في السنوات الأخيرة، لطالما حاولت فرنسا استعادة نفوذ مفقود في لبنان بشكل خاص، وهو معبرها التاريخي إلى نفوذ إقليمي أكبر. من محاولة استثمار تداعيات تفجير مرفأ بيروت إلى انتخابات الرئاسة في لبنان وصولًا إلى المرحلة الحالية، تصدّرت الحركة الدبلوماسية الفرنسية، ولا سيّما عبر جان إيف لودريان، العنوان اللبناني، وآخرها تأييد الدولة الفرنسية إقرار مشروع قانون الفجوة المالية، واستكمال الجهود المكثفة لإنجاح مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس في آذار/مارس المقبل. هذا الحراك يعكس رغبة فرنسية واضحة في البقاء لاعبًا فاعلًا في لبنان، لا سيّما من بوابة الإصلاحات المالية ودعم المؤسسة العسكرية.
إذًا، تحاول فرنسا إعادة فرض نفسها على أنها «الوسيط الغربي المقبول» في لبنان، إلا أن أدواتها اليوم باتت أضعف مما كانت عليه تاريخيًا. في المقابل، تراهن الدولة اللبنانية بشكل مستمرّ، وعبر حكوماتها المتعاقبة وصولًا إلى حكومة نواف سلام، على الحراك الفرنسي، ما يطرح السؤال التالي: التأثير في لحظة إقليمية ودولية يُعاد فيها رسم موازين القوى وحدود النفوذ، هل تراهن الدولة اللبنانية، المأزومة على مختلف المستويات، على شريك قادر عمليًا على التأثير، أم على دور يسعى إلى استعادة نفوذ بات محكومًا بقيود دولية أوسع؟
حضور سياسي وحدود فعلية
تشبه السياسة الخارجية الفرنسية في المنطقة، إلى حدّ ما، واقع لبنان نفسه: مبادرات وأفكار ومحاولات لصياغة أطر سياسية، تقابلها حدود واضحة في القدرة على الفرض والتنفيذ. وبرغم احتفاظ باريس بقنوات مفتوحة مع مختلف المكوّنات اللبنانية، وبرغم النشاط الدبلوماسي الفرنسي المتصاعد، إلا أن هذا الحضور يصطدم بسقوف تتجاوز الإرادة الفرنسية ذاتها.
تحاول فرنسا العودة كلاعب أساسيّ في لبنان عبر بوابة إصلاحية مالية وإدارية وتنموية، ومن خلال دعم الجيش اللبناني، في مقاربة تتفادى الصدامات السياسية المباشرة. غير أن هذه الملفات، بطبيعتها، لا يمكن فصلها عن التحوّلات الإقليمية في موازين القوى الإقليمية والدولية، لا سيّما منذ اندلاع الحرب في غزة وتداعياتها على لبنان، التي أعادت رسم حدود التأثير الفعلي لكلّ الأطراف. في هذا السياق، لا يمكن تجاهل معطى بات واضحًا في كواليس السياسة الدولية، وهو أن القرار المتعلّق بلبنان، أمنًا وحدودًا واعتداءات إسرائيلية، يمرّ اليوم عبر واشنطن بالدرجة الأولى. هذا الواقع لا يعني إقصاءً للدور الفرنسيّ، بل يعكس تحوّلًا بنيويًا في مركز الثقل الدولي. في هذا الإطار، قد تكون واشنطن مدركة لأهمية فرنسا في المشهد اللبناني انطلاقًا من فهمها لدلالات هذا الدور، إلا أنها في الوقت نفسه ترسم الإطار العام لأي تحرّك، ما يجعل أي مبادرة لا تمرّ عبرها محدودة التأثير.
وهنا تكمن الإشكالية الأساسية في المقاربة اللبنانية الحالية: الإفراط في الرهان على الدور الفرنسي في لحظة تُدار فيها الأولويات الإقليمية من قبل الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي يجعل الدولة اللبنانية تتحرّك في هامش ضيّق، بدل أن تتموضع ضمن مركز القرار الفعلي.
تفترض المصلحة اللبنانية الحالية أن تستغلّ الدولة أي مساحة مناورة ممكنة لحماية حدودها وكفّ إسرائيل عن الاستمرار في اعتداءاتها واحتلالها للأرض اللبنانية. هذه اللحظة تفترض أن يخرج لبنان من إدارة الأزمة بعقلية العلاقات التقليدية إلى مقاربة تقوم على قراءة واقعية لموازين القوى. ففي لحظة يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ، لا يملك لبنان ترف الاكتفاء بحضور دبلوماسي رمزي أو شراكات غير قادرة على فرض أثمان سياسية واقتصادية على من يعتدي عليه
فرنسا تحاول.. وأميركا تقرّر
يُعدّ مؤتمر دعم الجيش اللبناني أبسط وأوضح مثال على الواقع الحالي لحدود القدرة الفرنسية في لبنان. تحاول فرنسا، منذ انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، فصل ربط مؤتمر دعم الجيش اللبناني عن تطبيق الإصلاحات وعن تطبيق خطة حصر السلاح بمهلة زمنية واضحة، معتبرة أن الاستقرار السياسي والأمني في لبنان يتصدّر أي عنوان. في المقابل، تربط الولايات المتحدة الأميركية وعدد من حلفائها العرب مساعدة لبنان بقدرته على تنفيذ تعهّداته في الإصلاحات والأمن وحصرية السلاح، وهو ما أدّى في السابق إلى تأجيل موعد انعقاد المؤتمر، أكثر من مرة، كون انعقاده آنذاك لا يتماشى مع مسار الضغط الأميركي على لبنان في موضوع العقوبات والإصلاحات المالية وحصر السلاح وغيرها. واليوم، وعلى الرغم من تحديد موعد جديد لانعقاد المؤتمر، يبقى انعقاده أو نجاحه من عدمه مشروطًا بموافقة وتسهيل أميركيين واضحين، إذ أن المسألة ليست تقنية أو مالية، بل ترتبط بموقع الجيش في معادلة السلاح والسيادة والقرار. ومن نافل القول إن فرنسا تُدرك هذه الحدود، وتتحرّك ضمن هوامش يحدّدها القرار الأميركي، ما يجعل أي رهان لبناني حصري عليها عرضة لسوء تقدير، خصوصًا في ظل تصعيد إسرائيلي مستمر وغياب كلفة فعلية للاعتداءات على لبنان.
مظلّة عربية لمسار لبنانيّ أميركيّ
انطلاقًا من هذا الواقع، ومن التغيّرات في غزة وفلسطين وسوريا ولبنان، تحتاج الدولة اللبنانية إلى توسيع دائرة التنسيق وصولًا إلى التشبيك الرسمي والمؤسساتي مع دول عربية فاعلة تمتلك علاقات مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية، لا سيّما المملكة العربية السعودية وقطر، بالإضافة إلى مصر. هذه الدول لا تشكّل فقط عمقًا عربيًا تاريخيًا داعمًا للبنان، بل تملك أيضًا قنوات مباشرة وفاعلة داخل دوائر القرار الأميركي، ما يتيح تحويل الدعم السياسي إلى نتائج عملية، شرط توافر إرادة لبنانية جدّية في تنفيذ الإصلاحات وتعزيز السيادة.
تفترض المصلحة اللبنانية الحالية أن تستغلّ الدولة أي مساحة مناورة ممكنة لحماية حدودها وكفّ إسرائيل عن الاستمرار في اعتداءاتها واحتلالها للأرض اللبنانية. هذه اللحظة تفترض أن يخرج لبنان من إدارة الأزمة بعقلية العلاقات التقليدية إلى مقاربة تقوم على قراءة واقعية لموازين القوى. ففي لحظة يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ، لا يملك لبنان ترف الاكتفاء بحضور دبلوماسي رمزي أو شراكات غير قادرة على فرض أثمان سياسية واقتصادية على من يعتدي عليه.
إن باب معالجة مسألة الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال يبدأ فعليًا من واشنطن، لكن الوصول إليه بشكل يحمي لبنان من التنازلات يمرّ عبر شبكة عربية قادرة على الضغط والتأثير. من هنا، يصبح التنسيق مع دول مثل قطر والسعودية خيارًا وقائيًا لحماية لبنان من الاستنزاف، لا بديلًا عن علاقاته الأوروبية، بل مكمّلًا لها ضمن مقاربة أكثر توازنًا. هذا المسار يحوّل الدعم العربي من مجرّد «شبكة أمان» إلى «رافعة سياسية» في واشنطن يحتاجها لبنان لفتح باب الحلّ الجذري لمسألة الاحتلال الإسرائيلي.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل هذا النقاش عن المسؤولية الداخلية. فالقرار الأميركي، مهما كان حاسمًا، لا يُمنح تلقائيًا، بل يفرض نفسه عندما تُظهر الدولة أنها قادرة على تحمّل كلفة القرار، وتوحيد موقفها، وتطبيق التزاماتها. فالانقسام الداخلي، وتعطيل القرار، واستبدال حسم اتخاذ القرارات وتطبيقها بحوارات مكرّرة، كلّها عوامل تضعف موقع لبنان وتسقط عنه أي أوراق ضغط محتملة، مهما تعدّدت قنواته الخارجية.
لبنان، المعنيّ بالحفاظ على علاقاته التاريخية مع أوروبا والعالم العربي على حدّ سواء، يحتاج إلى رافعة عمليّة تُدار بقرار داخلي موحّد، وتُستخدم للضغط الحقيقي من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية وحماية سيادته، فالرهان السياسي الخاطئ في هذه المرحلة لا يكلّف الدولة موقفًا سياسيًا فقط، بل يكلّف لبنان أمنه واستقراره.
