التكريم قناعاً.. قراءة في رسالة عقل العويط إلى المثقفين العامليين!

أن نُكرّم فرداً أو جماعة هو فعل تقدير عميق. هو رسالة كريمة ـ التكريم كلمة مشتقة من الكرم في لغتنا الجميلة ـ فحواها اعتراف بإبداع فرد أو جماعة، اعتراف بجهوده (جهودها) الخلاقة أو مرتبته (مرتبتها) الرفيعة في محيط قريب أو مجتمع أرحب.

في مقال الشاعر والناقد الأدبي والأستاذ الجامعي اللبناني والصحفي عقل العويط، الصادر في صحيفة “النهار” البيروتية في 18/ 04/ 2026، المعنون “رسالة إلى أهلي وأرضي في جبل عامل” إضافة إلى عنوان آخر فرعي “أنتم لستم “قبل” أو “بعد”. أنتم في صميم ما يبقى، حين يمرّ كلّ شيء”. في مقاله هذا أو بالأحرى في نصه الأدبي المطرز بعناية راهبة امتهنت أعمال الإبرة منذ نعومة أظافرها وواصلت صنعتها في صومعتها، بحرفية الخزّاف وصائغ الحلي وصاقل الألماس؛ في نصه رسالة وجدانية مؤثرة يريد من خلالها الشاعر، ابن بلدة بزيزا (من قرى الكورة في شمال لبنان)، أن يُكرّم مجموعة من مثقفي الجنوب اللبناني، مفكرين وباحثين وتشكيليين وشعراء من بينهم أحمد بيضون، وجيه كوثراني، وضاح شرارة، حنان الشيخ، علوية صبح، حسن داوود، حمزة عبود، عباس بيضون، شوقي بزيع، جودت فخر الدين، حسن الجوني، أيمن بعلبكي، أسامة بعلبكي، محمد فرحات، أحمد فرحات، محمد أبي سمرا، بلال خبيز، سناء الجاك، يحيى جابر ورفيق علي أحمد، ومجموعة من متعددي المواهب أمثال جهاد الزين الصحفي والمعلق السياسي في صحف لبنانية عريقة (مدير تحرير صحيفة “السفير” سابقاً والمسؤول عن صفحة الرأي فيها ثم إدارة صفحة القضايا في جريدة “النهار” البيروتية) وهو شاعر وقاص وروائي. وعلي حرب الكاتب والمفكر والفيلسوف (يُعرّف عن نفسه في كتابه «خطاب الهوية، سيرة فكرية» قائلاً “أنا بدوي وجاهلي وقبليّ وعربي ومسلم ولبناني شيعي عاملي ويوناني وغربي وفرنسي بمعنى من المعاني، ومسيحي ويهودي ووثني وإثنينيّ وبوذيّ..”) وجمانة حدّاد (كاتبة وشاعرة ومترجمة وصحافية وأستاذة جامعية وناشطة في مجال حقوق المرأة ومسؤولةً عن الصفحة الثقافية في صحيفة “النهار” اللبنانية) ومحمد سويد كاتب وناقد ومخرج سينمائي لبناني (يشغل حالياً منصب مدير القسم الوثائقي في قناة “العربية”).. واللائحة تطول.

لم يقتصر المقال على الأسماء الواردة أعلاه بل شمل آخرين، يسميهم العويط “رؤيويّين ومفكّرين وكتّابًا وشعراء وفنّانين ونقّادًا وعارفين وعقلاء وحكماء وأحرارًا، وعابرين في الظلال، أحياءً وموتى”. سبحة من الشخصيات المميزة “من أعمال جبل عامل”، يذكر منهم بالإسم “حسين مروّة ومهدي عامل وكامل مروّة وحبيب صادق وهاني فحص وكريم مروّة ومحمّد دكروب ومحمّد حسين شمس الدين ومحمّد العبدالله وحسن العبدالله وعبد الحميد بعلبكي وليلى عسيران وليلى بعلبكي وحسين ماضي وبسام حجار وحسن قبيسي وعصام العبدالله”.

***

ولكن ما مناسبة التكريم ولماذا الآن في هذه اللحظات المأساوية من تاريخ وطننا اللبناني المهدد بالموت اليومي منذ “طوفان الأقصى” وقبله بعقود طوال، منذ احتلال الكيان المجرم للجارة فلسطين ونكبتها ونكبتنا معها؟ وكيف يتم هذا التكريم، وهو وجه راقٍ من السلوك الإنساني، وكيف يتمظهر وتحت أي أشكال وصور؟

بداية لا يقوم التكريم الذي ينشده الشاعر عقل العويط على مكافآت عينية أو مادية ولا على توصيات للسلطات اللبنانية (وزارة الثقافة ووزارة الإعلام ووزارة التربية على سبيل المثال لا الحصر).. بأن تمنح فلاناً أو فلانة من المثقفين الجنوبيين المذكورين جائزة أو أن تطلق إسمه على مدرسة أو جامعة أو معهد موسيقي أو شارع في مسقط رأسه مثلاً أو في بيروت، حيث يقيم ويعمل وينتج معظم المكرمين منذ عقود طويلة وتلك حال من رحلوا منهم إلى دنيا الخلود. تسمية شارع أو جادة في بيروت العاصمة ـ التي تختصر لبنان غالباً ـ حيث قدّموا لجمهورهم أو لطلابهم أو لقرائهم أو للمتابعين لابداعهم الكثير الكثير. وهذا النوع من التكريم يُخلّد الشخص في الذاكرة الجمعية ويمنحه أحياناً حصانة أو مكانة رسمية وبالطبع هالة من الاحترام في دائرته العلمية والابداعية او المجتمعية الصغيرة أو حقله المعرفي الأوسع وعند الأجيال اللاحقة على مستوى الوطن.

ليس هذا بالطبع مقصد عقل العويط. هذا أمر طبيعي لأن الاحتفاء التقليدي يحتاج الى المال والمؤسسات أو لجهات مانحة وطنية أو أجنبية وليس لفرد مفرد امكانية تحقيق ذلك. (أقام الشاعر سعيد عقل جائزة سنوية كان يختار شخصياً من يُكرّمه وكانت جائزته مخصصة للشعراء عموماً مع استثناءات قليلة. وقد توقف عن منحها لفترة غير قصيرة إلى أن تدخل في حينه رئيس الوزراء المرحوم رفيق الحريري وساهم في تمويلها وأحياها مجدداً). والشاعر العويط يُقدّم في رسالته تفسير خطوته تلك إذ يلاحظ أن من يسميهم “أفرادًا كاملين ونبلاء وأشاوس” لا يحتاجون “إلى تحيّةٍ رسميّة، ولا إلى احتفاءٍ يُشبه المناسبات”! هل يقصد أن الدروع والميداليات والشهادات والنصب التذكارية ــ وهي تقاليد معمول بها في العالم بأسره في مجال التحفيز والتشجيع وتعزيز الانتماء الى مؤسسة تربوية أو جمعية أو تجمع أو جماعة وأيضاً في خلق قدوة حسنة ونموذج يحتذى به وإرساء ثقافة التقدير في المجتمع وتوثيق الإنجاز بحيث تمنحه شهادة تاريخية وتحوله إلى محطة مهمة لا تمحى بمرور الزمن ــ هل هي تقاليد بالية، مجرد مواد للزينة، فارغة من أي معنى وأية رمزية، وبالتالي فإن المكرمين النبلاء أرفع منها؟ أم أنه أراد أن يتعالى بهم فوق اهمال الدولة حين كتب أن “الأرض اللبنانيةُ لا تُكافئ كثيرًا”؟

التكريم المقصود عند عقل العويط هو معنوي أولاً وأخيراً يريد منه توجيه تحية لمن يسميهم “عشّاق الحياة والأرض” و”ضمير الأرض ووجدانها”. ومن يناديهم بـ”أهلي”. جميعها كلمات وأوصاف يثني الكاتب من خلالها على تميز هؤلاء الشعراء، والكتّاب، والفنّانين، والمفكّرين في كونهم “أفرادًا كاملين ونبلاء وأشاوس في أرضٍ تُغري بالذوبان في الجماعة”.. وجميعها تعابير تطغى من خلالها العاطفة والتبجيل على النص، حاجبة، كما “التورية”، معانٍ سياسية نخبوية عالية: المكرمون “العباقرة”، كما يسميهم، “نبرةٌ نبيلةٌ وفريدةٌ وخاصّة” يرفضون “اليقينيات الجاهزة” ولا تغريهم “الرايات والأسلحة والدعوات القياميّة” ولا “السلطة الرمزيّة التي تمنحها الجماعات لأبنائها المطيعين”.. وهم أيضاً “علاماتٌ مضيئةٌ في حلكةٍ.

***

أحسب أن ما قصده العويط هو حلكة الحرب من دون أن يسميها. ودون أن يسمي مرة واحدة الكيان المجرم باسمه، ودون أن يُحمّله بالطبع مسؤولية العنف والقتل والتدمير الممنهج والتنكيل بأرض لبنان وأهلنا وزرعنا وأشجارنا ومياهنا واستباحة سماءنا يومياً واحتلال أرضنا مجدداً.. وإذا أردنا الذهاب أبعد في مقاربة وفهم جمله وعباراته العاطفية المشفرة، فإننا نتحقق من خلال تعبير “الحلكة” في “هذا الزمن الخطير والملتبس” من أنها وعاء واسع يتضمن معانٍ أضيق كما تحوي الدمية الروسية “ماتريوشكا” الكبرى بناتها الأصغر.

تبدو الوجدانية هنا غلافاً للسياسة بحجاب الشعر، ورومانسية مثالية في انتقاء المّكرمين والإصرار على فصلهم عن مجتمعاتهم الأصلية، عن “الجموع” أي عن الجماعة الأنثروبولوجية التي ينتمون إليها. وفي توصيفه أيضاً للمكرمين، تفصيل للشروط التي يتم على أساسها إدراج كل واحد منهم، رجالاً ونساءً في القائمة: هم أفراد لا تغريهم “الرايات والأسلحة والدعوات القياميّة” ولا “السلطة الرمزيّة التي تمنحها الجماعات لأبنائها المطيعين”، على حد تعبيره.

حسناً فعل عقل العويط بالحديث عن جماعات وإلا لكنا افترضنا أن الجماعة المتهمة بإخضاع أبنائها في لبنان هي فقط جماعة المقاومة! وأن بيئة المقاومة مؤلفة من أتباع خانعين، ببغاوات يكتفون بهز الرأس ايجاباً، لا فكر لهم ولا موقف خارج عن رأي الجماعة التي يذوبون كلياً تحت راياتها كما يذوب الملح في المحيطات! وحسناً فعل أنه أقرّ بأن لبنان يتشكل من جماعات! كان عليه أن يضيف: جماعات متباغضة ومتحاسدة في زمن “السلم الأهلي البارد”، كما يقول الدكتور وضاح شرارة، أحد المستهدفين برسالة الكاتب وجماعات متناحرة في زمن الحروب، زمن “العاصفة الهوجاء”، كما يسميها.

تورية أخرى تزيد من مآسينا. الشاعر هنا ينشد القصيد ولا يهوى الكلام السياسي. الشعر أبلغ حتماً!

***

لعل مصيبتنا أن بلدنا ضحية للكوارث الطبيعية ونحن غير واعين! نكبتنا إذن سببها الطقس وليس الكيان العبري السارق لأرض فلسطين والطامع بتحقيق إسرائيل الكبرى كما يحب زعيم حزب “البيت اليهودي” المتطرف يتسالئيل سموتريتش، المتحالف اليوم مع المجرم بنيامين نتنياهو، أن يُردّد مراراً على مسامعنا ما قاله عام 2016 في مقابلة تلفزيونية أن “حدود إسرائيل يجب أن تمتدّ لتشمل دمشق، إضافة إلى أراضي ست دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن والعراق وجزء من مصر ومن السعودية، لتحقيق الحلم الصهيوني من النيل حتى الفرات”!

إقرأ على موقع 180  مشكلة لبنان، ليست في النّاس.. بل فيهم "هُم"!

كأن لبنان بأسره جماعة واحدة لا يعكر صفوها إلا وجود جماعة المقاومة التي “تسيطر” على الجنوب اللبناني وأهله في الوقت الذي نعرف جميعاً أن أبناء الجنوب، هم فلاحون ومزارعو (تبغ وزيتون وحمضيات..) وحراس ثروتنا المائية (الليطاني والحاصباني والينابيع العزيزة) وحواكيرنا الغالية وسهولنا الخيرة، ورعيان يجوبون سهولنا، وعلماء دين، وأساتذة وجامعيون وأطباء ومهندسون.. عانوا منذ النكبة، نكبة 1948، ما لم يُعانِه أحد في وطننا وفي الدول العربية المجاورة لفلسطين.

كذلك المفروض أننا نعرف أن كل الأرض اللبنانية تغري “بالذوبان في الجماعة”. كان الأمر كذلك منذ إعلان “دولة لبنان الكبير” عام 1920 وما زال الأمر على حاله حتى اليوم. أليس لكل محافظة لبنانية انتماء عام تتراتب داخله انتماءات عدة؟ أليس لبنان كله “بيت بمنازل كثيرة” على ما أسلف الراحل كمال الصليبي في كتابه “الكيان اللبناني بين التصور والواقع”.

***

أيضاً في الفصل المتعمد من قبل عقل العويط، بين من هم “في صميم ما يبقى، حين يمرّ كلّ شيء” وبين بيئتهم الأصلية، هناك ترف وتعالِِ عما يميز في العادة التجارية الرائجة ــ منذ الثورات الملونة ــ لـ”نضالات” بعض المثقفين في لبنان: “تحرير المرأة” والحوكمة المطلوبة بحدة كشرط أساسي “للتحضر” على الطريقة الغربية. هؤلاء الافراد الذين يدعمون المرأة بشكل عام ويكتبون المانيفستو تلو المانيفستو من أجل تمكينها، يهملون لا وبل يعادون في الوقت نفسه النساء الجنوبيات ـــ أمهات وأخوات وزوجات وبنات ــ المعروفات بشجاعتهن وسعيهن التضامني وصمودهن على أرضنا.

ثم ما الذي يعنيه عقل العويط حين يقول لمن يُكرّمهم “أنتم لستم “قبل” أو “بعد”. “أنتم في صميم ما يبقى، حين يمرّ كلّ شيء”؟ ما هو الـ”كل شي”؟ ما هو بيت القصيد الذي يتهرب الشاعر مجدداً من تسميته؟ ما المقصود مرة أخرى بعدم التسمية بعد “الحٍلكة”؟ حتماً “الشيء” المقصود هنا هو الحرب وكان ألبير كامو قد فسّر تغييب كهذا بقوله “إن تسمية الشيء بغير اسمه تزيد من بؤس هذا العالم”. هذه المقولة بما تحمله من دلالات رمزية، والتي أصبحت أيضاً شعاراً سياسياً متداولاً، أراها الجواب المناسب لتوصيف حال البعض في لبنان كلما تعثر النقاش السياسي بسبب مسألة المصطلحات وكلما تهرّب أحدهم من قول الحقيقة وتوصيف الحق.

ألا يبدو التشديد على فرادة هؤلاء المثقفين وتمييزهم عن أهلهم، والنظر إليهم كأفراد غريباً في الوقت الذي يجتمع معظمهم في أمرين على الأقل: أولاً في عدائهم للبيئة المقاومة، حزب الله الشيعي خصوصاً وشركائه من الأحزاب التي تضم إلى جانب الشيعة، سنة ودروزاً ومسيحيين من مختلف الطوائف وحتى القوميات (آدم كريكور هكميان اللبناني ذو الأصول الأرمنية ارتقى شهيداً في الجنوب). وثانياً تفصح قائمة المكرمين، برغم أن الكاتب قال إن هؤلاء “عينة من بحر”، وبرغم التفاوت في هرمية مراتب واختصاصات أعضائها، أنهم ينتمون عموماً لجيل معين أو الى مدارس فكرية سابقة، مما يوحي بإقصاء الأصوات الشابة أو تلك المنتمية لتيارات فكرية أخرى موجودة في جبل عامل من دون أن تجد مكانها في الرسالة أو حتى لأناس خارج التصنيف السياسي (هؤلاء هم قلة قليلة جداً حتى على مستوى الوطن اللبناني). بمعنى آخر، توحي هذه القائمة، أن أفرادها متعاضدون فيما بينهم ويشبهون بشكل تام الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية (منذ الثورات الملونة هناك إشادة بما يسمى المجتمع المدني، وهو عندي أشبه بعشيرة أو عائلة ممتدة ذات نفوذ داخل الهرم السلطوي التقليدي). هم في هذه الحالة يشكلون تجمعاً من تجمعات لبنان الحديثة، ينزع الكاتب عنهم، على العكس مما يرغب، تنوعهم وفردانيتهم ويضمهم في خانة واحدة وفي كتلة تشبه عشيرة أو نادٍ أهلي إذا أردنا أن نستعير كلام الحداثة.

وهذا المستوى من الاجتماع ليس بمستغرب. أحيانا تغري فكرة واحدة لكي يجتمع تحت لوائها أناس مختلفون تماماً ولكن يجمعهم هوى فريداً يكفي لكي يشكلوا جمعية: في فرنسا مثلاً، هناك جمعية لذواقة الويسكي الفاخر وأخرى لمحبي الشوكولاته الداكنة وثالثة لعشاق حلوى التفاح التقليدية واسمها “تارت تاتان” ورابعة لأفراد يرفضون الانارة المبالغ فيها على الطرقات والساحات العامة ويطالبون الدولة بخفضها حتى يتمكنوا من مشاهدة النجوم حين تصفو السماء على حد تعبيرهم عن أهداف جمعيتهم.

***

إن التشديد في زمن الحرب على فرادة المثقفين، وهو زمنٌ ينشد فيه عادة الأفراد التعاضد والتكافل والحماية، لهو أمرٌ مستغربٌ حقاً، خصوصاً أن المثقفين المعنيين بالتكريم، في مقال عقل العويط، كانوا، جميعاً أو بمعظمهم ــ كما غالبية اللبنانيين ــ حزبيين سابقين وبعضهم شارك على مدار سنوات طويلة في المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية في لبنان التي تصدى رجالها ونساؤها للعدو الإسرائيلي قبل نشوء حزب الله. أغلب الذين حيّاهم عقل العويط ينضوون تحت تجمع غير معلن لكنه بات معروفاً تحت مسميات عدة مثل “14 آذار” و”ثورة الأرز” على سبيل المثال.

بالطبع أنا أتكلم عن الأحياء وليس عن الراحلين. هؤلاء أتركهم في بيت الذكرى الجميلة ولو أن بعضهم ممن عايشت ومنهم استاذي المفكر الماركسي مهدي عامل، كان منخرطاً في صفوف “المقاومة التعددية” وأحد شعاراته المتداولة: “لست مهزوماً ما دمت مقاوم” ما زال يُردّده المئات على صفحات التواصل الاجتماعي اليوم. أيضاً من المؤسسين السيد هاني فحص وإرثه الكبير في التنوير الديني والمقرب من المقاومة الفلسطينية لعقود والدكتور حسين مروة الذي عمل على التراث الإسلامي وترك خزانة عامرة من الكتب والأدبيات البالغة الثراء.

***

الفردية ضد الجماعة هي إذن خيار عقل العويط وبعض المثقفين الجنوبيين بالنسبة لمستقبل الوطن اللبناني. إن كان هذا هدف الرسالة، فلماذا اقتصر على قائمة من المولودين على أرض جنوبنا الغالي ولم يشرك الكاتب آخرين، من كل المناطق اللبنانية، برغم أن “حلكة” الحرب تطال الجميع على امتداد رقعة مرقد العنزة أو بلاد الأرز لمن يحب؟

الفردية في مواجهة “الجموع” هدف الكاتب في الوقت الذي اختارت شعوب العالم بمختلف هوياتها وأعراقها التضامن مع المقاومة من خلال تظاهرات وصلت للمليونية أحياناً لتقول لا في وجه الإبادة في غزة وهي تنحو إلى التحرك نفسه تجاه القتل والعنف الإسرائيلي، تجاه الإبادة والتدمير الممنهج الذي يعتمده يومياً جيش الكيان لمحو قرانا الجنوبية من الوجود، بينما يقوم قسم من المواطنين اللبنانيين، لا بل نخبتهم بالوقوف ضد من يقاوم ويحمي الثغور بكفاءة عالية، أذهلت العدو قبل الصديق؟

لماذا يتخلى الآن قسم من اللبنانيين عن حبهم وافتخارهم التاريخي بلبنان العاصي على الغزاة، موطن الأحرار؟ لماذا يرفضون الوقوف خلف مقاومتهم ويقبلون التفاوض مع قاتل، سوف يكون جارهم المرعب الذي يتدخل في كل أمر، إذا فُرض عليهم صلحاً مخزياً كالذي تفصح عنه نوايا إسرائيل الشريرة وأفعالها المجرمة أكثر فأكثر كل يوم؟

لماذا نقبل بجيرة مفسد في الأرض، مجرم، معتوه، مهووس، دموي، سادي، مريض عقلي كما نتنياهو وجيشه المجرم؟ من يحمي أولادنا وأجيالنا الجديدة؟

***

في فرنسا، قرّر فيليب أبيلوا، في سعيه ضد نسيان آثار الحرب العالمية الثانية، توثيق وتصوير جميع اللوحات التذكارية التي نُصبت، لا سيما في باريس، تكريمًا لمقاتلي المقاومة الفرنسية. راح يجوب الشوارع وكأنه في رحلة بحث عن كنز. يُعرِّفُ ويُلخّص ما حقّقه قائلاً: “إنها حقًا أماكن للتذكير بما حدث خلال الاحتلال الألماني”. في المجمل، أحصى خلال 6 سنوات 1300 لوحة تذكارية على جدران العاصمة بدءًا من نهاية الحرب.

في رسالة الشاعر عقل العويط، أحسب أن لا مكان لفعل كهذا ولعله عارضه لو تم في لبنان.

يُعرّف الأرجنتيني خورخي لويس بورجيس، وكان شاعرًا وكاتبًا ومترجمًا، المثقف بأنه “شخص ينتظر بشغف من يعارضه”. ها أنا قد فعلت إيماناً مني أن لا وطن يقوم دون معارضة وأن أي معارضة لا تنبع من الجماعة هي فعل فاشي بامتياز.

Print Friendly, PDF & Email
نايلة ناصر

كاتبة لبنانية مقيمة في باريس

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  رضوان مرتضى.. العاقل المجنون!