وظيفة المقاومة.. وحدودها

في الحروب غير المتكافئة، يتبدّل تعريف القوة من كمٍّ صلب إلى قدرةٍ مرنة على إدارة الممكن. هنا تتقدّم المقاومة بوصفها بنية دفاعية تُصاغ على قياس الضرورة، حيث لا تملك فائض العتاد، ولا وفرة العدد، إنما تمتلك ما يكفي لصياغة أثرٍ مؤثّر داخل معادلة أكبر منها. هذا النمط من الفعل يجد جذوره في أدبيات الدراسات الإستراتيجية التي تتناول الحروب اللامتناظرة، حيث يُعاد تعريف النجاح عبر الاستنزاف، التعطيل، وإرباك الإيقاع العملياتي للخصم، بدل السعي إلى حسمٍ شامل.
لوحة بنت جبيل للفنان اسامة بعلبكي

تشير قراءات هذا الحقل إلى أن الفاعل الأضعف يعوّض الفارق عبر المرونة، الانتشار، وحسن توظيف البيئة الجغرافية والبشرية، وهي عناصر تناولها الباحث إيفان أريغين-توف في تحليله لأنماط الانتصار في الحروب غير المتكافئة، حيث يظهر أن الصمود المنظّم يُنتج نتائج استراتيجية تفوق أثر التفوق العسكري المباشر.

من هذا المنظور، تتخذ المقاومة وظيفة محددة: إبطاء التقدّم، رفع كلفة الاحتلال، وتفكيك يقين الخصم بقدرته على الحسم السريع. هذه الوظيفة تُقاس بمدى قدرتها على خلق زمنٍ إضافي، زمنٍ يتحوّل إلى مساحة تفاوضية أو ضغط سياسي أو حتى إعادة تشكيل للميدان. وهنا يلتقي التحليل مع ما طرحه كارل فون كلاوزفيتز، أحد أهم المفكرين الاستراتيجيين عبر التاريخ، حين اعتبر أن الحرب امتدادٌ للسياسة بوسائل أخرى، حيث تصبح كل دقيقة تأخير فعلاً سياسياً بحد ذاته.
في هذا السياق، يظهر الفعل المقاوم كفنّ إدارة للحدود: حدود القوة، حدود التوقيت، وحدود التصعيد. فلا يُطلب منه أن يمنع الاختراق بالكامل، بل أن يجعل كل خطوة للخصم مكلفة، متعبة، ومفتوحة على الاحتمال. هذه المقاربة تتقاطع مع مفهوم “الإنهاك الاستراتيجي” الذي تُدرّسه “مؤسسة راند” البحثية الأميركية، حيث تُفهم المواجهة كعملية تراكمية تستنزف الإرادة قبل العتاد.
وحين يتزامن الفعل المحلي مع دعم خارجي أو إقليمي، تتغيّر صورة الميدان. التزامن يخلق طبقة إضافية من الضغط، يربك منظومات الدفاع، ويمنح الفاعل الأصغر مساحة أوسع للحركة. في تلك اللحظة، يتضاعف الأثر، ويبدو الأداء أكثر كثافة. ثم، مع انحسار هذا التزامن، تعود المعادلة إلى حجمها الطبيعي، فيظهر التفاوت بوضوح، ويستعيد الميدان إيقاعه الأحادي.
هنا تتجلّى المسألة في بعدها الأعمق: المقاومة فعلٌ أخلاقي واستراتيجي في آن، وظيفته الحفاظ على الأرض ضمن شروط الممكن، مع إبقاء الخصم في حالة تعب دائم. إنّها إدارة واعية لميزان مختل، تُقاس قيمتها بقدرتها على الاستمرار، لا بقدرتها على الحسم، وبقدرتها على تشكيل الزمن، لا بإلغائه.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  رفيق الحريري.. وسؤال الدولة المستحيلة في لبنان
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  هذه غزّة المُلهِمة.. لا تركع ولا تستكين