ماذا يعني أن تكون إيران “السور الواقي” لكل من الصين وروسيا؟

ليس سراً لمن يولي اهتماماً جدياً بالشؤون الجيوسياسية، أن واشنطن لو تمكنت من كسر النظام الإيراني محققةً الأهداف الاستراتيجية المعلنة للحرب الأميركية الإسرائيلية عليه، لصار عديم الجدوى الحديث عن "السور الواقي" الذي يحمي الصين وروسيا من التطويق في خضم الصراع العالمي بين القوى الكبرى.

إيران، وكما تُبيّن لنا الخرائط، هي فعلاً السد الذي يمنع تطويق الصين وروسيا من جانب أميركا، ذلك أنها تمثل “الكوريدور” البرّي الذي يضطلع بدور الجسر بين إيران وآسيا الوسطى عبر بحر قزوين. وفي حال سيطرت أميركا عليه، تخسر روسيا جناحها الجنوبي، فيما تخسر الصين إمكانية الوصول الآمن إلى مصادر الطاقة في منطقة الخليج. وفي هذه الحالة ينقطع الخط بين إيران والصين، وهو عنصر حاسم لاستراتيجية “الحزام والطريق” الصينية، ويصبح النفط الإيراني المُخصّص للصين تحت السيطرة الأميركية.

إن تصور إيران الخاضعة لأميركا، من بعد خسارة أوكرانيا في الغرب والقوقاز في الوسط لمصلحة الولايات المتحدة، يجعل روسيا مكشوفة على جبهتها الجنوبية ويُحوّل بحر قزوين إلى بحيرة أطلسية.

تشابهار

أكثر من ذلك، إن “إيران الأميركية” قد تقترب من الهند، الأمر الذي يجعل محور الهند – إيران – تشابهار(ميناء إستراتيجي داخل الحدود الإيرانية يُشرف على بحر العرب)، منافساً لمحور الصين – باكستان – غوادر(ثالث أكبر ميناء بحري في باكستان يتميز بعمقه وبكونه نقطة التقاء بحرية بين العديد من الخطوط؛ لذلك، يُسمى “اللؤلؤة المشرقة” للمر الإقتصادي الصيني الباكستاني وهو يبعد 120 كيلومتراً عن الحدود الإيرانية الباكستانية)، وبالتالي إذا سقط المحور الأول، تكتمل عملية تطويق الصين، بحراً وبراً.

بهذا المعنى، تُمثل إيران عقدة مركزية في “منطقة القلب” (Heartland) الأوراسية، ومن دون إيران فإن الصين وروسيا تنكشفان أمام الولايات المتحدة الأميركية وتصبحان مغلولتين في كماشة أوروبا – الهند – الشرق الأوسط.

نقلب الصفحة لعلنا نرى ما يُمكن أن يحدث في حال سيطرت أميركا على إيران؟

غوادر

في المدى القريب قد تنشأ حالة من الفوضى، كما رأينا في العراق (2003) أو في ليبيا (2011) فضلاً عن خطر حرب أهلية يدفع بالأقليات مثل الأكراد والبلوش والأذريين إلى التورط في عملية تفكيك إيران. ولا يُستبعد في الحالة المتصورة إياها، أن يجري تعزيز القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج والمحيط الهندي، في الوقت الذي ترتفع الضغوط على منطقة القوقاز وتنتقل أرمينيا وأذربيجان إلى المعسكر الأميركي كلياً.

في المدى المتوسط، قد تفقد الصين عشرة بالمئة من وارداتها النفطية، وتضطر إلى الاعتماد على مضيق ملقا بالكامل ليصبح هذا الممر المائي نقطة اختناق كاملة. كذلك تفقد روسيا حليفها الإيراني. أما ممر “شمال جنوب” الذي يربط بين روسيا والهند عبر إيران، فتتعطل وظيفته في حال سقوط النظام الإيراني.

في هكذا حالة، قد تجد تركيا نفسها قوة إقليمية وحيدة، فإما أن تتخلى عن مساحة الاستقلال الذاتي التي انتزعتها من قيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أو تُصاب بالارتباك لتعود وتتوازن عبر الاقتراب من الكتلة الجيوسياسية الصينية – الروسية تجنباً للوقوع في المصيدة الإسرائيلية.

ويبقى السؤال لماذا فشلت واشنطن في إسقاط النظام الإيراني وخرق “السور الواقي” لكل من الصين وروسيا؟

الهضبة الإيرانية تمتد جغرافياً على ما يشبه قارة جبلية مساحتها 1.6 مليون كلم2، ويسكنها أكثر من 90 مليون نسمة يلتف معظمهم حول الدولة وإدارة الحكم الديني لاعتبارات وطنية وروحية تتعلق برؤيتهم إلى التاريخ ودور الإمبراطورية الفارسية وتمسكهم بقيم العقيدة الإسلامية الشيعية وفي مقدمها الاستقلال الوطني ومقاومة التدخل الخارجي. ويبدو غزو إيران عسكرياً مهمة مستحيلة أو تكاد أن تكون مستحيلة، لاعتبارات جغرافية وأخرى أيديولوجية تتعلق بالتعبئة الشعبية التي تجعل هذه العملية مهمة انتحارية للغزاة، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار تجربتي العراق وأفغانستان. وقد ظهرت اليد العليا الإيرانية في الصواريخ الباليستية التي قوّضت الحماية الأميركية للدول الخليجية، وكشفت نقاط ضعف قاتلة للردع الإسرائيلي، من دون أن ننسى تحويل مضيق هرمز الذي يمر عبره عشرين بالمئة من الطاقة العالمية، إلى عامل ضغط هائل على الاقتصاد العالمي والداخل الأميركي في آن معاً.

وفي ضوء ما تقدم، تدرك الصين وروسيا، أنه إذا سقطت إيران فإن الأبواب قد تُفتح للأميركيين في آسيا الوسطى، وهذا ما يُفسّر الدعم السياسي والاقتصادي والاستخباراتي الصيني والروسي لإيران. ومن هنا تتبلور مقولة أن سقوط إيران من شأنه أن يُسقط “السور” الذي يحمي الصين وروسيا. واشنطن تعرف ذلك، كما بكين وموسكو. وعليه فإن الملف الإيراني يبدو حالياً هو الأكثر خطورة في المنطقة والعالم، لكون مضيق هرمز هو العقدة التي يُمكن أن تخنق الصين في حال وقوع إيران تحت الهيمنة الأميركية.

ولكي تكون الصورة واضحة في هذا السياق، علينا أن نُذكّر بأرقام أساسية ومنها أن أربعين في المئة من النفط الصيني يأتي من الخليج وتحديداً من السعودية وإيران والعراق والكويت والإمارات، وأن تسعين بالمئة من هذا النفط يمر عبر مضيق هرمز.

وبالنظر إلى أن الصين لا تنتج سوى 30 بالمئة من النفط الذي تستهلكه، فإنها تُعتبر المستورد العالمي الأول للنفط، ومن دون مصادر منطقة الخليج، فإن اقتصادها يتعثر في ظل توقف المصانع لافتقادها للمحروقات، كما تتعطل وظيفة الجيش مع استهلاك المخزون الاحتياطي من الطاقة خلال فترة تمتد من ستين إلى تسعين يوماً.

إقرأ على موقع 180  خلاصات الحرب الإسرائيلية الإيرانية.. والدرع الإقليمي المطلوب!

ويكفي أن نُسجل في ختام هذه العُجالة أحد السيناريوهات المتعلقة بحصار الصين عبر مضيق هرمز: إذا تمكنت واشنطن من إسقاط النظام الإيراني فإن الولايات المتحدة تسيطر على الضفة الشمالية للمضيق، في الوقت الذي تعود الضفة الجنوبية إلى الإمارات وسلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، وهم حلفاء الولايات المتحدة.

وهكذا يصبح هرمز حنفية أميركية وبتحريك هذه الحنفية يُمكن خنق الصين من دون إطلاق صاروخ واحد عليها.

Print Friendly, PDF & Email
ميشال نوفل

كاتب وصحافي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الحريري ينتظر موعداً أميركياً.. يُفرج عن حكومته!