يُخطئ نواف سلام في سياسته الداخلية. الأخطاء تتراكم، عن قصد أو عن توريط محتمل. أخطاءٌ ستؤدي حتمًا إلى سحب الشرعية السياسية والأخلاقية من الدولة اللبنانية، وتحديدًا من الحكومة اللبنانية، قبل الاستمرار في عملية حصر السلاح وإيجاد حل لمسألة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
لقد اتسم خطاب نواف سلام منذ البيان الوزاري بجرأة استثنائية في طرح مسألة السيادة وحصر السلاح، وهو خطاب رفع السقف إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ السياسة اللبنانية المعاصرة. وبرغم صموده أمام حملات التشكيك والضغط الإعلامي، إلا أن الاختبار الحقيقي لم يعد يكمن في بلاغة الخطاب السيادي، بل في القدرة على تحصين هذا الخطاب عبر إصلاحات مالية وقضائية ملموسة تمسّ حياة المواطن اليومية.
ويُحسب لسلام أيضًا أنه لم ينصَع لكل حملات الضغط الإعلامية عليه للتراجع عن إرادته وخطابه في مسألة السلاح، فلم تهزّه الحملات ولا الاتهامات التي بلغت حدّ التشكيك بوطنيّته. غير أن الامتحان الأكبر لنواف سلام لا يكمن فقط في قدرته، من عدمها، على تطبيق خطة الحكومة لحصر السلاح، بل في امتحان الخطاب الداخلي، وتحديدًا في بنود الإصلاح المالي والسياسي والقضائي والاقتصادي وغيره، والتي تُعنى مباشرة بحياة الناس. إن السلطة التنفيذية التي يقودها سلام، على قدر ما تعطيه الشرعية، فهي تتحوّل أداة لإسقاطه ما لم يُحسن تحصين نفسه جيّدًا، وهو العالِم بأن كثرًا يريدون إسقاطه لأسباب متعددة.
سلام.. يخضع للأحزاب
عندما وصل نواف سلام إلى رئاسة الحكومة، توسّم قسم كبير من الشعب اللبناني خيرًا بقدومه كونه يأتي من خارج المنظومة الحاكمة في لبنان منذ عام 1990 بلاعبيها الحاليين والسابقين. كانت الانتكاسة الأولى، إذا صحّ التعبير، في اعتراف سلام نفسه عند تشكيله الحكومة وفي التعيينات بأنه فشل في تحدّي المنظومة القائمة، وبأنه كان عليه الخضوع لما يُعرف بـ«التوازنات» وبدعة الأعراف التي تحكم السياسة اللبنانية. وعلى الرغم من واقعية سلام وشجاعته في الاعتراف بعدم قدرته على تجاوز الأحزاب، كان الرهان على التحرك ضمن المساحة المفترضة لرئيس الحكومة، أي مجلس الوزراء، لكن حتى الساعة لم تُطبّق الحكومة قرارًا واحدًا إصلاحيًّا، أكان في التعيينات أو في المحاسبة أو في «الخدمات» المقدّمة أو في القرارات المالية، وتحديدًا الموازنة، بل هي في معظمها تُريح الأحزاب وما يُعرف بالدولة العميقة وشبكة المصالح التجارية والمالية والسياسية التي تتحكم بها المافيات من خلال خطط يضعها وزراء حكومة سلام أنفسهم وتحت إشرافه!
ينزلق رئيس الحكومة حتى هذه اللحظة إلى أزمات هي موجودة بفعل التراكمات، لكنها مرشّحة إلى التأزم والتفاعل، أكان من خلال الإضرابات أو التظاهرات وغيرها. إن الأزمات المرتقبة في حال استمرّ هذا النهج، هي محقّة بجوهرها لدى المواطنين بفعل فشل الحكومة حتى الساعة في المعالجة، لكنها أيضًا تفتح الباب للاستغلال السياسي، تبدأ بـ«هزّ العصا» وصولًا إلى الشغب وربما الإسقاط.
فشل معركة بناء الدولة؟
لا يمكن فصل الملفات عن بعضها البعض في لبنان، بحيث أن تراكم أخطاء الحكم يمكن أن يُستخدم لإسقاط فكرة الدولة نفسها، وهو أمر قائم بالفعل في لبنان في الممارسة الواقعية وفي نظرة الشعب اللبناني إلى هذه الدولة. من هنا، فإن استنزاف الحكومة سياسيًّا من الداخل بفعل ضعف أو عدم وضوح سياسة رئيس الحكومة مع وزرائه، ومع الشعب اللبناني، بالتأكيد سوف يؤثّر في مسار حصر السلاح بيد الدولة، ويكشف البلد أكثر أمام الاعتداءات الإسرائيلية.
فحين تُدار الدولة بمنطق الرضوخ للتسويات والخدمات والمحاصصة باسم «التهدئة الداخلية»، فهي تفقد قدرتها على خوض أي معركة سيادية خارجية. من هنا، إن الاستمرار بهذا الغموض والتخبّط والتناقض في سياسة الحكومة والعهد، على حدّ سواء، بين الخطاب من جهة، وبين الفعل والواقع من جهة ثانية، سيُفشل معركة بناء الدولة قبل أن تبدأ. وإذا أراد نواف سلام خوض هذه المعركة حتى النهاية، فهو يحتاج إلى أكثر من نوايا جميلة. هو يحتاج إلى تطبيق سياسة كسر تدريجية ومدروسة لمنطق المحاصصة الذي حكم البلد لعقود، من داخل مجلسه أولًا عبر محاسبة أي وزير يناور أو يستغلّ منصبه لأهداف سياسية أو مصالح شخصية، ثم إلى باقي الإدارات ثانيًا، قبل أن يكسره هذا المنطق سياسيًّا ووطنيًّا.
إن فشل نواف سلام، لا كشخص، بل كنموذج لا ينتمي إلى المنظومة الحاكمة التقليدية، سيمثّل جائزة كبرى لكل الأحزاب التقليدية التي حكمت وشاركت وكانت جزءًا من تقاسم الدولة منذ عام 1990 وصولًا إلى 2025. جائزةٌ ستجعل المنظومة أكثر استحكامًا مما كانت عليه، مع إضافة ما يحتاجه المشهد من خطابات شعبوية تعترض على قرار أو سياسة من هنا أو هناك من نواب هذه الأحزاب نفسها، لكنها ستكون أكثر اطمئنانًا على قاعدة «Business as usual». كما سيُعتبر فشلًا بنيويًّا للعهد الحالي في قدرته على التمايز وتحقيق الإصلاح المرجو.
دولة الرئيس؛
السيادة ليست خطابًا يُلقى، بل هي ممارسة تبدأ من تطبيق أصغر مرسوم إصلاحي فعلي في مجلس الوزراء. فهل من يملك الجرأة لدفع كلفة بناء الدولة؟
