لبنان بين خيارين.. و”قسطلين”! 

غداة بدء العدوان الصهيوني على لبنان في 2 آذار/مارس الماضي، سارع الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى طرح مبادرة من أربع نقاط لمفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي، تقوم على: إرساء هدنة ووقفٍ شامل للاعتداءات الإسرائيلية برًّا وجوًّا وبحرًا؛ دعمٍ لوجستي عاجل للجيش اللبناني؛ تولّي الجيش السيطرة على مناطق التوتر ومصادرة السلاح، بما فيه سلاح حزب الله، وبالتوازي إطلاق مفاوضات مباشرة برعاية دولية لتنفيذ هذه البنود.

اليوم الثلاثاء في 14 نيسان/أبريل 2026: تنطلق في واشنطن مفاوضات لبنانية إسرائيلية مباشرة، ولكن بدون تنفيذ أي من هذه البنود، فلا وقف لإطلاق النار، ولا دعم لوجستياً للجيش، ولا انتشار له ولا مصادرة سلاح، ولا رعاية دولية بل إشراف أميركي هو طرف أكثر منه وسيط، بحكم شراكة الإشتباك الأميركي- الإسرائيلي مع الإيراني في الإقليم. لسان حال رئاسة الجمهورية أن الجلسة الأولى على مستوى السفراء ستكون محصورة ببند واحد هو البحث بوقف النار، وإذا لم يتحقق هذا الشرط، لا يكون لبنان ملزماً بالمضي في مفاوضات مباشرة سيُمثّله فيها السفير سيمون كرم.

***

في الخامس من نيسان/أبريل الحالي، فاجأ الرئيس اللبناني جوزاف عون اللبنانيين، بأنه ينتظر منذ زمن الموافقة الاسرائيلية على إصلاح قسطل مياه في بلدة مرجعيون جنوبي لبنان، وفي اليوم نفسه من الشهر نفسه من العام 1948 -“والشيء بالشيء يُذكَر”- حرّرت المقاومة الفلسطينية قرية “القسطل” غربي القدس المحتلة، بعد يومين من احتلال العصابات الصهيونية لها، واستشهد فيها شيخ المقاومين عبد القادر الحسيني، فما هي قصة “القسطل اللبناني” أولاً؟

قامت الدنيا اللبنانية ولم تقعد على “القسطل الرئاسي اللبناني”، لما تضمنه واحتواه، بالرغم من أن القسطل كوسيلة لا كهدف، هو في الأصل بدون مضمون أو فحوى، فكيف بالمكسور منه أو المثقوب، إذ يفقد دوره فيظل فارغاً من أي محتوى، ولا يصلح لنقل الهواء حتى.. وهو مع مرور الأيام، وتقادم الأزمان، يمسي بدون أية جدوى، عديم الفائدة للإنسان وللحيوان وللعمران، إذ يصدأ ويهترئ ويندثر، ويذهب هباء منثورا،{فأما الزَّبَدُ فيذهب جفاء وَأَمَّا ما ينفع النَّاسَ فيمكث في الأرض} (سورة الرعد الآية 17)، فكيف يكون الحاصل الدولتي بالقسطل الوطني، السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي أو “السيادي”؟ وما أدراك ما السيادي وما فيه من تضادّ ما بين المناداة بالسيادة، والتفاوض المباشر مع المحتل في آن، بعدما عاد التفاوض غير المباشر بخُفّيّ حُنَين” وذهبت “الميكانيزم” التي امتطتهما غير مأسوف عليها إلى غير رجعة، فكيف يستقيم الأمر ما بين انتظار الموافقة الاسرائيلية لتصليح قطعة من قسطل مياه، وانتظار الانسحاب الاسرائيلي من لبنان؟ وإذا كان تصليح القسطل ممنوعاً من الصرف المائي والتصرف “السيادي”، فمن يمنع الغارات اليومية والاغتيالات؟ ومن يطرد المُحتَل من الجنوب اللبناني ويوقف الاعتداءات؟ بذا يمسي قسطل المياه المعطوب، أناءً لأداء، كلما وضعت فيه ألفيته فارغاً، وكذا هو حال الأناء اللبناني الرسمي، وأداءه السياسي، ليرسي معادلة مثقوبة، لا تسمن ولا تغني من جوع، جوع الحكم الى حصر السلاح، سلاح المقاومة حتى وهي في حال القتال حتى الاستشهاد ، دون حصر الاحتلال ومحاصرته وانحساره حتى الإنسحاب، وجوع السلطة الى احتكار “قرار الحرب والسلم”، وهي لا تسود أو تمون على قسطل مياه خرِب يمنعها الاحتلال من تصليحه في منطقة حدودية ساقطة عسكرياً ولا تقدّم أو تؤخر في حسابات الاحتلال شيئاً، ولا سيادة كاملة للدولة فيها، ومع ذلك فهي منذ شهر ونيف، ممعنة في حال هرولة حدّ الاستجداء لتفاوض مباشر مع العدو تحت النار، وهو لا يعيرها جواباً، حدّ الإيغال في التجاهل، متكئاً على سرديته المستدعاة من مخياله الواسع “لا يفهم العرب إلا عندما تُسلب أرضهم”، إلى أن تجبره طاولة الإقليم على قبول الطلب بالشكل، أما المضمون فشأنه شأن ما سبقه من عبث التفاوض المباشر الموصل إلى فرض 17 أيار/مايو 1983، فيما المفاوض اللبناني المباشر، الخارق لدستوره وقانونه وتوافقه الوطني، عابثٌ بأقلمة التفاوض الحامية من الاستفراد.

***

وما هي قصة “القسطل الفلسطيني”؟

في تاريخ يعيد نفسه قبل 78 عاماً، في بدايات اغتصاب فلسطين عام 1948 عندما شنّت عصابات “الهاغاناه” الصهيونية هجوماً كبيراً باسم عملية “نحشون” على قرية “القسطل” الفلسطينية الواقعة على بعد 10 كم غربي القدس المحتلة، وهي بوابتها الغربية نظراً لأهميتها الاستراتيجية في احتلالها، اذ كانت تقطع طريق الإمدادات والمعونات الإسرائيلية إليها.

ولأن “نَحْشُون” التي تعني بالعبرية الأفعى هي الشخصية التوراتية التي كانت أول من خاض البحر الأحمر فانشق له وعبَرَه مشياً لتمهيد الطريق أمام بني إسرائيل في لحظة يأس وإحباط، لفتح الممر نحو القدس، كان الهجوم هو الأول من خطة التطهير العرقي للفلسطينييّن وعُرفت باسم “خطة دال” وبالعبرية “داليت” وهي خطة عسكرية محكمة وضعتها قيادة (الهاغاناه) برئاسة ديفيد بن غوريون لاحتلال فلسطين.

يومها فعلت هذه العصابات بقرية القسطل ما فعلت في غزة بالأمس، وما تفعل بالقرى الحدودية اللبنانية اليوم -وهنا التاريخ يعيد نفسه أيضاً؟- إذ قتلت ما استطاعت من سكانها، ودمرت مسجدها، وسوّت بيوتها بالأرض، لمنع السكان من العودة إليها. ولم يبق منها سوى بيت واحد، ليبقى مقراً للعصابات الصهيونية، ويروي المؤرخ الفلسطيني عارف العارف أن “خمسين رجلًا من مجاهدي القرية دافعوا عنها، ولم ينسحبوا إلّا عند نفاذ ذخائرهم”.

إقرأ على موقع 180  جاء رئيسُ لبنان، بدأ العهد.. ماذا بعد؟ 

ومع ذلك، وفي يوم احتلال القرية ذهب شيخ المقاومين الشيخ عبد القادر الحسيني إلى دمشق ليجتمع باللجنة العسكرية للدول العربية، طالباً بعض السلاح فقط لاسترداد القسطل قبل أن يتمدد الاحتلال الصهيوني إلى غيرها وتضيع فلسطين، لكن اللجنة رفضت، وبعد طول جدال، وأخذ وردّ، قفل عائداً يائساً إلى فلسطين، عاقداً العزم على تحرير القسطل مهما كان الثمن، وجمع ما أمكن من مجاهدين، وتمكن من تحريرها في معركة ملحمية استشهد هو فيها، وقُتل خلالها 150 من العصابات، وبسبب الرفض العربي نفسه لتزويد الفلسطينيين بالسلاح، استغلت العصابات مشاركة المقاومين في تشييع قائدهم وشيخهم في القدس وشنّت هجوماً ثانياً احتلت فيه القسطل، بالتزامن مع مجزرة ديرياسين التي لا تبعد عنها أكثر من 5 كيلومترات. وسجلوا في كتابهم (تاريخ الهاغاناه) “وعادت القسطل ثانية وللأبد إلى أيدي اليهود”، وما كانت لتعود لولا حصر السلاح ومنعه عن المقاومين الذين حرّروها عندما كان بأيديهم ما يكفي لذلك من سلاح.

***

وما بين القسطلين اللبناني والفلسطيني، مسافةٌ بين خيار ومنطق المقاومة من جهة، وخيار التفاوض من جهة أخرى، لأن المقاومة منطق وخيار وقدَر وفكرة ومشروع وكل شيء، أما التفاوض فلا يعدو كونه سقطةً وسقوطاً، وهو إن كان، فلا يكون إلا بشرطه وشروطه، وأولها: امتلاك عناصر قوة كافية. وثانيها: عدم التنازل عن حرفٍ من كلمة “السيادة”. وثالثها: تحقيق الأهداف الوطنية بدءاً بوقف ومنع العدوان، وصولاً إلى تحرير الأرض، وما بينهما من عودة النازحين، وتحرير الأسرى والمعتقلين، وإعادة إعمار كل ما دمّره العدوان.

فمن يحقق هذه الحقوق؟

لنفترض جدلاً أن المقاومة “تزعم” بأنها قادرة بسلاحها، بقسطلها وقساطلها، وراجمات صواريخها، على تحقيق هذه الحقوق، وتجربتها المتوجة بالانتصارين، (2000 و2006) يثبت ويوثق ذلك، فهل قسطل التفاوض المباشر أو غير المباشر، قادر على ذلك وتجربته في انتظار تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 425 بانسحاب الإحتلال الإسرائيلي من الجنوب اللبناني ظلّت معلقة 22 عاماً (1978-2000) على مشجب الدولة والعالم.

واضحٌ أن كلاً من الدولة والمحتل قد “ركز بين اثنتين” والأوضح أن المقاومة هي الركيزة الأركز، والكلمة الأخيرة والفصل لميدانها الحدودي الأرحب، “فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الأعلون، والله معكم ولن يتركم أعمالكم”، كما أوصى الإمام علي بن أبي طالب.

(*) هذه المقالة تُعبّر فقط عن رأي كاتبها

Print Friendly, PDF & Email
غالب سرحان

كاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  رياض سلامة بتعذر البديل: مجرمٌ أم بطل؟