أميركا وإسرائيل.. أهداف مختلفة في إيران

لم يفلح قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فجر أمس، بوقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، في معالجة التناقض الاستراتيجي العميق الذي يعتري الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضدَّ إيران، وهو خللٌ لم تُبدِ أيٌّ من واشنطن أو تل أبيب استعداداً للاعتراف به على الملاً، ويتمثل في حقيقة أن الطرفين يخوضان الصراع ذاته مع طهران لأسباب متباينة جذرياً. والانتقادات الشديدة التي انهالت على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من الداخل الإسرائيلي قبل غيره، والقول إن "زئير الأسد" تحول إلى "مواء القطط" يوضح بعضاً من هذا التباين.

بالنسبة لإسرائيل، ظلّ شبح المواجهة المباشرة مع إيران هاجساً مقيماً منذ عقود من الزمن، وقد كرّست جهوداً استخباراتية وتحليلية مكثّفة لدراسة بُنية النظام الإيراني وتفاصيله الدقيقة، بدرجة من العمق قلّما بلغتها واشنطن. وانطلاقاً من إدراكها أن بقاء النظام يشكّل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها سلوك الجمهورية الإسلامية، وجّه نتنياهو، استراتيجيته نحو استهداف بُنية القيادة الإيرانية والسعي إلى إحداث تغيير في النظام، بوصفهما الهدفين المركزيين للحملة.

على النقيض من المقاربة الإسرائيلية، دخلت إدارة ترامب الحرب وهي تستند إلى فرضية مفادها أن استعراضاً عسكرياً حاسماً وذي مصداقية كفيلٌ بإجبار النظام الإيراني على الرضوخ والقبول بإبرام تسوية. ولم يكن هذا التصور وليد اللحظة، بل شكّل الامتداد الطبيعي للنهج الذي حكم سياسة “الضغوط القصوى” خلال الولاية الأولى لترامب، كما انعكس أيضاً في قرار إدارته لاحقاً السعي إلى إزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وبصيغة أوضح، دأب التخطيط الاستراتيجي للولايات المتحدة تجاه إيران على التركيز على الملفات القابلة للحل والمعالجة التقنية، مثل حجم الترسانة الصاروخية ومستويات تخصيب اليورانيوم، باعتبارها مفاتيح الوصول إلى اتفاق نووي. وفي المقابل، جرى التعامل مع البعد الأعمق، والمتمثل في الالتزام الأيديولوجي الراسخ لدى طهران بالحفاظ على بقاء النظام، بوصفه مسألة ثانوية، برغم كونه في الواقع حجر الزاوية في سلوك الجمهورية الإسلامية.

لا تتكامل هاتان المقاربتان (الإسرائيلية والأميركية)، بل تتحركان في اتجاهين متضادين، وقد أفضى التوتر بينهما إلى بلورة حملة تبدو مُنسقة على المستوى العملياتي، لكنها تفتقر إلى بوصلة استراتيجية واضحة. وتبقى القراءة الإسرائيلية لطبيعة الجمهورية الإسلامية، والقائمة على أن بقاء النظام يشكّل المفتاح الرئيسي لفهم السلوك الإيراني، الأقرب إلى الواقع، حتى وإن كانت الاستنتاجات التي يستخلصها نتنياهو موضع شكّ من الناحية الاستراتيجية.

شرخ يتسع

إلا أن النهج الإسرائيلي القائم على إقصاء أي طرف إيراني يُمكن التعاطي معه، يُهدّد بإغلاق المجال الدبلوماسي الذي تقوم عليه حسابات ترامب في عقد الصفقات، في حين أن إشارات ترامب المتكرّرة التي تُبدي انفتاحاً على التفاوض قد قوّضت بدورها عنصر الضغط الذي ترتكز عليه الرؤية الإسرائيلية لتفكيك النظام الإيراني. وهكذا، وبغضّ النظر عن مصير اتفاق وقف إطلاق النار، فقد تكشّف شرخٌ آخذ في الاتساع بين أهداف واشنطن وتل أبيب، بما يمنح الجمهورية الإسلامية فرصة لتأكيد ما أكده مؤسسوها دائماً: أن البقاء، مهما كانت كلفته أو شروطه، يظلّ معادلاً للنصر (…).

لقد شكّل اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى، آية الله السيّد علي خامنئي، أخطر اختبار للبنية المؤسسية التي وُضعت في تاريخ الجمهورية الإسلامية. وقد برهنت عملية الخلافة اللاحقة لمصلحة نجله مجتبى، على صحة وفعالية هذا التصميم؛ فخلال عشرة أيام فقط من اغتيال خامنئي، وتحت وطأة الصواريخ، اجتمع مجلس الخبراء الإيراني واختار مُجتبى خامنئي مرشداً أعلى (…). وكان اختيار مُجتبى، الذي كان معروفاً بتشدّده حتى قبل مقتل والده وزوجته وطفله، قراراً أمنياً اتُّخذ لضمان استمرارية النظام. وفي أول تصريح علني له، تعهد مُجتبى بمواصلة الحرب، وإبقاء مضيق هُرمُز مغلقاً، والحفاظ على ما أسماها “القيم الجوهرية للثورة الإسلامية”. ومع تعيين مُجتبى، أعادت الجمهورية الإسلامية تشكيل نفسها حول تفسير أكثر تركيزاً على الأمن لعقيدتها التأسيسية؛ تفسيرٌ يُعطي الأولوية الصريحة للبقاء المؤسسي والقيادة الاستراتيجية على حساب الاعتبارات الدينية (…).

اعرف عدوك

تابعت إسرائيل تطورات النظام الإيراني عن كثب، إذ بينما تُصنَّف إيران في واشنطن ضمن قائمة طويلة من التهديدات العالمية، وتأتي إدارة كل رئيس أميركي بمجموعة سياساتها الخاصة، رأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية أنها تهديد وجودي لا يقل خطورة عن أي تهديد آخر.

وفي حين تميل واشنطن إلى الاعتماد على خُلاصات الاستخبارات وتحليل صور الأقمار الصناعية لفهم تحركات إيران، اعتمدت إسرائيل على عقود من التسلل العميق داخل الحرس الثوري، والبرنامج النووي، والدائرة الضيقة المحيطة بالمرشد الأعلى، ما مكّنها من تكوين فهم جيد لشكل تفكير قيادة النظام، ومعرفة مخاوفها ومواطن ضعفها الأكبر (…).

وتُدرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية جيداً أن البنية الأساسية للنظام الإيراني تجعل بقاءه شبه مضمون مهما حاول الآخرون الضغط عليه، لأنه مُرتبط بعمق ومدعوم بمؤسساته القوية والراسخة (الحرس الثوري، الأجهزة الأمنية، القيادة العُليا، البنية السياسية والدينية). وأي استراتيجية لا تهدف إلى تفكيك هذه المؤسسات الأساسية لن تكون فعّالة في إزالة التهديد الذي يشكله النظام. وحتى إذا تمكنت إسرائيل، أو أي قوة أخرى، من تقييد قدرات إيران مؤقتاً، فإن النظام قادرٌ دائماً على إعادة تنظيم نفسه واستعادة قدراته العسكرية والسياسية (…). وبناءً على ذلك، تؤكد النظرية الإسرائيلية أن أي محاولة لإضعاف النظام دون استهداف جوهري لبنيته القيادية والأمنية ستكون مجرد خطوة مؤقتة ولن تغير الواقع الاستراتيجي القائم.

رؤية ترامب الإيرانية!

كانت نظرية ترامب في هذه القضية مختلفة. فقد دخلت إدارته الحرب متوقعة أن القيادة الإيرانية، في مواجهة تدمير برنامجها النووي وإقصاء مرشدها الأعلى، ستُفرز في نهاية المطاف قائداً أكثر استعداداً للتفاوض من أسلافه. وكان إيمان ترامب المطلق ببراعته في إبرام الصفقات محوراً أساسياً في سياسته تجاه إيران منذ ولايته الأولى، إذ شدَّد منذ انسحابه (بشكل أحادي) من الاتفاق النووي الإيراني، المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة” عام 2018، على أنه وحده القادر على انتزاع اتفاق شامل فشلت إدارة الرئيس باراك أوباما في إبرامه. وقد وصل هذا الاعتقاد إلى حدّ إعلان ترامب علناً رغبته في المشاركة حتى في اختيار المرشد الأعلى الجديد لإيران. ويبدو أن ترامب استند في توقعاته إلى أن تجربة فنزويلا (الإطاحة بمادورو وتنصيب ديلسي رودريغيز زعيمة مؤقتة) قابلة للتكرار في طهران (…). إلّا أن هذه الثقة تستند إلى قراءة خاطئة لطبيعة النظام الإيراني (…).

إقرأ على موقع 180  إيران.. عدوٌّ بلا بديل!

وليست هذه هي المرة الأولى التي تتباين فيها الرؤى الأميركية والإسرائيلية تجاه إيران. ففي حزيران/يونيو 2025، فرض ترامب وقف إطلاق النار برغم اعتراضات إسرائيلية شديدة. والآن، حتى مع التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، يظل التوتر بين النظرية الإسرائيلية ونظرية ترامب عائقاً أمام رسم مسارٍ واضحٍ لإنهاء الصراع بشكل دائم.

فترامب أعلن أنّ تغيير النظام قد تحقق برغم إنكاره سعيه إليه، وهدَّد بتدمير إيران بالكامل مع الإشارة في الوقت نفسه إلى استعداد للتفاوض. كما وصف رئيس مجلس الشورى الحالي، والقائد السابق في الحرس الثوري، محمد باقر قاليباف، بأنه مُحاور واعد، بينما ندَّد الأخير بأي إمكانية للتفاوض. وفي المقابل، تستمر إسرائيل في حملة الاغتيالات الانتقائية، برغم اعتراف نتنياهو بأنه “لا يستطيع الجزم بأن الشعب الإيراني سيُسقط النظام” (…).

والنتيجة هي حربٌ تخوضها كلٌ من الولايات المتحدة وإسرائيل سعياً لتحقيق أهداف تجعل استراتيجية الآخر أقل قابلية للتحقيق. فاستهداف إسرائيل المتواصل للقيادة الإيرانية يجعل أي محاولة أميركية للتوصل إلى مخرجٍ تفاوضيٍّ أكثر صعوبة. وفي المقابل، فإن إشارات ترامب المنفتحة على التفاوض تُضعف استراتيجية إسرائيل، إذ تُعطي طهران سبباً لانتظار انحسار الضغط عليها بدلاً من الوصول الى استنتاج باستحالة وجود مخرجٍ دبلوماسيّ، وهو تحديداً ما تحتاجه إسرائيل لإجبار النظام على الاستسلام. وبفضل هذا التباين في الأهداف، بين ترامب ونتنياهو، صار بإمكان طهران توقع أن شراكة أعدائها لن تصمد، سواءٌ وُقّع وقفٌ لإطلاق النار أم لا.

البقاء والتقدم

تتمتع إسرائيل بفهم أكثر تفصيلاً لديناميكيات النظام في طهران مقارنة بالولايات المتحدة. ومع ذلك، لم تُدرِك إسرائيل ولا واشنطن بالشكل الكافي مدى الدور الذي لعبه العداء الخارجي في ترسيخ شرعية الجمهورية الإسلامية منذ الثورة. فقد كرَّر مؤسس الجمهورية، آية الله، السيّد روح الله الخميني، وصف أميركا بـ”الشيطان الأكبر” وإسرائيل بـ”الشيطان الأصغر” (…).

وفي الوقت نفسه، دافعت طهران عن تمويلها لمحور المقاومة (حركة حماس في فلسطين، حزب الله في لبنان، جماعة أنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق). وبرغم أن تفكيك إسرائيل لمحور المقاومة بين عامي 2023 و2025 قد أدّى- إلى حدٍ ما- لإزالة الطبقة الوسيطة التي كانت تتيح لإيران استيعاب الضغوط الخارجية من دون مواجهتها مباشرة، شكّلت حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/يونيو 2025 اختباراً جديداً لها، إذ بقيت الهياكل المؤسسية الأساسية صامدة. وحتى بعد موجة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في كانون الثاني/يناير الماضي، استخلصت طهران الدروس نفسها التي تعلمتها من كل أزماتها السابقة: البديل عن الصمود هو الفناء، والاعتراف بالضعف أمام خصم يسعى لاستغلاله لن يؤدي إلّا إلى تسريع زوال النظام، ما يجعل الاستراتيجية الإيرانية المبنية على البقاء والتحمل أكثر رسوخاً من أي وقت مضى، وبالتالي تصبح نجاة الجمهورية الإسلامية بمثابة انتصار استراتيجي، طالما أن هدف الأعداء الأول هو القضاء على الثورة الإسلامية (…).

بالنسبة لقاعدة النظام الشعبية، وللعديد من الإيرانيين المعارضين للحكومة والذين لا يستطيعون تأييد تفكيك الدولة قسراً، شكّل هذا الصمود تحفيزاً إضافياً لم تتوقعه واشنطن ولا إسرائيل. لقد تبيَّن أن القوة العسكرية المطلوبة لكسر إرادة الجمهورية الإسلامية أكبر بكثير مما توقّع أيٌّ من الطرفين. بل إن الحرب جعلت منتقدي النظام داخل إيران أقل ميلاً للتحريض على انهياره، وهو ما يُبطل الأساس المنطقي لاستراتيجية إسرائيل (…).

ومع إغلاق مضيق هُرمُز، تسببت الخطوة الإيرانية في أزمة طاقة عالمية. كما أظهرت أن شركاء واشنطن الإقليميين يتحملون تكاليف حقيقية ومستمرة لانحيازهم (…). وقد صاغ المجلس الأعلى للأمن القومي وقف إطلاق النار ليس كنهاية للصراع، بل كهدنة مؤقتة، مؤكداً أن ذلك “لا يعني إنهاء الحرب”، وأن “أيديهم لا تزال على الزناد، وإذا ارتكب العدو أدنى خطأ، فسوف يُقابل بكل قوة” (…).

حقيقة متناقضة

يحمل التنافر الاستراتيجي للحملة الأميركية الإسرائيلية عواقب وخيمة، لا سيما على واشنطن. فخلال حرب الأيام الاثني عشر، كانت إسرائيل مستعدة لمواصلة الحرب نحو تغيير النظام قبل أن يُصدر ترامب تعليماته لنتنياهو بقبول وقف إطلاق النار. وقد عاد هذا التوتر، الذي تم كبحه آنذاك بسبب الطبيعة المحدودة للعملية الأميركية الرامية إلى تقويض القدرات النووية الإيرانية، ولكن هذه المرة بصورة أكثر تعقيداً وتعنتاً. ويبدو أن ترامب قد نجح مرة أخرى في فرض هدنة مؤقتة على الأقل. ولكن إذا أراد أن تكون المفاوضات طويلة الأمد، سيتعين عليه مواجهة حكومة إسرائيلية لا تزال أهدافها الحربية أكثر تطرفاً من أهدافه. والتوتر، الذي تمت إدارته بعناية حتى الآن، قد يتحول سريعاً إلى انقسام حقيقي وحاد، وستُسارع طهران إلى استغلاله.

بمعنى آخر، لا تملك واشنطن خيارات جيدة تُذكر لإنهاء الحرب نهائياً وفق شروطها الخاصة. فإعلان النصر استناداً إلى تراجع القدرات العسكرية الإيرانية، مع الإبقاء على النظام، لن يؤدي إلا إلى النتيجة التي سعت السياسة الأميركية على مدى أربعة عقود إلى منعها: نظام اجتاز اختباره الأكبر، ومعه كل الحوافز لإعادة بناء قدراته وتعزيزها، مصحوبة برؤية جديدة واضحة وهدف مُتجّدد.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

(*) حسين بنائي، أستاذ مُشارك في الدراسات الدولية في كلية هاميلتون لوغار للدراسات العالمية والدولية في جامعة إنديانا، بلومنجتون، ومؤلف مشارك لكتاب “جمهوريات الأسطورة: الروايات الوطنية والصراع الأمريكي الإيراني“.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  سوليفان في الرياض.. مراجعة سعودية وخلاصات