رفيق الحريري.. وسؤال الدولة المستحيلة في لبنان

لم يكن اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط/فبراير 2005 حدثًا سياسيًا عاديًا في تاريخ لبنان، بل شكّل لحظة فاصلة أسّست لمرحلة كاملة، نقلت البلاد من محاولة متعثّرة لبناء الدولة إلى مسار طويل من تفكيكها المنهجي.

لم يُستهدف رفيق الحريري بوصفه زعيمًا لبنانيًا فحسب، بل باعتباره حامل مشروع سياسي–اقتصادي تناقض جذريًا مع الاتجاه الذي كانت تُدفع إليه البلاد والمنطقة في آن واحد. وبعد واحدٍ وعشرين عامًا، لم يعد السؤال محصورًا في العدالة الغائبة أو الحقيقة المؤجَّلة، بل بات أكثر عمقًا وإلحاحًا: هل اغتيل رفيق الحريري لأن مشروعه شكّل تهديدًا لمشاريع كانت تُرسم للبنان والمنطقة؟ وهل بقي من مشروع الحريري ما يُمكن إنقاذه؟

من الخطأ مقاربة مشروع رفيق الحريري بوصفه ظاهرة لبنانية صرفة، إذ أنّ صعوده تزامن مع لحظة إقليمية دقيقة كان الشرق الأوسط خلالها يستعد لتحوّلات كبرى، بدءًا من إعادة تموضع القوى الدولية بعد الحرب الباردة، وصولًا إلى تصاعد أدوار إقليمية سعت إلى توسيع نفوذها عبر دول ضعيفة أو معلّقة. في هذا السياق، بدا مشروع الحريري نشازًا؛ فهو لم يكن مشروع مواجهة مباشرة، لكنه في الوقت نفسه لم يكن مشروع خضوع. كان محاولة لإعادة إدراج لبنان في منطق الدول الطبيعية: دولة بحدود معترف بها، واقتصاد مفتوح، وعلاقات عربية ودولية متوازنة، وسلطة مركزية قادرة، ولو نسبيًا، على ضبط تناقضاتها الداخلية. غير أن هذا النموذج لم يكن مرغوبًا إقليميًا، إذ أن الدولة القابلة للحياة تُربك المشاريع التي تحتاج إلى ساحات لا إلى شركاء، وإلى فوضى مضبوطة لا إلى استقرار سيادي. من هنا، يصبح اغتيال الحريري قابلًا للقراءة كجزء من مسار أوسع هدفه منع تشكّل أي نموذج دولة في لبنان، حتى وإن كان نموذجًا ناقصًا ومثقلًا بالتسويات.

قد لا يُعرَف يومًا ما الذي كان يمكن أن يصبح عليه رفيق الحريري لو أُتيح له أن يخطئ أكثر أو أن يُصحّح أكثر، لكن المؤكّد أن قصته لم تكن استثناءً، بل مرآة. مرآة لشرقٍ لا يعرف كيف يبني دولة، ولا كيف يحمي رموزه، ولا كيف يتصالح مع فكرة أن المشاريع لا تُقتل، بل تُناقَش. وفي انتظار أن يتغيّر هذا الشرق، سيبقى رفيق الحريري، لا كإجابة نهائية، بل كسؤال مفتوح، مؤجَّل، ومؤلم

لم يكن الاقتصاد في مشروع رفيق الحريري خيارًا تقنيًا محضًا، بل أداة سياسية بامتياز. فقد أدرك أن الدولة اللبنانية لا يمكن أن تستعيد دورها بالقوة أو بالشعارات، بل عبر ربط الاستقرار بمصالح واسعة تتضرر من الانهيار وتستفيد من السلم. لذلك، لم تكن سياسات الانفتاح الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وإعادة وصل لبنان بمحيطه العربي والدولي، مجرد وصفات للنمو، بل محاولة لإعادة تعريف وظيفة لبنان: من ساحة صراع إلى مساحة تلاقٍ، ومن ورقة تفاوض إلى كيان قابل للحياة. هذا الرهان، بكل ما يحمله من مخاطر، اصطدم مباشرة بمنطق الاقتصاد الموازي، واقتصادات السلاح، والتمويل غير الشرعي، وهي منظومات لا تزدهر إلا في ظل دولة ضعيفة أو غائبة.

كسر الفكرة الحريرية

بعد عقدين ونيف من الزمن على شطب رفيق الحريري جسديًا، يفرض السؤال نفسه بلا مواربة: لماذا لم يُسمح لمشروعه بأن يفشل سياسيًا كما تفشل المشاريع في الدول الطبيعية؟ ولماذا كان لا بدّ من تصفيته جسديًا؟

يكمن الجواب في طبيعة التهديد الذي مثّله هذا المشروع. فهو لم يكن مشروع هيمنة، بل مشروع توازن، وهذا ما جعله خطِرًا. فالتوازن يقيّد فائض القوة، ويجبر اللاعبين المحليين والإقليميين على العمل ضمن قواعد محددة. والدولة، حتى في صيغتها الناقصة، تفرض حدودًا، فيما تُضعف التسوية المستمرة سرديات الصدام الوجودي، ويخلق الاقتصاد المنفتح شبكات مصالح عابرة للمحاور. لذلك، لم يكن مستغربًا أن يُنظر إلى هذا المشروع بوصفه عائقًا بنيويًا أمام مسارات إقليمية اتجهت نحو تعميم نموذج «الدولة الضعيفة ذات الوظيفة».

لم يكن اغتيال رفيق الحريري إنهاءً لمسيرته السياسية فحسب، بل محاولة واعية لكسر الفكرة التي كان يحملها. فقد أظهرت المرحلة التي تلت عام 2005 بوضوح أن المطلوب لم يكن غياب الرجل فقط، بل تفريغ مشروعه من مضمونه وتحويله إلى ذكرى قابلة للاستهلاك السياسي.

ومع مرور الوقت، تحوّل الحريري من فاعل سياسي إلى رمز، ومن مشروع متكامل إلى سردية عامة، فيما جرى استبدال النقاش حول الدولة بنقاشات تتعلق بالتمثيل والزعامة والحصص. عند هذه النقطة، بدأ التآكل الحقيقي للمشروع، ليس فقط بفعل خطاب خصومه، بل أيضًا بفعل عجز أنصاره عن الدفاع عنه بوصفه برنامجًا سياسيًا لا مجرد إرث.

في المقابل، لم يكن خصوم رفيق الحريري، في معظمهم، ضد فكرة الدولة في الخطاب، لكنهم كانوا ضدها في الممارسة. فقد كانت الدولة مقبولة لديهم فقط ما دامت لا تمسّ جوهر موازين القوة، ولا تحتكر القرار السيادي، ولا تُخضع السلاح والاقتصاد والسياسة لمنطقها. ولم يكن الخلاف مع الحريري محصورًا في قضايا الفساد أو السياسات المالية، بل ارتبط بسؤال أعمق: من يحكم فعليًا؟ فالدولة التي سعى إليها، ولو بحدودها الدنيا، شكّلت تهديدًا مباشرًا لمنطق السلطة المزدوجة، وللاستفادة السياسية من ضعف المؤسسات. واليوم، بعد الانهيار الشامل، يعيد كثيرون من خصومه اكتشاف خطاب الدولة، غالبًا بوصفه أداة تفاوض أو غطاءً لفظيًا، لا مشروعًا يتطلّب كلفة حقيقية وتنازلات فعلية.

إقرأ على موقع 180  الفراغ الرئاسي والصراع على صيغة الحكم

على الضفة الأخرى، لم ينجح أنصار رفيق الحريري في تحويل المشروع إلى قوة سياسية مستقلة عن الشخص. فبعد الاغتيال، طغى منطق الحفاظ على الموقع على منطق تطوير المشروع، ومع كل تسوية اضطرارية كان هذا المشروع يفقد جزءًا إضافيًا من مضمونه. ومع مرور الوقت، تحوّل القبول بمنطق «الحد الأدنى الممكن» من خيار مرحلي يبدو واقعيًا إلى سياسة دائمة، أفرغت خطاب الدولة من محتواه، وحوّلته إلى شعار دفاعي داخل نظام لا يعترف بالدولة إلا بوصفها إدارة خدمات.

ربما تكمن مأساة رفيق الحريري في أنه لم يكن ملاكًا يستحق الرثاء المطلق، ولا شيطانًا يُبرّر اغتياله، بل كان واحدًا من تلك الظواهر الرمادية التي يعجز هذا الشرق عن التعامل معها. شرقٌ يرفع أبناءه بسرعة مذهلة من القاع إلى القمّة، ثم يتركهم وحيدين في مواجهة لحظة السقوط، كأن الصعود نفسه خطيئة تستوجب العقاب

هل يُمكن إنقاذ الفكرة؟

منذ عام 2005، دخل لبنان مرحلة لم تعد فيها الدولة هدفًا بحدّ ذاتها، بل عبئًا. فالحكومات المتعاقبة لم تُخطّط بقدر ما أدارت أزمات متراكمة، والسياسة لم تُنتج حلولًا بقدر ما سوّغت الانهيار. وفي هذا المناخ، لم يعد لمشروع رفيق الحريري، ولا لأي مشروع دولة، مساحة فعلية. ولم يكن الانهيار المالي حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من تفريغ الدولة من وظائفها، ما يجعل السؤال أقل ارتباطًا بأخطاء الحريري، وأكثر اتصالًا بنظام لم يسمح بقيام بديل.

في هذا السياق، يبدو أن ما يمكن إنقاذه من مشروع رفيق الحريري ليس وصفاته ولا تحالفاته، بل فكرته المركزية: أن الدولة ليست ترفًا ولا شعارًا، بل شرط بقاء. غير أن إنقاذ هذه الفكرة يتطلّب قطيعة واضحة مع منطق الرمزية، ومع الاستخدام الانتقائي لفكرة الدولة. وبعد واحدٍ وعشرين عامًا على اغتياله، يتّضح أن رفيق الحريري لم يُغتل فقط لأنه كان زعيمًا قويًا، بل لأنه مثّل احتمال قيام دولة في زمن كانت تُعاد فيه صياغة المنطقة على حساب الدول. وربما كان اغتياله جزءًا من مسار إقليمي أكبر، لكن استمرار غياب مشروع الدولة في لبنان لم يعد مسؤولية الخارج وحده، بل تحوّل إما إلى خيار داخلي مدروس أو تواطؤ داخلي صامت.

اليوم، لم يعد السؤال المطروح ما الذي تبقّى من مشروع رفيق الحريري، بل ما إذا كان في لبنان من يريد دولة فعلًا، أم أن الجميع بات مرتاحًا في دولة غائبة لا تُحاسب أحدًا ولا تحمي أحدًا. فالسؤال الحقيقي لم يعد يتعلّق بقابلية المشروع للإحياء، بل بوجود من يقبل بدفع كلفة الدولة سياسيًا واقتصاديًا وسياديًا.

ربما تكمن مأساة رفيق الحريري في أنه لم يكن ملاكًا يستحق الرثاء المطلق، ولا شيطانًا يُبرّر اغتياله، بل كان واحدًا من تلك الظواهر الرمادية التي يعجز هذا الشرق عن التعامل معها. شرقٌ يرفع أبناءه بسرعة مذهلة من القاع إلى القمّة، ثم يتركهم وحيدين في مواجهة لحظة السقوط، كأن الصعود نفسه خطيئة تستوجب العقاب. في هذا الشرق، لا تُمنح الشخصيات السياسية وقتها الطبيعي للاختبار، ولا تُترك المشاريع لتفشل أو تنجح ضمن قواعد واضحة، بل يُدفع كل شيء إلى أقصى حدّ: إمبراطور أو خائن، مُخلّص أو خطر وجودي. وعندما تبلغ الرموز ذروة حضورها، تتحوّل إلى عبء على النظام الذي صنعها، فيُقرَّر التخلّص منها دفعة واحدة.

كان رفيق الحريري ابن هذه التناقضات. صعد سريعًا، وحمل مشروعًا أكبر من قدرته وأصغر من أحلامه، واصطدم بجدران لم يكن هو من بناها، ودفع ثمن محاولة تنظيم فوضى لا تريد أن تُنظَّم. لم يُمنح الوقت الكافي ليُدان أو ليُبرّأ، لأن هذا الشرق لا يحاكم بقدر ما يكسر. وبعد واحدٍ وعشرين عامًا، لا يزال السؤال معلّقًا، لا لأن الإجابة غائبة، بل لأن الظاهرة نفسها لم تنتهِ. فما زال الشرق يصنع رموزه بالطريقة ذاتها، ويرفعهم إلى أقصى العلو، ثم يرميهم بلا رحمة، ويُسمّي ذلك قدرًا لا بد منه أو مؤامرة أو مصادفة أو ضرورة تاريخية.

قد لا يُعرَف يومًا ما الذي كان يمكن أن يصبح عليه رفيق الحريري لو أُتيح له أن يخطئ أكثر أو أن يُصحّح أكثر، لكن المؤكّد أن قصته لم تكن استثناءً، بل مرآة. مرآة لشرقٍ لا يعرف كيف يبني دولة، ولا كيف يحمي رموزه، ولا كيف يتصالح مع فكرة أن المشاريع لا تُقتل، بل تُناقَش. وفي انتظار أن يتغيّر هذا الشرق، سيبقى رفيق الحريري، لا كإجابة نهائية، بل كسؤال مفتوح، مؤجَّل، ومؤلم.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  متى يستعيد الوجود العربي قوامه؟