في الثاني من آذار/مارس، أعلنت الحكومة اللبنانية أن قرار الحرب والسلم هو حصرًا بيد الدولة، واعتبرت الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله غير قانونية، وطلبت من الجيش اللبناني تنفيذ الخطة المتعلقة بحصر السلاح، كما أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون استعداد لبنان الكامل لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل بمشاركة مدنية وبرعاية دولية. والأهم أن هذا القرار لم يكن شكليًا فحسب؛ إذ أن جميع الوزراء، باستثناء وزيري حزب الله (ركان ناصر الدين ومحمد حيدر)، صوّتوا لمصلحته، بما في ذلك وزراء حركة أمل. هذا يعني أن الخطاب الرسمي انتقل، ولو متأخرًا، من منطق التسوية مع الازدواجية إلى منطق احتكار الدولة قرار الحرب والسلم.
لكن، في المقابل، لا يجوز الخلط بين وجود قرار رسمي وبين توافر إجماع سياسي فعلي. فالرئيس نبيه بري ما زال يتمسك بآلية “الميكانيزم” بوصفها الإطار الوحيد المقبول لمتابعة الملف، ويرفض بوضوح الانزلاق إلى التطبيع وهو رفض أن يكون شريكاً لأحد في تغطية أي تمثيل شيعي ضمن الوفد التفاوضي، فيما سبق لحزب الله أن أعلن، أن التزام لبنان بوقف النار لا يعني التزامه بالانخراط في مفاوضات سياسية مع إسرائيل. وبين هذين الموقفين، يظهر بوضوح أن السقف السياسي الداخلي لم يُحسم نهائيًا بعد، وأن الخلاف لا يدور فقط حول مبدأ التفاوض، بل أيضًا حول شكله، وحدوده، واللغة التي سيُقدَّم بها إلى اللبنانيين.
من هنا، يصبح ضروريًا التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان في النقاش اللبناني: الإجماع الكامل، والتوافق الكافي. فالإجماع الكامل، في بلد مثل لبنان، يكاد يكون مستحيلًا، وانتظاره يعني عمليًا منح أي طرف حق النقض على الدولة. غير أن القفز فوق القوى الأساسية، أو التعامل مع التفاوض كأنه قرار إداري عادي يمكن تمريره بالأكثرية، لا يقل خطورة. ما يحتاجه لبنان ليس وحدة رأي مستحيلة، بل حدًا أدنى صلبًا من التفاهم على توليفة تجمع ما بين مطلب السيادة الوطنية (تحت مُسمى حصرية السلاح أو قرار الحرب والسلم) ومطلب الوحدة الوطنية، وذلك بما يضمن عدم حدوث أي اختلال لمصلحة أي من المطلبين الضروريين. هكذا توازن يجعل الدولة حازمة من جهة ولكنها ضنينة على السلم الأهلي من جهة أخرى، وبخاصة أن هناك من يدفع خارجياً نحو صدام داخلي لا يُبقي ولا يُذر.
لا يحتاج لبنان إلى أسطورة “الإجماع الوطني الكامل” قبل الذهاب إلى المفاوضات، لأن هذا الإجماع نادر أصلًا في نظامه السياسي. لكنه يحتاج، وبإلحاح، إلى تفاهم داخلي كافٍ يحمي القرار، ويمنح الوفد شرعية، ويجعل التنفيذ ممكنًا، ويمنع أن تتحول أي طاولة خارجية إلى شرارة انقسام داخلي جديد. ذلك أن الخطر الحقيقي ليس في التفاوض بحد ذاته، بل في التفاوض من دون سند داخلي كافٍ
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل أن ملف السلاح نفسه يحتاج إلى إدارة سياسية دقيقة. فالرئيس عون كان واضحًا، في تصريحات سابقة، حين قال إن نزع سلاح حزب الله يجب أن يتم عبر الحوار وفي إطار استراتيجية دفاعية وطنية، لا عبر القوة، معتبرًا أن السلم الأهلي خط أحمر. هذه المقاربة لا تعني منح الحزب حق الفيتو على قرار الدولة، لكنها تعني الاعتراف بأن التنفيذ في لبنان لا يحصل بمنطق الغلبة المجردة، بل عبر تسويات تمنع انكسار التوازن الداخلي. وبكلام آخر، لا تستطيع الدولة أن تذهب إلى الخارج بخطاب سيادي مرتفع، ثم تعود إلى الداخل من دون خطة سياسية لتفكيك الاعتراض وضبط ارتداداته. التفاوض الخارجي، هنا، يحتاج إلى تفاوض داخلي موازٍ يحميه من السقوط. ولعل الصيغة الأنسب للبنان ليست البحث عن “إجماع” بالمفهوم العددي، بل عن تفاهم سياسي حول مسلمات محددة، على أن تكون الأولوية الفورية هي لوقف الحرب (والاغتيالات) والانسحاب الإسرائيلي.
ويفرض الحد الأدنى من التفاهم مسألة الشرعية التمثيلية. فالوفد اللبناني، أيًا تكن تركيبته، لا يستطيع أن يذهب إلى طاولة بهذه الحساسية وهو مهدد منذ لحظة ولادته باتهامات التخوين أو تجاوز الصلاحيات أو تمثيل طرف دون آخر. وهنا تكتسب سابقة كانون الأول/ديسمبر 2025 أهمية خاصة، حين كلّف الرئيس جوزاف عون السفير السابق سيمون كرم ترؤس الوفد اللبناني إلى اجتماعات اللجنة التقنية العسكرية، جرى ذلك، وفق بيان الرئاسة، بعد التنسيق والتشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، وبعد الاطلاع على موافقة الطرف الإسرائيلي على إشراك عضو غير عسكري. أي أن مسارًا أضيق بكثير من مفاوضات سياسية واسعة احتاج سلفًا إلى غطاء داخلي ثلاثي. فكيف إذا كان الحديث اليوم عن مسار أوسع وأثقل كلفة؟ وهل ثمة عاقل في لبنان يُمكن أن يتجاهل أن الأميركيين أو الفرنسيين أو غيرهم لا يُمكن أن يقبلوا أي تفاوض مع لبنان إذا لم يكن يحظى بموافق أو تغطية ثنائي حركة أمل وحزب الله، وهذا ما تبلغه لبنان رسمياً في الساعات الأخيرة.
وإذا تم التفاهم على صيغة الوفد المحصن بأوسع تفاهم وطني، يكون من الأفضل أن يتحرك الوفد ضمن هامش من الصلاحيات المكتوبة المحددة سلفاً وليس تلك التي يبتدعها أثناء التفاوض؛ وأن الجيش ومؤسسات الدولة هما الجهة الوحيدة المخولة تنفيذ أي تفاهم.
ثم إن الشرعية، في الحالة اللبنانية، لا تنفصل عن قابلية التنفيذ. فقرار مجلس الأمن 1701 لا يكتفي بالحديث عن وقف الأعمال العدائية، بل ينص على منطقة خالية من أي مسلحين أو أسلحة غير الحكومة اللبنانية وقوات “اليونيفيل” بين الخط الأزرق (الحدودي) ونهر الليطاني. والأمم المتحدة قالت في 11 آذار/مارس إنه من المشجع أن يكون الرئيس عون قد أكد استعداد لبنان للتفاوض من أجل “هدنة كاملة”، لكنها ذكّرت أيضًا بأن حزب الله رفض التعاون مع جهود بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وفي كانون الثاني/يناير، أعلنت المؤسسة العسكرية اللبنانية انتهاء المرحلة الأولى من خطة الانتشار الكامل في الجنوب ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية. المعنى السياسي لكل ذلك واضح: لبنان قطع شوطًا، لكنه لم يصل بعد إلى نقطة يستطيع عندها أن يعد الخارج بما لم يحسمه الداخل.
لهذا تحديدًا، لا بد من تحديد استراتيجية لبنان التفاوضية قبل الذهاب إلى التفاوض. حتى الآن، ما يصدر رسميًا عن الدولة اللبنانية يندرج في إطار وقف التصعيد، وقف الاعتداءات، تثبيت الترتيبات الأمنية، والانطلاق نحو هدنة أشمل؛ لا في إطار تفويض مفتوح نحو الاعتراف أو التطبيع. الرئاسة تحدثت عن “النقاط الأمنية اللازمة” لوضع حد للتصعيد، والأمم المتحدة استخدمت تعبير “هدنة كاملة”، فيما يصر بري على أن التطبيع مرفوض. وبناء عليه، فإن أول واجب على الحكومة ليس تشكيل الوفد فحسب، بل صياغة ورقة مبادئ داخلية تقول بوضوح إن المسار المطروح الآن هو مسار أمني-سيادي محدد الأهداف، لا مسار إعادة تعريف هوية لبنان الإقليمية دفعة واحدة. من دون هذه الورقة التفاوضية بما تتضمنها من حدود دنيا وقصوى وأوراق قوة، ستصبح الكلمات نفسها مادة انفجار داخلي قبل أن تبدأ المفاوضات.
ولا يقل عن ذلك أهمية أسلوب إدارة الرأي العام. ففي لبنان، الغموض لا يصنع مرونة، بل يفتح الباب أمام الشائعات والتخوين والمزايدات. وإذا كانت الدولة تريد فعلًا أن تقنع اللبنانيين بأن التفاوض ليس تنازلًا مجانيًا ولا قفزًا إلى التطبيع، فعليها أن تقول ذلك بوضوح ومنذ البداية، عبر خطاب سياسي منضبط وشفاف، لا عبر تسريبات متناقضة ومواقف متأخرة. فالناس قد تختلف على الخيارات، لكنها تحتاج إلى معرفة ما الذي يجري باسمها، وما هو مطروح، وما الذي ليس مطروحًا. وفي بلد هش مثل لبنان، الشفافية ليست ترفًا إعلاميًا، بل جزء من صناعة الشرعية نفسها.
في المحصلة، لا يحتاج لبنان إلى أسطورة “الإجماع الوطني الكامل” قبل الذهاب إلى المفاوضات، لأن هذا الإجماع نادر أصلًا في نظامه السياسي. لكنه يحتاج، وبإلحاح، إلى تفاهم داخلي كافٍ يحمي القرار، ويمنح الوفد شرعية، ويجعل التنفيذ ممكنًا، ويمنع أن تتحول أي طاولة خارجية إلى شرارة انقسام داخلي جديد. ذلك أن الخطر الحقيقي ليس في التفاوض بحد ذاته، بل في التفاوض من دون سند داخلي كافٍ. عندها قد يربح لبنان مقعدًا على الطاولة، لكنه يخسر القدرة على تثبيت ما ينتجه هذا المقعد. وفي السياسة اللبنانية، هذه ليست خسارة عابرة، بل وصفة مكررة لإعادة إنتاج المأزق نفسه: دولة تفاوض، وبلد ينقسم على معنى ما فاوضت عليه.
