المواجهة التي شهدنا فصولها على مدى أكثر من خمسة أسابيع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران- قبل التوصل إلى هدنة الـ15 يوماً- ليست حرباً أيديولوجية خالصة، ولا مجرد تبادل عسكري محدود يمكن عزله عن سياقه الأوسع. هو صراعٌ على من يملك حق صياغة شروط التسوية المقبلة في الشرق الأوسط: من يُحدّد قواعد الردع، ومن يضبط أمن الملاحة، ومن يتحكم بالطاقة والممرات، ومن يفرض سقف النفوذ السياسي والاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب. لذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذا الصراع لا تكمن فقط في حجم الضربات أو الردود عليها، بل في القدرة على الخروج من المواجهة بموقع تفاوضي أعلى.
السيناريو الأرجح ليس نصراً كاسحاً لأي طرف؛ فلا واشنطن تبدو راغبة في حرب مفتوحة بلا سقف، ولا إسرائيل قادرة على تجاهل مخاطر الاستنزاف الطويل، ولا إيران معنية بالعبور إلى نقطة تُهدّد بقاء النظام نفسه. وعليه، فإن المخرج الأكثر واقعية ليس الحسم الكامل، بل فرض توازن تحت النار تخرج فيه واشنطن مدعية أنها أعادت الردع، وتقول إسرائيل إنها منعت تشكل تهديد استراتيجي أكبر، فيما تؤكد إيران أنها صمدت وفرضت كلفة وأثبتت أن تجاوزها مستحيل
من جهة واشنطن، يصعب فصل السلوك الأميركي عن الضغوط البنيوية داخل الاقتصاد الأميركي نفسه. فالدين العام الأميركي يدور حول 39 تريليون دولار، بينما يتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس عجزاً يبلغ نحو 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، مع صعود الدين إلى قرابة 120% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2036. هذه الأرقام لا تعني أن العجز هو سبب الحرب الأميركية ضد إيران، لكنها تفسر لماذا تميل إدارة دونالد ترامب أكثر فأكثر إلى مقاربة تعتبر الأمن والطاقة وحماية الممرات البحرية ملفات مرتبطة مباشرة بالكلفة والعائد. وفي هذا السياق، لم يكن تصريح الرئيس الأميركي لصحيفة “فايننشال تايمز” بأنه يفضّل «أخذ نفط إيران» زلة لسان عابرة، بل مؤشراً واضحاً إلى منطق سياسي يرى القوة الأميركية أداة لاستخراج مكاسب استراتيجية واقتصادية، لا مجرد أداة ردع تقليدية.
أما إيران، فهي لا تحتاج إلى «انتصار» تقليدي حتى تعتبر نفسها رابحة. ما تحتاجه هو إثبات أن كلفة استبعادها من أي نظام إقليمي أعلى من كلفة التفاهم معها. وهذا ما يمنح الاستراتيجية الإيرانية تماسكها: فهي تستند إلى مزيج من القدرة على الاحتمال والقدرة على التعطيل. وبرغم العقوبات الدولية، ما تزال إيران واحدة من أكبر القوى الطاقوية في العالم؛ فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، هي من بين أكبر الدول المالكة لاحتياطيات النفط والغاز، بينما تشير تقديرات “رويترز” المتخصصة إلى أنها تنتج نحو 3.3 مليون برميل يومياً من النفط الخام، إضافة إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً من المكثفات والسوائل الأخرى. هذا يعني أن إيران ليست مجرد خصم عسكري أو أمني، بل عقدة طاقة وجغرافيا وسوق كامنة لا يمكن تجاوزها بسهولة.
هنا تبرز الأهمية الحاسمة لمضيق هرمز. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مرّ عبر المضيق في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. كما تقدر الوكالة أن 84% من النفط والمكثفات المارة عبر هرمز تذهب إلى الأسواق الآسيوية، فيما لا تمثل الواردات الأميركية المارة عبره سوى نحو 2% من الاستهلاك الأميركي للسوائل النفطية. لذلك فإن ورقة هرمز ليست في جوهرها مجرد أداة ضغط على الولايات المتحدة، بل وسيلة لرفع كلفة الاضطراب على الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والاقتصاد العالمي كله. والأهم أن بدائل الالتفاف حول المضيق محدودة؛ إذ تقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية القدرة المتاحة فعلياً للتجاوز عبر السعودية والإمارات بنحو 2.6 مليون برميل يومياً فقط، وهي قدرة لا تعوض الحجم الحقيقي للتدفقات العابرة.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الحرب من زاوية مختلفة، وإن كانت متقاطعة مع واشنطن. فمن منظور تل أبيب، لا يقتصر الهدف على معاقبة إيران أو الرد على ضربة بعينها، بل يتجاوز ذلك إلى منعها من التحول إلى قوة ردع مستقرة تستطيع أن تفرض حدوداً على حرية الحركة الإسرائيلية. وهذا ما يفسر وصف إسرائيل الضربة الافتتاحية بأنها «وقائية»، كما يفسر تصريحات مسؤوليها اللاحقة التي ربطت العملية بإضعاف قدرة إيران على تهديد إسرائيل والمنطقة. وبذلك، لا تكون إسرائيل فقط طرفاً أمنياً مباشراً في الحرب، بل مستفيداً استراتيجياً من أي نتيجة تقلص الوزن الردعي الإيراني على المديين المتوسط والبعيد.
إذا جُمعت هذه العناصر معاً، تتضح الصورة أكثر: الولايات المتحدة تريد إبقاء قواعد الأمن والطاقة تحت مظلتها، وإسرائيل تريد منع تشكل توازن ردع جديد، وإيران تريد فرض الاعتراف بها لاعباً لا يمكن تجاوزه. لهذا لا تبدو «الجائزة» الحقيقية في الحرب أرضاً أو شعاراً أو حتى تفوقاً نارياً مؤقتاً، بل الحق في صياغة النظام الإقليمي الجديد. فكل طرف يقاتل اليوم لتحسين موقعه على طاولة التسوية المقبلة، لا لحسم الصراع نهائياً وإلى الأبد.
ولهذا أيضاً، فإن السيناريو الأرجح ليس نصراً كاسحاً لأي طرف؛ فلا واشنطن تبدو راغبة في حرب مفتوحة بلا سقف، ولا إسرائيل قادرة على تجاهل مخاطر الاستنزاف الطويل، ولا إيران معنية بالعبور إلى نقطة تُهدّد بقاء النظام نفسه. وعليه، فإن المخرج الأكثر واقعية ليس الحسم الكامل، بل فرض توازن تحت النار تخرج فيه واشنطن مدعية أنها أعادت الردع، وتقول إسرائيل إنها منعت تشكل تهديد استراتيجي أكبر، فيما تؤكد إيران أنها صمدت وفرضت كلفة وأثبتت أن تجاوزها مستحيل.
في الخلاصة؛ الحرب التي شهدناها ليست حرباً في الميدان وحده. هي حربٌ على شروط التسوية. وهذا هو المعنى الأعمق الذي يستحق أن يُكتب بوصفه مقالاً تحليلياً: من يربح حق تعريف المرحلة التالية؟ حتماً هو الذي يربح فعلياً، حتى لو بدت الشاشات مشغولة بالصواريخ والحرائق وسرديات الانتصار الآني.
