في هذا السياق، يكتسب صدور الطبعة الثانية (2026) من كتاب “الحرب الأهلية اللبنانية” للباحث صقر أبو فخر دلالة خاصة، لا سيما في زمن يتراجع فيه الاهتمام بالقراءة، ويكاد الكتاب الورقي يفقد مكانته. هذا الكتاب لا يُقدّم سرداً تاريخياً تقليدياً، بقدر ما يفتح نقاشاً واسعاً حول أسباب الحرب، وروايات المشاركين فيها، وما تلاها من مسارات سياسية لم تُفضِ إلى بناء دولة قادرة على تجاوز أزماتها البنيوية. ومن هنا، تبرز أهمية هذه القراءة، لا بوصفها عرضاً لمحتوى الكتاب فحسب، بل كمحاولة لمناقشة بعض مقارباته وأسئلته المفتوحة.. فماذا في الكتاب؟
يتناول الكاتب صقر أبو فخر الحرب الأهلية من بوابة انتمائه كيساري عروبي، ومن موقعه كباحث في الموسوعة الفلسطينية، وفي مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وفي المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وكمحرر لملحق فلسطين في جريدة “السفير”، وهو فيها، وفي غيرها، ظل مهجوسًا بالقضية الفلسطينية، نضالاً ومتابعة وبحثاً وتصويباً. وهو في كتابه هذا يُشغِّل هذه المواقع كلها في مسار منهجي متكامل.
يتضمن الكتاب خمسة فصول: من أشعل الحرب؟ تزوير الوقائع في كتب الاعترافات، الذاكرة المنقرضة، الوكالة اليهودية وعملاؤها في لبنان، لبنان: انتهاء مفعول التجربة. ويمكن إدراج هذه الفصول في محورين وخلاصة:
المحور الأول: وقائع الحرب، وقد أجاد الكاتب في عرض وقائع الحرب بسلاسة لافتة للانتباه. ويمكن إدراج عمل الوكالة اليهودية في لبنان وسوريا، في خلفية هذه الحرب.
المحور الثاني: روايات المشاركين في الحرب، وهي على نوعين: اعترافات مقاتلين في الميليشيات اليمينية، وبعضهم تاب، ومذكرات أحد قادة الجبهة اللبنانية، أي الأباتي بولس نعمان. أما الخلاصة، فإن الكاتب ينعى فيها صيغة لبنان المؤسس على الطائفية في الداخل والتبعية للخارج، والذي لم تفلح الأزمات التي مر بها في الخروج منها، كما لن تفلح المخارج، ومنها اتفاق الطائف والفيدرالية، في تصويبها. والحل في رأيه “دولة ديموقراطية عَلمانية غير فيدرالية، ومجتمع واحد متعدد الديانات، أي شعب واحد ومواطنون متساوون، ودولة واحدة عادلة وراعية، ولا يمكن تطبيق هذه الفكرة إلا بقوة الدولة وقوانينها الموحِّدة للجميع” (ص182).
بعد عرض مضمون هذا الكتاب وإجادة الكاتب في تتبع مشعلي الحرب والتصدي لاعترافات المشاركين فيها، والخلاصة التي أوافقه عليها بأن لا حل للبنان إلا بدولة يحكمها القانون، فقد استوقفتني جملة من الملاحظات في الآتي:
أولاً؛ في تسمية الحرب الأهلية اللبنانية، ولا أرى دقة في ذلك لأن التدخل الأميركي والإسرائيلي ينفي “أهليتها”، وإن كان مرتكزها أهليًا. وفي المقابل، لا تستقيم تسمية حرب الآخرين، والأقرب إلى الدقة تسميتها الحرب في لبنان أو الحرب اللبنانية.
ثانياً؛ في نهاية الحرب، يرد في الكتاب أن القتال لم يتوقف نهائياً إلا في أواخر سنة 1990 (ص 7)، وأرى أن الحرب ما زالت مستمرة بأشكال مختلفة، بعد توقف الأعمال العسكرية في سنة 1990. وقد أشار صقر أبو فخر في أكثر من صفحة إلى ذلك، ومثلما أشار، بصوابية، إلى أن بدء الحرب لم يكن في 13 نيسان/ أبريل 1975، فإن نهايتها كذلك لم تُحدَّد بعد.
ثالثاً؛ قصره النقد على اعترافات مقاتلي الميليشيات اليمينية المسيحية، وعلى مذكرات قادتهم، وما يشتم منها من وحشية، وهي صحيحة وكانت السبّاقة إليها. لكن ألم ترتكب الميليشيات الإسلامية مجازر، وإن كانت “دفاعية”؟ وقد يكون مرد ذلك كثرة هذه الاعترافات قياساً لندرتها بين مقاتلي الميليشيات الإسلامية، لكن تبقى الإشارة إليها ضرورية لما أعرف عن صقر أبو فخر من موضوعية من جهة، ولهدفه الذي لم يخفه في نهاية الكتاب: بناء دولة ديموقراطية علمانية من جهة ثانية.
رابعاً؛ قصره كشف التدخل الأميركي والإسرائيلي في الحرب، وهو الأكبر والأفعل، فماذا عن دور الاتحاد السوفياتي والدول العربية، وكانت فاعلة؟ وما ورد عن إحداها (سوريا) على علاقة بالتدخلين الأميركي والإسرائيلي. وعندما ذكر أحد أجهزة المخابرات العربية في تفجير كنيستين (ص10) لم يسمها.
خامساً؛ يأسف صقر أبو فخر، وأنا معه، لانكماش الأنتلجنسيا التاريخية ذات التطلعات الثورية التي تكاد تندثر (ص184 و185). لكن ألا تستحق تلك الأنتلجنسيا هذا الانكماش، وانكماش الأحزاب المتقاطعة معها في تجاوز الطائفية والتحرر، لأنها ماشَت الانقسام الطائفي، ولم تُدرج بناء دولة القانون والمواطنة في برامجها وممارساتها؟
لا تضير هذه الملاحظات المتابعة الدقيقة للحرب في لبنان التي اشتهر بها المؤلف، بل تستحثه للكتابة عن اعترافات المقاتلين في الميليشيات الإسلامية ومجازرهم، وقد يكون هذا ما قد يفاجئنا به يومًا ما في كتاب جديد.
في المحصلة، ينجح كتاب صقر أبو فخر في إعادة فتح ملف الحرب اللبنانية من زاوية نقدية تستند إلى الوقائع وتفكيك السرديات، وهو جهد يكتسب أهميته من كونه يواجه ذاكرة مثقلة بالتشويه والانتقائية. ومع ذلك، فإن أي قراءة للحرب تبقى ناقصة ما لم تشمل مختلف رواياتها وتُخضعها جميعاً للنقد نفسه، بعيداً عن الانتقاء أو التحيّز.
وربما تكمن القيمة الأهم لهذا الكتاب في أنه لا يكتفي بتوصيف الماضي، بل يدفع إلى التفكير في الحاضر: في دولة لم تُبنَ بعد، وفي مجتمع ما يزال أسير انقساماته. وبين ذاكرة لم تُحسم وأسئلة لم تُغلق، يبقى التحدي قائماً: كيف يمكن للبنان أن يخرج من تكرار تاريخه، لا أن يعيد إنتاجه؟ وكيف يمكن للجيل اللبناني الجديد الذي ما يزال يعيش عصبيات الحرب الطائفية والقبلية والإثنية أن لا يُكرّر تجربة حرب لم يخرج أحد منها رابحاً؟
