كان ذلك تطورًا جوهريًا في الحياة السياسية والنقابية المصرية، أثار فزع الحكم وتوجهه لاستصدار القانون المعيب رقم (100)، الذي فرض ما يشبه الوصاية على النقابات المهنية.
في لقاء لوفد من النقابات المهنية مع رئيس مجلس الشعب الدكتور «فتحي سرور»، قال موجّهًا حديثه إلى «مختار نوح»، الذي رحل قبل أيام: «كان لازم تاخدوا مجلس نقابة المحامين كله»!
في تراجيديا الحياة السياسية، تراوحت مصائر القيادات الثلاثة بين الفصل من الجماعة والطلاق السياسي المؤقت أو الدائم.
لم تكن تلك محض مصادفة، بقدر ما كانت تعبيرًا خشنًا عن التفاعلات الداخلية بين حرس قديم ينتمي إلى تجربة «السيد قطب»، تنظيم (1965)، وجيل جديد تأثر بدرجة ما بتجربة الانتفاضات الطلابية في حقبة السبعينيات، لكنه لم يكن جزءًا منها.

كانت التظاهرات الطلابية عام (1972)، بحجمها وأثرها، إعلانًا مدويًا عن ميلاد جيل جديد ما يزال حاضرًا ومؤثرًا حتى الآن.
ارتبطت لحظة الميلاد مع نداء استعادة الأراضي المحتلة بقوة السلاح، ورفض المماطلة في اتخاذ قرار الحرب.
كان الرئيس «أنور السادات» قد تعهّد بأن يكون عام (1971) هو «عام الحسم»، لكنه تراجع وأطلق عليه «عام الضباب»، حيث احتجبت الرؤية خلف ضباب الحرب الهندية ــ الباكستانية.
بعد يومين من «خطاب الضباب» ــ (15) يناير ــ تصاعدت الاحتجاجات والاعتصامات في الجامعات المصرية، وسرت روح عامة غاضبة.
ما كان ساكنًا في الحياة العامة أخذ يزمجر بالرفض لأي «حلول سلمية» يؤجَّل باسمها قرار الحرب.
صدرت بيانات دعم وتأييد من النقابات المهنية الرئيسية: «الصحفيين» و«المحامين» و«المعلمين»، ثم «المهندسين»، ونقابات أخرى تتابعت دعوتها لـ«حرب تحرير شاملة».
وصف «السادات» محرّكي الانتفاضة الطلابية بـ«القلة المندسة»، التي تضلل «القاعدة السليمة»، وهو تعبير شاع على نطاق واسع في الخطاب الرسمي، واعتمد لسنوات طويلة عند أي أحداث مماثلة حتى استُهلك تمامًا.
لم يكن الرئيس الجديد مقنعًا لقطاعات كبيرة من المواطنين بقدرته على ملء فراغ سلفه الراحل، وكانت رياح المعارضة تهب عليه من داخل نظامه وخارجه على السواء.
بدأ التفكير مبكرًا ــ وهذا ثابت ومؤكد بشهادات واعترافات ــ في استخدام الورقة الدينية لضرب التيارين الناصري والماركسي، اللذين هيمنا على الحركات الطلابية.
جرت اتصالات لعودة أقطاب جماعة «الإخوان المسلمين» من الخارج والتصالح معها.

برز في الحلقة المقرّبة «محمد عثمان إسماعيل»، محافظ أسيوط الأسبق، صاحب العبارة الشهيرة: «أعداء النظام ثلاثة: الشيوعيون، والناصريون، والأقباط».
شرع في تأسيس «الجماعة الإسلامية» بالجامعات المصرية لمواجهة الطلاب اليساريين الذين يعارضون «السادات».
هكذا نشأ جيل السبعينيات الآخر.
أُريد له أن يكون قبضة حديدية تفرّق التظاهرات والاحتجاجات بالعصي والهراوات والجنازير.
بعد وقت قصير، انقلب السحر على الساحر، واغتيل الرئيس نفسه على يد القوى التي عوّل عليها لضرب خصومه اليساريين.
ظاهرة جيل السبعينيات الآخر لم تأخذ حقها في البحث والدراسة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، بما في ذلك التفاعلات والتحولات والانقلابات أحيانًا على إرث الجماعة نفسها.
يوصف «عبدالمنعم أبو الفتوح» بأنه المؤسس الثاني للجماعة بإدخال أجيال جديدة إلى عضويتها، غير أنه فُصل منها، وجرت مطاردته سياسيًا وفي عمله ورزقه، حتى إن الشيخين «يوسف القرضاوي» و«راشد الغنوشي» خاطبا قادتها بالتضامن معه: «كفاية كده».
عانى «مختار نوح» مصيرًا مقاربًا، لكنه ردّ بلغة أكثر حدة، مفارقًا إرث الجماعة كله.
بدت تجربة «أبو العلا ماضي» أكثر تعبيرًا عن أزمة الجماعة.
أنشأ حزب الوسط بطلب منها، لكنها تراجعت عن هذه الخطوة ودخلت في صراعات مفتوحة معه.

بقوة حركة المجتمع، اضطرت الجماعة إلى إدخال مصطلحات على قاموسها السياسي تخالف ثقافتها المتوارثة، مثل الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، غير أن الخطاب المستحدث لم ينجح في تغيير صورتها، واستقرت في البيئة العامة شكوك تفاوتت حدتها حول جدية حديثها عن الاندماج في قواعد اللعبة السياسية.
لم تحاول أن يستقيم اعترافها بالتعددية والديمقراطية مع ضرورات مراجعة تاريخها منذ نهايات عشرينيات القرن الماضي، أو أن تتخلى عن خطاب التبرير أو التجهيل بحوادث لا سبيل إلى إنكارها، كالتورط في أعمال عنف واغتيالات سياسية.
ولم تحاول أن تؤسس لعلاقات مع القوى السياسية الحية في البلاد بلا استعلاء، أو توهم احتكار الحقيقة والحكمة.
كانت مشكلة الرئيس الأسبق «حسني مبارك» أنه لم يحاول إصلاح بنية النظام من داخله وإرساء قواعد دولة مدنية حديثة، وكانت النتائج كارثية تمامًا.
عند سقوط نظامه، لم تكن هناك أحزاب وقوى مدنية مهيأة لكسب الانتخابات التي تلت ثورة «يناير».
في لقاء ضمني مع بعض قيادات «الإخوان» في البرلمان، قلت ما نصه، ونشرته في حينه: «عليكم أن تحسموا أمركم، فلا أحد يقبل في مصر بحزب علني للإخوان مع بقاء التنظيم السري».
كان هناك داخل الجماعة صراع مكتوم، يخرج إلى العلن أحيانًا، بين تيار يقوده المرشد العام الراحل «مهدي عاكف» يدعو إلى حزب علني مع بقاء التنظيم السري، وتيار يقوده الدكتور «عبدالمنعم أبو الفتوح»، عضو مكتب الإرشاد وأمين عام اتحاد الأطباء العرب في ذلك الوقت، يدعو ــ عند السماح بحزب علني ــ إلى حل التنظيم السري.
انتصر التيار الأول وأكد هيمنته على التنظيم السري، بعد أن أمسك «القطبيون» بمقاليده عند صعود «محمد بديع» إلى منصب المرشد العام إثر استقالة «مهدي عاكف».
انكفأ التيار الثاني على نفسه، أو أنشأ أحزابًا جديدة كـ«الوسط» و«مصر القوية»، دون أن يحدث قطيعة نهائية مع الجماعة الأم.
أحد أوجه أزمة «الإخوان» مع مجتمعهم أن الذين خاطبوا الرأي العام بلغة العصر ونجحوا في اكتساب عطفه لم يكونوا هم صناع القرار داخلها ولا قوتها الضاربة.
لم تكن الصراعات شبه المكتومة داخل الجماعة بين المتشددين والإصلاحيين ادعاءات تُروى لإحكام خديعة الرأي العام، أو مؤامرات محبوكة لإخفاء الحقيقة.
بموازين القوى ومواريث الأفكار، حُسمت الخيارات الأخيرة، التي أفضت إلى كل ما جرى بعد «يناير».
كان لغياب القواعد الدستورية الملزمة، بالإضافة إلى الإضعاف المنهجي للمجتمع السياسي المدني، تأثيره الفادح في إطلاق أشباح العنف والصدام، وتزكية أكثر الأفكار تشددًا داخل الجماعة السرية.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
