات اللبنانية في مسيرات عديدة.

أضحت الجامعة اللبنانية عنواناً جامعاً لجميع الطلاب في انتفاضة 17 تشرين

الجامعة اللبنانية (التي أعتبرها جامعةً منكوبة)، تستعدّ نهاية الشهر الحالي لعودة الانتخابات الطالبية المغيَّبة عن كلياتها وفروعها منذ 11 عاماً، بهدف إعادة بثّ الروح في “الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية” المعطّل منذ العام 1974-1975. وهذه الجامعة اللبنانية، التي بدأت السلطة الفتك بها (مع بعض القطاعات العامّة) عبر خطتها التقشفية الجهنميّة في مشروع الموازنة خلال الربيع الفائت، لم تنشأ إلاّ بإرادة الطلاب، أوّلاً، والجماهير الشعبية التي وعت أنّ قضية الجامعة قضيتها، ثانياً. وما كانت تحركات الطلاب والتظاهر والصدام مع قوى الأمن الداخلي واستشهاد الطالب فرج الله حنين العام 1951 (الذي يُعتبَر أوّل شهيد في سبيل قيام الجامعة اللبنانية)، إلاّ نتيجة اقتناعٍ بالمطالب التي حملوها، بدءاً من المطالبة بتأسيس جامعة وطنية وصولاً حتى انتظام العمل فيها. فلقد كان للحركة الطلابية في لبنان، منذ خمسينيات وحتى سبعينيات القرن الماضي (أي حتى اندلاع الحرب الأهلية)، دورها الفاعل والنهضوي في تأسيس الجامعة اللبنانية، وفي تصويب العديد من مسارات الدولة ومواقفها تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية الأساسية. واليوم، أضحت الجامعة اللبنانية هدفاً لجميع الطلاب في انتفاضة 17 تشرين، وها هي حناجر عشرات الألوف تصدح لنصرتها وجعْلها جامعةً بحجم الوطن لكافة شاباته وشبّانه وأساتذته الجامعيّين. التاريخ مليء بحركاتٍ قادها طلاب، أو كانوا جزءًا أساسيّاً فيها. بعض هذه الحركات نجح، وبعضها انهزم بطريقةٍ وحشية، لكنّ صداها لا يزال مدويّاً، على الرغم من القمع. كيف ستتّجه الحركة الاحتجاجية الطلابية في لبنان، وإلى أين يمكن أن يصل هديرها؟ بعيداً جداً على الأرجح.

(*) أستاذة في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course

180Post