ترامب “عملاق أعرج”.. وطريقه الصينية تمر بمضيق هرمز!

لم يكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتمنى أن يأتي لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ يومي 14 و15 أيار/مايو على هذا النحو. التعثر الأميركي في حرب إيران، جرّده من رافعة قوية كان يعتزم استخدامها في المباحثات مع نظيره الصيني لينتزع منه تنازلات تجارية تُعزّز موقع أميركا، كأكبر قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية في العالم.

قبل إيران، ربط ترامب بطريقة أو بأخرى عملية “العزم المطلق” في فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير المنصرم، وكذلك الحصار المحكم على كوبا، بتحجيم نفوذ الصين في أميركا الجنوبية، ووضع اليد على النفط الفنزويلي الذي كان يتجه في معظمه إلى العملاق الآسيوي، علاوة على الحد من الاستثمارات الأميركية في النصف الغربي للكرة الأرضية.

هل من المتخيل، كيف سيكون عليه الأمر، لو أن عملية “الغضب الملحمي” الأميركية في 28 شباط/فبراير، قد انتهت إلى وضع يد الولايات المتحدة على النفط الإيراني الذي يذهب 80 في المئة منه إلى الصين؟

لم يخفق النموذج الفنزويلي في إيران فحسب، بل أحدثت الحرب الأميركية-الإسرائيلية صدمة نفطية هي الأخطر في العقود الأخيرة، بعدما أغلقت إيران مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 في المئة من واردات العالم من النفط والغاز، فضلاً عن الأسمدة ومكونات تدخل في صلب الصناعات التكنولوجية المتقدمة ومنها الذكاء الإصطناعي. ولم ينجح الحصار البحري الأميركي في فك الإغلاق الإيراني للمضيق، على رغم مرور شهر على الحصار، فيما تكشف تقارير لمجمع الاستخبارات الأميركي، أن إيران يمكنها أن تصمد ثلاثة أشهر أخرى، قبل أن تبدأ تأثيرات الحصار بالظهور عليها، برغم أن الاقتصاد الإيراني يمر في أسوأ أزمة له منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979.

إضاعة مكاسب فنزويلا

كشفت حرب إيران حدود القوة لأكبر جيش في العالم، وتركته مستنزفاً على صعيد الذخائر الذكية بما يصل إلى نصف مخزوناته، ودفعته إلى نقل قدرات مخصصة لمواجهة محتملة مع الصين وروسيا، إلى إيران والشرق الأوسط. النقص في صواريخ “كروز” الشبحية ومنظومات الإعتراض، ليس هو المأزق الوحيد الناجم عن الحرب ضد إيران. هناك الكلفة السياسية التي تقلق الحزب الجمهوري على مسافة ستة أشهر من الانتخابات النصفية (نهاية ت2/نوفمبر)، في وقت تكشف آخر الاستطلاعات أن 63 في المئة من الأميركيين غير راضين عن ذهاب ترامب إلى الحرب.

وسعى الرئيس الأميركي عبر عملية “مشروع الحرية” لإرشاد السفن التجارية للخروج من المضيق في أوائل الأسبوع الماضي، إلى مضاعفة الضغوط على إيران. لم تقنع هذه العملية شركات الملاحة البحرية بالمجازفة، فعمد ترامب إلى تعليقها بعد 24 ساعة من بدئها، واكتفى بالحصار البحري في هذه المرحلة، على أمل تحقيق اختراق في المفاوضات، يُمكّنه من إعلان النصر والانسحاب قبل الغرق في المستنقع الإيراني.

والآن، في الطريق إلى الصين، أضاع ترامب في إيران ما كسبه في فنزويلا، على رغم تكرار الكلام عن تدمير القدرات الجوية والصاروخية والبحرية والنووية الإيرانية خلال حرب الأربعين يوماً (وقبلها في حرب الـ12 يوماً في حزيران/يونيو 2025)، وعلى رغم قوله إن الإيرانيين “يتلهفون” لإبرام اتفاق معه.

عملاق أعرج

غير أن الواقع، يشي بغير ذلك. تقول صحيفة “الواشنطن بوست” استناداً إلى صور الأقمار الاصطناعية، إن إيران ألحقت أضراراً بالقواعد الأميركية في المنطقة أكثر بكثير من المعلن. وتنقل عن الاستخبارات في واشنطن، أن إيران لا تزال تحتفظ بأكثر من 70 في المئة من قدراتها الصاروخية وبآلاف المسيّرات، إلى 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، التي يعتقد أن معظمها مدفون تحت منشأة أصفهان النووية التي دمّرتها أميركا في حرب العام 2025. كما أن إيران تحكم قبضتها على مضيق هرمز وعلى 20 في المئة من حاجات العالم إلى النفط والغاز.

ويبقى تلخيص المستشار الألماني فريدريتش ميرتس للوضع هو الأصدق تعبيراً عن الواقع عندما قال الشهر الماضي: “من الواضح أن الإيرانيين أقوى مما كان متوقعاً، ومن الواضح أن الأميركيين ليس لديهم استراتيجية مقنعة حقاً في المفاوضات أيضاً.. أمة بأكملها تتعرض للإذلال على يد القيادة الإيرانية”. ومن المفارقات، أن ترامب، أعلن حتى يوم الثلاثاء الماضي، خمس مرات عن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، ليتبين عدم صحة ذلك.

الصين، التي تقيم علاقة استراتيجية مع إيران، تقرأ بهدوء المشهد الجيوسياسي المتغير في العالم، في ضوء الحرب وانعكاساتها على القوة العسكرية الأميركية، وعلى تراجع هالة هيمنة الولايات المتحدة على العالم، وكيف تجد أميركا نفسها بلا حلفاء للمرة الأولى في تاريخها، من كندا وبريطانيا وأوروبا إلى الفاتيكان.

واستوحت صحيفة “غلوبال تايمز” الناطقة باسم الجيش الصيني من المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة، لتكتب في افتتاحيتها، بأنه عندما تعجز أميركا عن نشر نشر صواريخ في أنحاء العالم، فإنها تتحول إلى “عملاق أعرج”.

صدمة هرمز

من البداية، اعتبرت الصين أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية “غير شرعية”. وللمفارقة أن شي جين بينغ ندّد خلال استقباله في 14 نيسان/أبريل ببكين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي يعتبر من أشد المعارضين للحرب بـ”تداعي النظام الدولي”، وهو النظام الذي وضعت أسسه الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والذي “تعمل على تقويضه الآن”، وفق ما لاحظ الكاتب في مجلة “النيويوركر” اشعان ثارور. وينقل عن أستاذة الاقتصاد السياسي في جامعة جون هوبكنز يوين آنغ، أنه “بالنسبة للصين، لا يجلب الصراع الإيراني أي مكاسب اقتصادية، لكنه يخلق مساحة ديبلوماسية. فهو يسمح للصين بإعادة تموضعها على نطاق أوسع، ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن عالمياً”.

إقرأ على موقع 180  دومينو سوريا.. سردية السقوط المُعقدة!

صحيح، أن الصين تستورد معظم النفط الإيراني، وقد عرّضها ذلك لعقوبات أميركية ممنهجة. لكن ثاني اقتصاد في العالم عمل في السنوات الأخيرة على تنويع مصادر الطاقة، من ازدياد الاعتماد على الطاقة الشمسية والرياح والسيارات الكهربائية، ويحتفظ في الوقت نفسه بأكبر احتياط من الوقود الأحفوري.

وصدمة هرمز، بانت بوضوح على اقتصادات الدول الآسيوية المحيطة بالصين. ولم يكن أمام هذه الدول سوى الالتفات إلى الصين لتعويض النقص الحاصل في الوقود لديها. وناشد الرئيس الفيتنامي تو لام الذي زار بكين على عجل الشهر الماضي، الصين تزويد بلاده بوقود الطائرات. وطلبت الفيليبين، وهي دولة تقيم تحالفاً دفاعياً مع أميركا، من بكين عدم تقييد صادرات الأسمدة إلى مانيلا. وأعلنت أوستراليا أيضاً أنها ستتعاون مع الصين لسد النقص الحاصل لديها في وقود الطائرات. ومنذ بداية الحرب والقلق الذي ساد من أزمة غير مسبوقة في سلاسل الإمداد والتوريد، استقبلت بكين وفوداً من الفيليبين وأوستراليا وفيتنام وكمبوديا ولاوس وتايلاند وميانمار وبنغلادش.

والجدير بالذكر، أن الصين تُعزّز منذ سنوات قوتها الاقتصادية وتطورها التكنولوجي عبر “مبادرة الحزام والطريق”، التي تضخ فيها استثمارات بتريليون دولار، وتبني مشاريع بنى تحتية في الدول النامية.

وحتى بالنسبة لتايوان، عرضت بكين صفقة تقوم على تزويد هذه الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي في مقابل “اعادة توحيد سلمية، وجعل الوطن الأم الداعم الأكبر” للجزيرة، التي تعتمد بنسبة 96 في المئة من واردات الطاقة على مضيق هرمز.

امبراطورية بطور الانحطاط!

ويقول رئيس التحرير السابق لصحيفة “غلوبال تايمز” الصينية هو جين “إذا نظرنا إلى الوضع على أنه لعبة ثقة استراتيجية بين الصين والولايات المتحدة في شأن مضيق تايوان – أو لعبة شطرنج، إذا جاز التعبير – فإن الولايات المتحدة على وشك خسارة كل قطعها”.

وأصغت إدارة ترامب بانتباه إلى تحذير الصين العام الماضي، من ابرام صفقة تسلح مع تايوان قيمتها 11 مليار دولار. ويتردد في وسائل الإعلام الأميركية أن واشنطن في طريقها إلى صرف النظر عن الصفقة، حتى لا تثير رد فعل صيني.

وفي ضوء مجريات الحرب الإيرانية، يطمح ترامب خلال زيارته إلى بكين، إلى تمديد الهدنة التجارية مع الصين، وإلى الطلب منها لعب دور في اقناع إيران بفتح مضيق هرمز، وإلى ضمان الحصول على الأتربة الصينية النادرة التي تدخل في الصناعات الأميركية الذكية، ومن بينها الأسلحة التي استنزفتها الحرب.

في الأسبوع الماضي، حلّ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ضيفاً على قمة المجموعة السياسية الأوروبية التي انعقدت في أرمينيا. في الكلمة التي ألقاها الزعيم الكندي خلال القمة تعبير واضح عن مدى التباعد المتزايد بين أميركا وحلفائها التقليديين، إذ قال: “لا نعتقد أننا محكومون بالخضوع لعالم أكثر نفعية وانعزالاً ووحشية”.

ومن زاوية أخرى، يقرأ الصحافي الأميركي كريستوفر كالدويل في مقال بمجلة “فورين بوليسي” الأميركية، أحداث العالم منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في مطلع العام 2025، ليقول: “أميركا هي رسمياً، امبراطورية في طور الانحطاط”.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  رفح تختبر حدود صبر بايدن على إبتزازه إسرائيلياً.. "عالمكشوف"!