نتنياهو من أسطورة “الحسم” في لبنان إلى هندسة.. العجز!

في كلّ مرّة يعجز فيها بنيامين نتنياهو عن انتزاع نصرٍ حاسمٍ من الميدان، يذهب إلى التدمير والقتل. فالرجل لا يعرف من السياسة إلا صورتها الأكثر انحطاطاً، ولا من الحرب إلا لغتها الأكثر همجية. إذا أخفق في فرض الوقائع على الأرض، حاول أن يعوّض عجزه بالمجازر. تلك هي بنية عقله السياسي: كلُ مأزق عسكري يُترجم إجراماً، وكل فشل في الحسم يتحوّل إلى عقيدة ترويع، علّه يدفن عجزه تحت ركام لبنان.

من هنا، لا يجوز النظر إلى تبدّل الخطاب الصهيوني تجاه لبنان كأنه مجرّد تطوّر في اللغة أو تعديل تقني في الأهداف. ما جرى أعمق من ذلك بكثير. لقد دخلت إسرائيل هذه الجولة وهي تتكلّم بلسان القوة المطلقة، بوعود متورّمة عن نزع سلاح حزب الله، وتحطيم بنيته العسكرية، وإنهاء تهديده نهائياً، وإعادة تشكيل الجنوب اللبناني بما ينسجم مع هندستها الأمنية. لكن الوقائع بدأت تقتطع من هذا الخطاب طبقة بعد طبقة، إلى أن صار العدو يتحدث بلغة أدنى: نزع السلاح في جنوب النهر وليس في كل لبنان، منطقة عازلة، تحييد نسبي، إبعاد خطر، سيطرة نارية، ضغط سياسي، وإدارة صراع لا حسمه. هذا التحول ليس مرونة استراتيجية، بل هو الاسم الملطّف لانكشاف حدود القوة الإسرائيلية أمام جبهة لم تنكسر كما خُطّط لها، ومقاومة لم تتداعَ كما تمنّى قادة الاحتلال.

وهكذا، لم تعد حرب نتنياهو على لبنان حربُ أهدافٍ واضحةٍ، بل هروباً إلى الأمام من فشل الميدان، ومن مأزق الداخل، ومن سقوط الوهم الذي باعه لجمهوره عن جيش لا يُقهر. لذلك يريد أن يحوّل النار إلى أداة تفاوض، والدمار إلى ورقة سياسية، والانقسام اللبناني إلى ممرّ نحو ما عجز عن فرضه بالقوة. لكنه هنا تحديداً يواجه هزيمته الأعمق، لأنّ لبنان الذي أسقط وهم الاجتثاث في الميدان قادر على إسقاط مشروع الإخضاع في السياسة أيضاً.

من هنا يجب وضع الإصرار الإسرائيلي على مفاوضات أمنية مباشرة مع لبنان في مكانه الصحيح. فنتنياهو لا يريد وقفاً لإطلاق النار يفتح باب التفاوض، بل مفاوضات تحت النار، تستمر خلالها العمليات العسكرية ضد حزب الله، وتُستخدم الغارات وسيلة ضغط مباشرة على الطاولة. بهذه الصيغة لا تعود المفاوضات بديلاً من الحرب، بل امتداداً آخر لها. ولا تكون مدخلاً إلى التهدئة، بل أداة لتحصيل ما عجزت عنه القوة العسكرية.

لم يُخفِ نتنياهو سقف ما يريده: التفاوض على تجريد حزب الله من سلاحه، والدفع نحو علاقات سلام بين إسرائيل ولبنان. هنا يظهر جوهر الخطة الإسرائيلية. فهي لم تتخلَّ عن هدفها النهائي، لكنها لم تعد قادرة على فرضه كما تخيّلت في البداية، فبدأت تبحث عن طريق آخر يمر عبر الضغط السياسي على الدولة اللبنانية، واستثمار التصريحات الداخلية المتعلقة بحصرية السلاح ووضعه تحت سقف الدولة، لتحويلها إلى مدخل لبناني لتنفيذ ما عجز الاحتلال عن انتزاعه بنفسه.

أرادت تل أبيب منذ البداية أن تُدخل لبنان في معادلة حرب إقليمية أوسع على إيران، وأن يبدو الأمر كأنها تضرب الرأس والأطراف معاً. لذلك ربطت الجبهتين عسكرياً، واستثمرت في صورة الحرب الكبرى، لكنها في الوقت نفسه أصرت على فصلهما سياسياً، لأنها لا تريد لأي تفاهم محتمل بين واشنطن وطهران أن ينسحب على لبنان ويقيّد حريتها في الاستباحة. هكذا حاولت إسرائيل أن تستخدم الإقليم حين يخدم عدوانها، وأن تعزله حين تخشى أن يتحول إلى قيد عليها. غير أنّ الجبهة اللبنانية ليست هامشاً تابعاً، بل ساحة لها قانونها وإيقاعها وميزان كلفتها.

في البداية، تصرفت تل أبيب كما لو أنّ سلسلة الاغتيالات، والاختراقات الأمنية، والضربات المركّزة، قد أوصلت حزب الله إلى حالة إنهاك تسمح بتجريده سريعاً من فعله العسكري. وعلى هذا الأساس، رفعت إسرائيل سقف أهدافها إلى حدود بالغة الغطرسة: نزع السلاح، إنهاء الخطر، فرض معادلة جنوبية جديدة، بلوغ الليطاني، وتأسيس واقع ميداني وسياسي يطوي مرحلة كاملة من الصراع. لكن هذا الانتفاخ الخطابي اصطدم باختبار الأرض.

فعندما خرجت القوات الإسرائيلية من نطاق القرى الحدودية المدمّرة، حيث يُنتج القصف الكثيف أرضاً مكشوفة نسبياً، وبدأت تحاول التوغل في النسق الجغرافي الأعمق، اكتشفت أنّ الجنوب ليس فراغاً يمكن اقتحامه بالإفراط في القوة، بل بنية قتالية مركّبة تشتبك فيها الأرض مع المقاتل، والتضاريس مع الكمائن، والمسافة مع الاستنزاف. هناك، تبدّلت المعركة من مشهد ناري مريح في تقارير الجنرالات إلى احتكاك فعلي مع جغرافيا معقّدة وخطوط اقتراب ضيقة وبيئة لا تسمح بتحويل التدمير الجوي إلى سيطرة برية مستقرة.

لكأن نتنياهو يصرُ على عدم الإقرار بالوقائع الصعبة والمؤلمة. ردّد بعض ضباطه إنّ تجريد حزب الله من سلاحه عسكرياً لا يمكن أن يتحقق إلا باحتلال لبنان كله، لا بمجرد بلوغ الليطاني. وثمة من دفع باتجاه “استثمار” ما تعتبره إسرائيل إنجازات عسكرية لفرض اتفاق سياسي على الحكومة اللبنانية، بدل مطاردة هدف عسكري لا يمكن بلوغه. هنا لم يتبدّل الهدف، بل تبدّلت وسيلة السعي إليه: من محاولة نزع السلاح بيد إسرائيل إلى محاولة دفع الدولة اللبنانية، بمؤسساتها وخلافاتها وضغوطها، إلى حمل هذا العبء عنها.

لكنّ نتنياهو، وكلما افتضحت خططه، لا يذهب إلى المراجعة، بل يعود إلى المجزرة. هذه قاعدة حكمه في الحرب والسياسة معاً. حين يعجز عن انتزاع صورة نصر من الميدان، يلجأ إلى صناعة صورة رعب. وحين يفشل في كسر المقاومة مباشرة، يحاول أن يكسر المجتمع من حولها. وحين تسقط وعوده العسكرية، يعوّضها بمشهدية إجرامية يظن أنها قادرة على ترميم هيبته الداخلية وتأجيل حسابه السياسي.

إقرأ على موقع 180  فضيحة الفاخوري.. بالإدارة السياسية من جريصاتي إلى "الثنائي"

في العمق، يتغذى هذا السلوك من ثلاثة دوافع متشابكة: حاجة نتنياهو إلى تغطية إخفاقه في تحويل الحروب إلى نصر استراتيجي واضح؛ إصرار إسرائيل على فصل الجبهة اللبنانية عن أي مسار تهدئة إقليمي قد يقيّد يدها؛ وهروبه المستمر من مأزق داخلي خانق تتحول فيه الحرب إلى وسيلة تأجيل للحساب، والجريمة إلى أداة لإدارة الأزمة السياسية.

لهذا تريد إسرائيل أن تذهب أبعد من القرار 1701، وأبعد من اتفاقية الهدنة لعام 1949، نحو تسوية واسعة للملفات العالقة، وربما إلى فتح الباب أمام اتفاق سياسي أكبر لكن ركيزته ترتيبات أمنية. أما لبنان، فيحاول أن يضع لهذا المسار حدوداً مختلفة: ترتيبات حدودية تضمن أمنه وسلامة أراضيه، من دون الذهاب إلى تطبيع أو سلام منفصل يخرج على مبادئ المبادرة العربية القائمة على الأرض مقابل السلام وسائر مندرجاتها المعروفة.

غير أنّ السلوك الإسرائيلي نفسه هو أوضح اعتراف ضمني بالإخفاق. فالقوة الواثقة من قدرتها لا تبدّل أهدافها كل أسبوع، ولا تتنقل بين قاموس وآخر مع كل تعثر، ولا تحتاج إلى نقل عبء التنفيذ إلى خصمها أو إلى المجتمع الذي تعاديه.

الحقيقة أنّ إسرائيل لم تعد تدير حرباً وفق خطة حاسمة، بل مأزقاً مفتوحاً، وسط تناقضات داخل المؤسسة السياسية، وبين السياسيين والعسكريين، وحتى داخل المؤسسة العسكرية نفسها حول الهدف والعمق والجدوى والعلاقة بين الميدان والاستثمار السياسي.

في المقابل، بدا حزب الله أكثر وعياً بهذا التحول من خصمه نفسه. فهو لا يخوض المعركة بوصفها مسابقة في الخطابة والاستعراض، بل بوصفها معركة تحمل كلفة وفرض إرادات. ومن هنا اكتسبت الكمائن، والاستنزاف، واستمرار إطلاق الصواريخ، واستخدام المسيّرات الإنقضاضية، والتكيّف التكتيكي، معناها الحقيقي. فكل خسارة إسرائيلية مؤلمة، وكل تعثر في التوغل، وكل صفارة إنذار، ليست حدثاً عملياتياً معزولاً، بل ضربة تصيب الخطاب الصهيوني في صميمه. لأن إسرائيل لا تُحرج فقط حين يفشل جيشها في التقدم، بل حين تضطر إلى تعديل ما وعدت به جمهورها.

وهنا تكمن القيمة العميقة لما يفرضه لبنان اليوم على هذه الحرب. فالمسألة لم تعد محصورة في فشل إسرائيل في بلوغ أهدافها الأولى، بل في فشلها في الحفاظ على روايتها عن نفسها أيضاً. لقد دخلت الحرب بلغة الهيمنة المطلقة، معتقدة أن فائض التدمير يكفي لإعادة تشكيل الجغرافيا والدولة والسياسة. لكنها وجدت نفسها أمام مقاومة لا تُمحى بالإعلانات، وأمام جنوب يبتلع أوهام الحسم، وأمام مجتمع لبناني يُراد ابتزازه بالنار لأنه لم يعد ممكناً كسره كما تخيّل نتنياهو.

لذلك فإن تبدّل الخطاب الصهيوني تجاه لبنان، ومعه الانتقال إلى مفاوضات مباشرة تحت النار، ليس تفصيلاً هامشياً، بل إحدى أوضح علامات سقوط السردية التي حاولت تل أبيب أن تغلّف بها عدوانها. هي انتقلت من لغة “القضاء” و“التجريد” و“الاجتثاث” إلى لغة “الإدارة” و“العزل” و“التهديد المضبوط”، ومن وهم الحسم العسكري إلى محاولة فرض مفاعيله سياسياً على طاولة تفاوض مُزنّرة بالنار.

لا تُقاس الحروب بما تتركه من موت ودمار فقط، بل بما تتركه من حقائق لا يستطيع القتلة إخفاءها تحت الغبار. والحقيقة التي يفرضها لبنان اليوم على نتنياهو أشد إيلاماً من أي خسارة تكتيكية: إنه يجبره، وسط هذا الخراب كله، على مواجهة حدود قوته. فالرجل الذي أراد أن يصنع من الحرب نصراً شخصياً واستراتيجياً (البطل القومي التاريخي)، ينحدر بها الآن إلى محاولة يائسة لتنظيم فشله. والذي بدأ من أسطورة الحسم، انتهى إلى هندسة العجز. والذي ظنّ أنّ الإجرام يمكن أن يكون بديلاً من الإنجاز، سيكتشف أنّ النار قد تُمعن في الجرح، لكنها لا تمنح المحتل معنى النصر، ولا تصنع من المأزق فتحاً، ولا من المجزرة مشروعاً قابلاً للحياة. والمأساة، مهما اتسعت، لا تُنقذ خطاباً سقط. والخراب، مهما تعاظم، لا يرمم استراتيجية انكشفت. والدم، مهما أراقه نتنياهو، لا يمحو الحقيقة الأوضح: أنّ لبنان، بجغرافيته وشعبه، لم يهزم فقط قدرة الاحتلال على الحسم، بل هزم أيضاً لغته المتغطرسة، وأجبرها على النزول من برج الادّعاء إلى قاع التبرير.

في كل الحروب الاستعمارية، ثمة لحظة بالغة الدلالة: حين يفشل المحتل في إخضاع الأرض، يبدأ بالتوسّع في الجريمة؛ وحين يفشل في انتزاع النصر، يبالغ في العقاب؛ وحين يفقد قدرته على فرض الرواية، يصبح كل ما يفعله بعد ذلك اعترافاً متأخراً بأنّ مشروعه، مهما بدا صاخباً ومحمياً بالنار، أصغر من أن يكسر وطناً يعرف كيف يحوّل جرحه إلى السجن الذي ترتطم عنده وحشية جلّاده.

Print Friendly, PDF & Email
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  راجعوا الكتب.. الخطأ يتكرر من الـ 1559 إلى 2020!