من فرانكلين إلى ترامب.. أمريكا على حافة اختبارها الأخطر

عقب تأسيس الدولة الأمريكية بسنوات، وجّهت سيدة تُدعى إليزابيث ويلينج سؤالًا إلى بنجامين فرانكلين، أحد أهم الآباء المؤسسين للدولة الأمريكية ومن أهم واضعي دستورها، حول ما إذا كان الدستور قد أنشأ ملكية أم جمهورية، فردّ عليها بالقول: «جمهورية… إذا استطعتم الحفاظ عليها».

ويُعدّ الدستور الأمريكي، برغم ما به من عورات، أقدم دستور مكتوب، ويُفصّل لأحد أفضل النظم السياسية؛ فإن الدستور ما هو إلا مجموعة صفحات بها كلمات في أجزاء ومواد وتعديلات، وكقطعة من الورق، ليس للدستور قوة بمعزل عن قوة ووعي الشعب. ويدل ذلك على أن بقاء الحكومة، وحتى نوعها، يعتمد على اليقظة المجتمعية والواجبات المدنية للمواطنين.

وعلى مدى تاريخ الولايات المتحدة، الذي يُكمل عامه الـ250 الصيف المقبل، لم يضطر الشعب الأمريكي إلى الالتفات إلى البيت الأبيض للتأكد من أن بلادهم جمهورية تمثيلية وليست ملكية تسلطية، إلا أن السؤال الذي يتكرر بلا توقف منذ عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض قبل عام لبدء فترة حكمه الثانية والأخيرة، يتجه نحو ما لم يتخيله أكثر الأمريكيين تشاؤمًا فيما يتعلق بنظامهم السياسي.

على مدى تاريخها، تغلبت الولايات المتحدة على الكثير من الصعوبات التي كادت تؤدي إلى انهيار الدولة، خاصة الحرب الأهلية بين عامي 1861–1865، وتبعات نظام العبودية، ومعارضة حركة الحقوق المدنية والمساواة بين جميع الأعراق، أو أزمات اقتصادية طاحنة؛ إلا أن أحدًا لم يُشكك في ديمومة النظام السياسي بما فيه من مركزية ولا مركزية، وتوازن ومراقبة السلطات لبعضها البعض، وبقاء القوات المسلحة بعيدة عن الشأن السياسي الداخلي، وعدم تسييس القضاء، وعدم اللجوء إلى العنف لحل الخلافات السياسية.

***

خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، انتشر ثلاثة آلاف جندي وضابط مسلحين وبملابس عسكرية، ويخفون وجوههم، يتبعون شرطة الهجرة في شوارع وأحياء مدينة مينيابوليس، أكبر مدن ولاية مينيسوتا؛ وذلك للقبض على المجرمين من بين المهاجرين لترحيلهم. وتظاهر الآلاف من سكان الولاية ممن اعتبروا هذا التحرك احتلالًا لولايتهم. ونتج عن هذه المواجهة بين المتظاهرين وقوات الأمن مقتل مواطنين أمريكيين من البيض، هما السيدة رينيه جود، الأم لثلاثة أطفال، في 7 يناير الجاري، وأليكس بريتي، الممرض بوحدات الطوارئ، في 24 من الشهر ذاته، بإطلاق النار عليهما من مسافة قريبة جدًا بأيدي ضباط الهجرة.

وقبل ذلك، هدّد ترامب بإعلان حالة الطوارئ وإرسال قوات الجيش للسيطرة على الأوضاع في الولاية، وهدد بمحاكمة حاكم الولاية المنتخب وعمدة المدينة المنتخب كذلك بتهمة عرقلة القانون ونشر الفوضى والتساهل مع المجرمين. وأصبح استنشاق الغاز المسيل للدموع شيئًا عاديًا في شوارع وميادين مناطق المظاهرات في مينيسوتا.

***

لم تبدأ الأحداث في مينيسوتا من فراغ؛ فترامب، الذي شجّع هجمات 6 كانون الثاني/يناير 2021 لقلب نتيجة الانتخابات الرئاسية التي خسرها عام 2020، بدأ بوضوح مع إعلانه العفو الرئاسي الواسع عن مئات المشاركين في هذه الهجمات على مبنى الكابيتول واقتحام الكونغرس، وهو ما أدى إلى مقتل ستة رجال شرطة من حرس الكونغرس وإصابة المئات. كذلك لم يتردد ترامب في منح ضباط شرطة الهجرة غير المدربين وغير المنضبطين «حصانة مطلقة» شجّعتهم على استخدام غير قانوني ومفرط للقوة ضد المواطنين الأمريكيين.

مع تصاعد الغضب العام وحدّة المواجهات، هدّد ترامب بتفعيل «قانون التمرد»، وهي خطوة استثنائية تمنحه صلاحيات عسكرية واسعة النطاق، وربما تتجاوز القيود الأخيرة التي فرضتها المحكمة العليا على استخدام القوات الفيدرالية في تطبيق القانون. ولم يتردد ترامب في تسريب أخبار عن نيته «فيدرلة» الحرس الوطني في مينيسوتا بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. ويخشى العقلاء وقوع صراع مسلح بين القوات الحكومية المحلية، صغيرة العدد والعدة، والقوات الفيدرالية ذات القدرات والإمكانات غير المحدودة.

يبقى القضاء حصنًا أمام تغوّل الحكومة الفيدرالية، إلا أنه في حالة الأحداث السريعة من المحتمل أن تكون المحاكم غير قادرة أو غير راغبة في التدخل في الوقت المناسب، واعتبار ذلك صراعًا سياسيًا. وبموجب الدستور، لا يحق لأفراد الجيش الأمريكي إطلاق النار على المحتجين إلا إذا كانوا يدافعون حرفيًا عن حياتهم ضد تهديد وشيك. وقد أقسم كل جندي وضابط في الجيش الأمريكي على الدفاع عن الدستور، وليس عن الرئيس، وهذا يمنحهم قوة رفض الأوامر غير القانونية.

يتذرع ترامب بأن قوانين الهجرة لن تُنفّذ لولا هذا التشدد في تطبيقها، وبعد نجاحه في إغلاق الحدود الجنوبية، انتقل للتركيز على ترحيل ما يقرب من 11 مليون مهاجر غير نظامي بكل الطرق المتاحة.

***

بدأ ترامب إدارته الثانية بتجميع فريق من الوزراء والمعاونين ممن يمتلكون صفة أساسية، وهي الولاء المطلق والكامل للسيد الرئيس. وعيّن ترامب في مناصب وزارة العدل، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزير الأمن الداخلي، ومدير مكافحة الإرهاب، ووزارة الخزانة، شخصيات مشكوكًا في قدرتها وخبراتها، إلا أن ترامب لم يكترث بذلك. ومع اكتمال سيطرته على الحزب الجمهوري، وإجهاضه لأي محاولة للخروج عن «سياسة القطيع» الحزبي، لم يعد بيد الكونغرس إيقاف هوس الرئيس بالسيطرة والخروج على الدستور.

إقرأ على موقع 180  "معاريف" عن دعوة غانتس إلى واشنطن: بديل نتنياهو جاهز!

ودفع نجاح ترامب الرئيسَ السابق باراك أوباما إلى استحضار كثيرًا عبارة «جمهورية، إذا استطعتم الحفاظ عليها»، ليؤكد أن الديمقراطية الأمريكية ليست مضمونة، بل تتطلب مشاركة نشطة ومستمرة من مواطنيها. واستخدم هذه العبارة طوال فترة رئاسته وبعدها للتحذير من التراخي واللامبالاة والاستقطاب السياسي، وكررها كثيرًا بعد فوز ترامب بانتخابات 2016. وبعد مقتل المواطنين، خرج أوباما عن صمته الذي التزمه منذ عودة ترامب للحكم، مطالبًا الشعب الأمريكي بالانتباه إلى خطر لم يتخيله أكثر المتشائمين بواقع ومستقبل أمريكا.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  إنقلاب النيجر.. تنازع دولى على النفوذ فى غرب إفريقيا