جدل المرجعية والتمثيل.. سؤال السنّة في لبنان

لم يأتِ التحوّل في بنية التمثيل السياسي السنّي في لبنان من فراغ، ولم يكن مجرّد نتاج كاريزما فرد أو ظرف عابر، بل جاء نتيجة مسار الدولة بعد اتفاق الطائف، ونتاج تزاوجٍ معقّد بين إعادة هندسة النظام السياسي وصعود المال السياسي بوصفه لغة الحكم الجديدة.

في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية والبدء بتنفيذ اتفاق الطائف، لم تتشكّل حياة سياسية سنّية تعددية، بقدر ما أُعيد إنتاج النظام الطائفي بأدوات حديثة، حيث بات وزن الطائفة السياسي يُقاس بقدرتها على إنتاج زعامة مركزية تتحكّم بالشبكات الاقتصادية والخدماتية، أكثر مما يُقاس بقدرتها على بلورة مشروع سياسي جامع ومتنوّع.

من هنا يبرز السؤال المركزي في التجربة السنّية المعاصرة: هل كان تمركز القرار السياسي داخل الطائفة خيارًا إقليمياً لصناعة زعامة قوية في زمن هشّ، أم بداية تفريغ السياسة السنّية من تنوّعها التاريخي وقدرتها على إنتاج تعددية داخلية؟ وهل ما جرى بعد اغتيال رفيق الحريري، وانتقال الزعامة إلى سعد الحريري، شكّل استكمالًا لهذا المسار أم لحظة كاشفة لهشاشته البنيوية؟

ويُضاف إلى ذلك سؤال لا يقل أهمية في تقييم هذه التجربة: هل كانت زعامة رفيق الحريري تعبيرًا عن هيمنة مطلوبة على المجال السنّي، أم ضرورة فرضتها مرحلة إعادة الإعمار في دولة ضعيفة تحتاج إلى من يديرها بسرعة؟ ربما كانت في بدايتها ضرورة سياسية، غير أنّ ما كان مؤقتًا تحوّل مع الوقت إلى نمط دائم، وما كان استثناءً صار قاعدة حاكمة أعادت تعريف العلاقة بين الطائفة والسياسة والتمثيل.

ما قبل الطائف.. وما بعده

قبل الحرب الأهلية، لم يكن التمثيل السنّي مثاليًا، لكنه كان متنوّعًا. كانت الشخصيات تختلف وتتصارع، لكنها لا تُلغي بعضها بعضًا. كانت السياسة ساحة تنافس، لا ملكية خاصة. توزّع التمثيل بين شخصيات وبيوت سياسية بارزة، صائب سلام في بيروت، رشيد كرامي في طرابلس، تقي الدين الصلح في بيروت وصيدا، إلى جانب شخصيات مناطقية وعائلية لعبت أدوارًا متفاوتة. لم يكن أحد قادرًا على احتكار الطائفة، بل كان التنافس والتكامل ينتجان توازنًا سياسيًا.

هذا التعدّد أتاح تداول الأفكار والوجوه. أما في زمن المرجعية الواحدة، فقد صار التداول تهديدًا، والتنوّع خطرًا على «وحدة الطائفة». هكذا تحوّلت الوحدة من قيمة سياسية إلى أداة إقصاء.

في هذا السياق، أعاد اتفاق الطائف صياغة الدولة اللبنانية. لم يعد رئيس الجمهورية مركز الثقل، بل انتقلت السلطة التنفيذية فعليًا إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، وأصبح رئيس الحكومة لاعبًا محوريًا في إدارة الدولة. هذا التحوّل منح الموقع السنّي الأول وزنًا غير مسبوق، لكنه جعله في الوقت نفسه ساحة صراع محلي وخارجي.

بعد الطائف، صار الموقع أقوى، لكن البيئة السياسية صارت أضعف. أحزاب منهكة. مجتمع خارج من الحرب، واقتصاد مترنح يحتاج إلى من ينهض به. هذا الفراغ فتح الباب أمام شخصية تمتلك المال والعلاقات الخارجية لتملأه بسرعة.

نموذج المرجعية الواحدة

دخل رفيق الحريري السياسة من باب الاقتصاد والعلاقات الدولية. لم يكن ابن مدرسة حزبية شاركت في الحرب، بل رجل أعمال بنى نفوذه في الخليج ثم عاد به إلى لبنان. وكما يشير فواز طرابلسي، لم يكن مشروع الإعمار مجرّد خطة اقتصادية، بل مشروعًا سياسيًا متكاملًا أعاد ترتيب التحالفات وخلق طبقة جديدة من المنتفعين.

تحوّل الإعمار إلى مصدر شرعية، وتحولت الطائفة إلى كتلة انتخابية مرتبطة بشبكة مصالح وولاءات أكثر مما هي مرتبطة بنقاش سياسي مفتوح. ومع الوقت، أصبحت رئاسة الحكومة مركز جذب للخدمات والوظائف والمساعدات والنفوذ. لم تعد الزعامة السنّية تُصنع في صناديق الاقتراع وحدها، بل في القدرة على الوصول إلى شبكة الحريري.

هكذا بدأت البيوت السياسية الأخرى بالتراجع، لا لأنها أُقصيت بالقوة، بل لأنها فقدت أدوات المنافسة في سوق السياسة الجديد. صار القرار السنّي يُصنع في دائرة ضيّقة، من يقترب من مركز المال والسلطة ينال حصته، ومن يبتعد يُهمَّش. ومع كل دورة انتخابية، كان الهامش المتاح لأي تمثيل خارج هذا الإطار يضيق أكثر.

في السياسة التقليدية، كان التنافس بين الزعامات السنّية يُنتج خطابًا متنوّعًا. بعد الحريري، توحّد الخطاب حول مفاهيم «الاعتدال» و«الإعمار» و«الاستقرار»، من دون نقاش جدي حول الخيارات الاقتصادية أو الاجتماعية. لم يكن ذلك نتيجة قمع بل ثمرة منطق السوق السياسي، حيث يمرّ التمويل عبر مركز واحد وإذا رغبت بالقفز إلى “بيت المال” السعودي، فإن ممرك الإلزامي هو رفيق الحريري، ذهاباً وإياباً!

مع رفيق الحريري، لم تُصنع زعامة فحسب، بل صيغ نموذج كامل للقيادة، المال بدل التنظيم، الشبكة بدل الحزب، والخدمة بدل السياسة. هذا النموذج، كما يرى الكتب الشهيد سمير قصير، ألغى الحاجة إلى النقاش، لأن الزعيم لم يعد بحاجة إلى الإقناع، بل إلى التوزيع. وهكذا تحوّلت السياسة السنّية تدريجيًا من ساحة جدل إلى مساحة إدارة، ومن فضاء أفكار إلى مكتب خدمات واسع.

الاغتيال.. والوراثة

لم يكن اغتيال رفيق الحريري جريمة سياسية فحسب، بل أحدث زلزالًا داخل الطائفة السنّية خصوصاً والبيت اللبناني عموماً. انتقلت الزعامة إلى سعد الحريري وفق منطق الوراثة الرمزية لا المسار السياسي الطبيعي. ورث زعامة أكبر من تجربته وأثقل من أدواته، وواجه ضغوطًا إقليمية وانقسامات داخلية وحلفاء لا يشبهون مشروع والده.

إقرأ على موقع 180  زجاج دواخلنا.. المتكسر

في السنوات الأولى، كان التعاطف الشعبي واسعًا، لكن مع تكرار التسويات بأكلافها الباهظة، بدأ الشعور يتعمّق بأن الزعامة لم تعد مشروعًا، بل إدارة أزمات. ترافقت هذه المرحلة مع أخطاء سياسية عدّة؛ غياب رؤية اقتصادية واضحة بعد تراجع مشروع الإعمار؛ الدخول في تسويات كبرى من دون تحضير القاعدة الشعبية؛ التعامل مع الطائفة ككتلة صمّاء، وإهمال بناء كوادر سياسية جديدة.

هذه الأخطاء لم تُضعف شخص سعد الحريري فحسب، بل أضعفت فكرة المرجعية نفسها. فالمرجعية التي لا تجدّد ذاتها تموت ببطء. بعد الحريري، لم يعد الخلاف ينتج سياسة، بل يُنهيها. وكل محاولة لبناء موقع مستقل كانت تنتهي إما بالذوبان في التيار أو بالخروج من اللعبة. البيوت السياسية المحلية فقدت دورها، وصارت المدن والمناطق تنتظر إشارة من المركز.

وعندما علّق سعد الحريري عمله السياسي، لم يكن القرار انسحابًا شخصيًا فقط، بل كشف هشاشة النموذج بأكمله. الطائفة التي اعتادت على مركز واحد لم تكن مهيّأة لإنتاج مراكز متعدّدة. لم يظهر بديل واضح، ولا قيادة جامعة، ولا مشروعاً بديلاً، وكأن السياسة السنّية كانت تدور حول شخص لا حول فكرة. هكذا تحوّل الجمهور السنّي من شريك في إنتاج القرار إلى جمهور ينتظر من يمثّله. وأصبحت أزمة السنّة في لبنان ليست فراغ كرسي، بل فراغ فكرة، وليست غياب زعيم، بل غياب طريقة في إنتاج الزعامة.

من الشراكة إلى الزبائنية

كتب الصحافي والمحلل السياسي في “كارنيغي” مايكل يونغ أنّ لبنان ما بعد الحرب لم يُنتج مواطنين سياسيين، بل زبائن دولة. في الحالة السنّية، كان هذا التحوّل صارخًا، صار المواطن يقيس علاقته بالسياسة بقدر إفادته المادية والرمزية منها، لا بقدر ما يشارك في صنعها. وحين تتحوّل السياسة إلى خدمة، تتحوّل القيادة إلى احتكار، لأن الخدمة تحتاج إلى مركز واحد، بينما تحتاج السياسة إلى تعدّد مراكز.

التمثيل السياسي يفترض علاقة متبادلة، لكن هذه العلاقة انقلبت: القيادة صارت «تمنح» التمثيل بدل أن تتلقّاه. لذلك، لم تتحوّل خيبة الناس من أداء سعد الحريري إلى بدائل سياسية واضحة، لأن الناس لم تتدرّب على إنتاج البديل، بل على انتظار نسخة أفضل من النموذج نفسه.

ختاماً، في الوعي الطائفي السائد، يُقدَّم التعدّد بوصفه تهديدًا، فيما تُظهر التجربة اللبنانية قبل الحرب أنّه كان آلية توازن. لم يُلغِ صائب سلام رشيد كرامي، ولم يُلغِ رشيد كرامي تقي الدين الصلح. اختلفوا وتنافسوا، لكنهم اعترفوا بشرعية بعضهم. أما في زمن المرجعية الواحدة، فقد تحوّلت «الوحدة» إلى ذريعة لإلغاء السياسة، وصار كل اختلاف تهمة خيانة.

إنّ إعادة بناء السياسة السنّية لا تبدأ بالبحث عن زعيم جديد، بل بكسر فكرة «الزعيم الضرورة»، وإعادة فتح المجال للتنافس والتنظيم والتجريب. فـ«سؤال السنّة في لبنان» لم يعد سؤال شخص، بل سؤال دور، هل هم شركاء في الدولة أم جمهور في النظام؟ فاعلون في القرار أم متلقّون له؟ يصنعون قياداتهم أم ينتظرون من يتكلم باسمهم؟

لبنان لا يتوازن بالزعماء الأقوياء وحدهم، بل بالمجتمعات السياسية الحيّة. والطائفة التي لا تُنتج سياسة ستُستعمل دائمًا في سياسة الآخرين. من هنا، فإن الخروج من أزمة التمثيل السنّي لا يكون بانتظار «رفيق جديد» أو «سعد أقوى»، بل بإعادة اختراع السياسة نفسها، سياسة تسمح بالاختلاف، وبسقوط الزعماء من دون سقوط الطوائف.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الترسيم البحري.. طائف إقتصادي بنتائج سياسية!