أكرم بزي, Author at 180Post

IMG_8996.jpeg

تتزايد المؤشرات في واشنطن على أن الساعات المقبلة قد تُشكّل محطة مهمة في مسار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط. وبحسب تسريبات متداولة في أروقة البنتاغون ودوائر القرار العسكري، يقف صانع القرار الأميركي أمام لحظة حاسمة تتعلق بمستقبل الانخراط العسكري في هذه المواجهة التي اتخذت طابعاً إقليمياً مفتوحاً.

trump.jpg

في الحروب الحديثة لا تكون المشكلة في إطلاق الشرارة الأولى، بل في القدرة على إطفاء النار بعد اشتعالها. هذه القاعدة القديمة تبدو اليوم أكثر وضوحًا في المواجهة الدائرة في الشرق الأوسط، حيث يجد دونالد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة: حربٌ مع إيران كان يُفترض أن تكون خاطفة وسريعة، تتحول تدريجيًا إلى مشهد استنزاف مفتوح لا يمكن التحكم بإيقاعه بسهولة.

Pawns.jpg

في 27 شباط/فبراير 2026، لم تسقط المفاوضات في جنيف، ولم تُفتح أبواب الحرب، ولم يُسجَّل «انهيار تاريخي» كما روّجت بعض المنصات. ما حدث كان جولة شاقة بلا اختراق نهائي، أعقبها قرار باستكمال المسار التقني في فيينا. بين هذا الواقع الهادئ نسبيًا والسرديات المتفجرة على وسائل التواصل، مسافة واسعة تكشف أزمة أعمق: أزمة قراءة سياسية في زمن التضخيم الرقمي.

700-17.jpg

مع الجولة التفاوضية الثالثة المفصلية المقررة اليوم (الخميس) في جنيف بين إيران والولايات المتحدة، يقف الملف النووي عند مفترق دقيق قد يحدد مسار المنطقة لسنوات مقبلة. الحديث هذه المرة لا يقتصر على جولة تقنية جديدة، بل على احتمال عقد لقاء مباشر بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في خطوة إن حصلت ستشكل تحولاً نوعياً مقارنة بالجولات غير المباشرة السابقة.

800-36.jpg

تتمثل المأساة الإنسانية في أعمق صورها عندما يُوضَع المرء أمام خيار مقايضة وجوده المعنوي بمكاسب مادية زائلة. فكرةٌ خلّدتها الأدبيات العالمية سواء في قصة «فاوست» (مسرحية فاوست لغوته) عبر مقايضة تمنح القوة مقابل الروح، وقصة «بيتر شليميل» (لأديلبرت فون شاميسو) عبر مقايضة ظله مقابل صُرّة مال لا تنضب. في القصتين نجد أن البطل يكتشف متأخرًا أن ما اعتبره تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه كان هو الحصن الذي يمنحه الكرامة والحماية والاعتراف بين البشر. وعند إسقاط هذه الرمزية على واقعنا اللبناني نجد أننا أمام من يُروّج لبيع الظل المقاوم مقابل وعود بالرفاهية الاقتصادية والرضا الدولي.

800-18.jpg

تتعامل القراءات السياسية مع مفهوم التحالفات الدولية بوصفه التزامًا أخلاقيًا طويل الأمد أو رابطة وجدانية متينة، فيما تثبت الوقائع المتراكمة أن العلاقات بين القوى الكبرى تُدار بمنطق المصالح الباردة والحسابات الجيوسياسية الدقيقة. في هذا السياق، يبدو الرهان على اندفاعة عسكرية من موسكو أو بكين لنجدة طهران في حال نشوب مواجهة مباشرة مع واشنطن أو تل أبيب نوعًا من الترف السياسي الذي يفتقر إلى الواقعية. فالمظلة الشرقية التي يجري الحديث عنها لا تتجاوز كونها إطارًا لتنسيق المصالح وتبادل المنافع، لا خندقًا مشتركًا لخوض الحروب بالنيابة عن الآخرين.

800-7.jpg

ثمة عقدة جيوسياسية تتصل بالصراع على الممرات الكبرى. وفي هذا السياق، يبرز التنافس المحموم بين طريق الحرير الصيني والبديل المدعوم غربيًا، أي ممر الهند-الشرق الأوسط–أوروبا، فيما تتصدر إيران قلب هذه العقدة بوصفها لاعبًا يسعى إلى حماية موقعه الاستراتيجي. فالعالم يشهد بزوغ مرحلة جديدة تتشكل فيها معالم «شرق أوسط جديد» عبر بوابة الاقتصاد والمشاريع العابرة للقارات، حيث لم تعد السياسة وحدها المحرّك الأساسي، بل باتت خطوط التجارة وسكك الحديد هي التي ترسم حدود النفوذ وتحدد هوية النظام الإقليمي ومن خلاله معالم النظام الدولي الجديد.

01.28.26.jpg

في ولايته الثانية، أرسى دونالد ترامب دعائم نظام يقوم على الدفع مقابل النفوذ، محوّلًا الرئاسة إلى أداة لجمع الثروات الطائلة. ففي الوقت الذي يتحدّث فيه عن حماية الاقتصاد، تظهر التقارير أن ثروة عائلته الرقمية وحدها قفزت بمليارات الدولارات نتيجة سياسات موجّهة استفادت منها شركات الكريبتو والمستثمرون الكبار الذين ضخّوا مئات الملايين في حملته الانتخابية وصناديق دعمه السياسي. وهذا النمط من الحكم لا يكتفي باستنزاف الموارد الداخلية، بل يمتد ليشمل صفقات عابرة للقارات تضع مصالح الإمبراطورية المالية فوق أي اعتبار قيمي أو إنساني.

800-32.jpg

​تشي المعطيات الميدانية المستقاة من مصادر عدة إلى إكتمال الجزء الأكبر من الاستعدادات العسكرية لشن حرب أميركية واسعة النطاق ضد إيران. يعني ذلك أن المنطقة باتت على موعد مع انفجار كبير وظيفته الأبرز إعادة إنتاج هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة والعالم ولو كلّف الأمر تحطيم كل قواعد النظام الدولي المعمول بها منذ انتهاء الحرب الباردة غداة انهيار الاتحاد السوفياتي.

f8c6d42f868bb11fd3436abdefb1b072.jpg

ليست لحظات التوتر القصوى تلك التي تُعلن فيها الحروب، بل تلك التي يُعاد فيها تعريف معنى الاستقرار نفسه. ففي الشرق الأوسط، لا يُقاس الخطر فقط بعدد القطع العسكرية أو مستوى التهديدات العلنية، بل بمدى استعداد الإقليم لتحمّل انهيار دولة مركزية (دولة - مرتكز كما كان يسميها الكاتب العربي الراحل محمد حسنين هيكل) بحجم إيران. هنا، يصبح السؤال أبعد من واشنطن وطهران، وأعمق من معادلة الردع، ليطال البنية الهشة التي يقوم عليها توازن المنطقة برمّتها.