أنا الجنوبية.. على حافة الترحال في عز الإستقرار!

الجنوبيون اللبنانيون الذين يُقاسون الأمرّين جراء الإرهاب الصهيوني المتكرر والمتمادي منذ عقود من الزمن، يدفعون أثمانًا كبيرة جدًا عن كلّ عربي ولبناني. لذا لا بد من تكريمهم وتمجيد بطولاتهم، وتعظيم تضحياتهم على كلّ المنابر والمواقع والساحات، وإدخال تاريخ الجنوب الحديث والمعاصر إلى كتب التربية والتاريخ والجغرافيا والآداب وعلم النفس والإعلام.. ليس لشوفينية مستعارة أو مقلّدة، مذهبية كانت أم طائفية، بل لأنهم قصة من قصص التميّز والفداء والبطولة والصبر والتحمّل.

لم يكن النزوح هدفًا لأيّ نازح في لبنان من أيّة منطقة كانت ولا لأي سبب كان، فكلّ من نزح، سواء بسبب الحرب الأهلية أو جراء الاحتلالين السوري والإسرائيلي للبنان، بالطبع كان يتألم ويتعذب ويُعاني. النازح لم ولن يكون مُغرمًا بنزوحه الذي يُهين كرامته ويُحرج إنسانيته ويسلخه من أرضه. النازح يهيم على وجهه طلباً للأمان والنجاة حاملاً ما تيسر من أوراقه الشخصية وماله وكل ما غلا من ذهب وفضة وما تيسر من ثياب، لكنه يترك خلفه راحته ونظام عيشه والكثير من أشيائه الجميلة المرتبة، وكل منظومة الجيران والأهل والأقارب؛ يترك وروداً وصوراً وذكريات وأحلاماً كثيرة.

بالطبع، كثرة من اللبنانيين يُدركون مساوئ النزوح وسلبياته وآلامه، كون أغلبيتهم ذاقت طعم التهجير في مراحل سابقة سواء من الجبل أو من بيروت الشرقية (سابقًا) أو من جزين أو مرجعيون، أو من الشمال أو من زحلة جراء صراعات داخلية أو اعتداءات إسرائيلية أو حصار سوري إلخ…

بالطبع، الفلسطينيون عانوا أكثر من كل شعوب العالم نزوحاً وقتلاً واعتقالاً وعذابات لا تحصى. الجنوبيون يحلون في المرتبة الثانية، وليس أصعب من النزوح… إلا أن يتكرر ويتكرر، فأن تحمل حقيبتك مرة، هذا أمر مفهوم، لكن أن تعود وتحملها مرة ثانية، فهذا أمر مؤلم. أما أن تبقيها جاهزة دائمًا، كجزء من أثاث البيت، فذلك شيء آخر؛ شيء يشبه أن تعيش على حافة الرحيل حتى وأنت مقيم.

في جنوب لبنان، صار النزوح فصلًا يتكرر في حياة الجنوبيين. من جيل إلى جيل، يتوارثون الحكاية نفسها: باب يُغلق على عجل؛ يتأبطون صرة أو محفظة أو كرتونة. نظرة أخيرة إلى البيت، ووعد مؤجل بالعودة. لكن ما يتغير هو الوجوه، وما يبقى هو الشعور ذاته… شعور أن البيت لا يُترك تمامًا، حتى حين يُترك. قد يطول الوعد بالعودة كما حصل بعد احتلال العام 1978 الذي دام 22 عاماً أو يقصر حسب الحرب نفسها (حرب الـ33 يوماً عام 2006 وحرب الـ 66 يوماً عام 2024).

ومنذ عقدين من الزمن، صار ابن الضاحية شريكاً للجنوبيين في ترحالهم. صارت الشنطة سلاحاًَ احتياطياً يُجهزها أغلب أبناء الضاحية الجنوبية على مداخل بيوتهم تحضيراً لهروب لا مفر منه منذ لحظة وقف النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

أكثر العائلات المقيمة في الضاحية الجنوبية كانت على موعد جديد مع التهجير. أغلبية هذه العائلات استأجرت منازل إحتياطية في أمكنة بعيدة عن بيروت.. ولو بمئات الأمتار. إنها سخرية الوطن الصغير. نحن أمام معادلة قلّ نظيرها. من يدفع الثمن بشكل متكرر يصبح منبوذاً في بيئات معينة. يستدعي ذلك قول الآتي: من يستغلني في لحظة خروجي من منزلي إلى مكان لا يبعد سوى عشرات أو مئات الأمتار من مكان إقامتي ليس سوى الوجه الآخر للمحتل، الذي يقاتلني بأعتى الأسلحة الأميركية كي أترك أرضي. ومن يؤجرني منزلًا بآلاف الدولارات استغلالًا لظرف إنساني عام هو مجرم كالصهيوني، والأتعس أنه “يُربّحني” جميلًا أنه أجّرني منزلًا قد يكون “خرابة” في بقية الأيام. أنا وغيري نفهم خوف الآخرين وهو شعور فطري وصادق مخافة تعرض أولادهم وأرزاقهم للخطر، لكن عندما يصبح الموقف من بيئة معينة ظاهرة تستفحل في مجتمعنا فإن الأمر يحتاج إلى أكثر من صرخة.

نعم؛ ليس النزوح وحده ما يثقل كاهلنا، بل أحيانًا ما نواجهه بعده. فبعضنا لا يجد في المكان الجديد ملاذًا كاملًا، بل يشعر أنه موضع اختبار أو شكّ، وكأن عليه أن يبرّر وجوده. نظرات عابرة، أو كلمات عادية في ظاهرها، لكنها محمّلة بثقل الانتماءات الضيقة والتصورات النمطية، وهذه كفيلة بأن تُشعر كل واحد منا أنه غريب، لا لأنه جاء من بعيد، بل لأنه جاء من “مكان آخر” على بعد عشرات أو مئات الأمتار أحياناً.

في تلك اللحظات، لا يعود النزوح مجرد انتقال من بيت إلى آخر، بل يتحول إلى تجربة تمسّ الكرامة نفسها. فالإنسان الذي خرج مكرهًا من منزله، لا يبحث فقط عن سقف يأويه، بل عن مساحة يُعامل فيها كإنسان، لا كهوية. وحين يُستقبل بهذا الشكل القاسي، يصبح النزوح مرتين: مرة من الأرض، ومرة من الناس.

أقول لمن يستقبلنا بالترحاب أو بالزجر أن “من يُقاتل فينا هي الروح”، وسنكون آخر من يستسلم أو يُسلّم كشعب. وأذكر هنا أنه في العام 1982، وخلال الاجتياح الإسرائيلي للجنوب، وخلال مرور الدوريات الصهيونية في قريتي يوميًا ومن أمام منزلنا، كنت أشعر بغضب شديد، وكنت صغيرة غير مدرّبة عسكريًا، أبحث عن كيفية رمي قنبلة يدوية على الدبابة الإسرائيلية من على سطح المنزل، أو زرع عبوة برغم مخاطر ذلك على بيتنا. فهل يمكنكم منع أطفالنا من المقاومة بعد عقد من الزمن مثلًا؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  هل من بديل لصندوق النقد؟
سلوى فاضل

صحفية لبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "حرب البحار" بين إيران وإسرائيل من ألفها إلى يائها!