الحريري ينتظر موعداً أميركياً.. يُفرج عن حكومته!

في الشكل، إشتباك سياسي مفتوح بين رئيس للجمهورية وتياره الوطني الحر وبين رئيس حكومة مكلف. في المضمون، يمكن الذهاب أبعد من ذلك، بالتحليل وأيضاً بالمعطيات.

عندما قدّم رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري أول ورقة إلى رئيس الجمهورية ميشال عون، غداة تكليفه في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، كانت تضم تصوره الأولي لتوزيع الحقائب. “أهدى” الحريري إلى رئيس الجمهورية ست حقائب تضمنت الآتي: الداخلية، الدفاع، العدل، الطاقة والإتصالات، بالإضافة إلى حقيبة غير أساسية. لم تصدق عينا رئيس الجمهورية تلك الورقة. قال للمقربين منه، وقتذاك، إنه ظلم الرجل وهو جدي و”آدمي”. طبعاً، لم يكن موقف جبران باسيل كذلك، بل ذهب إلى حد المراهنة على أن سعد “سينقلب على موقفه”!

لاحقاً، أطلع عون أحد كبار المسؤولين اللبنانيين على ورقة الحريري. “على الحامي”، حمل هذا المسؤول الورقة إلى الرئيس المكلف، وقال له “بصراحة، إما أنك مجنون أو أنك لا تريد تأليف حكومة”. كان لسان حال هذا المسؤول “هل يعقل أن يبادر أحد إلى إلغاء نفسه كما يفعل سعد الحريري”؟

بعد أربعة أشهر ونيف من التكليف، إنتقل الحريري إلى مقلب سياسي آخر. لم يبق من تلك “التوزيعة” التي قدمها إلى عون إلا حقيبة الدفاع وحقيبة الطاقة، أما وزارة الداخلية التي يتمسك بها رئيس الجمهورية، فصارت قدس الأقداس و”الخط الأحمر” ليس عند الحريري وحده، بل عند كل من يسانده من داخل ودول وسفراء وقناصل!

إذا صحت هذه المعطيات، وهي كذلك نسبياً، فإنها تشي فعلاً أن رئيس الحكومة المكلف لا يريد فعلاً تأليف حكومة وإلا ما هو المبرر لهذه وتلك من الطروحات المتناقضة؟

ليس خافياً على الحريري أن ميشال عون وجبران باسيل يتمنيان حالياً إعتذار الحريري عن التكليف. هما يحمّلان حزب الله صراحة مسؤولية هذا التكليف. لكن هل يريد رئيس تيار المستقبل تأليف حكومة، وهل هناك أية ظروف موضوعية تجعله عاجزاً عن تأليفها؟

تقول شخصية لبنانية واسعة الإطلاع إن مأزق الحريري مزدوج الأضلاع. من جهة، تعهد للأميركيين ـ وربما لغيرهم في الخارج ـ بعدم توزير حزب الله في أية حكومة برئاسته، ولو بعنوان إختصاصيين، وهذا الأمر حصل فور إعتذار مصطفى أديب، اي قبل التكليف مجدداً. من جهة ثانية، كان الحريري قد تعهد لحزب الله بأن لا تتألف حكومة إلا ويكون الحزب مشاركاً فيها، بشخصيتين تنطبق عليهما صفة “التكنوقراط” ضمن حكومة من 18 وزيراً. حصل ذلك أيضاً قبل التكليف وبعده. عندما أراد حزب الله “ترييحه”، بادر إلى إبلاغه بأن لا يُلزم نفسه أمام الحزب مسبقاً بحقيبة معينة. رفض الحريري ذلك، وأصر على القول “ستكون حقيبة الأشغال والنقل من حصة حزب الله”، فكان الجواب “بارك الله فيك يا شيخ سعد”!

لا يمكن القول إن الموقف الأميركي بات كافياً. يريد الحريري معطيات أكثر صلابةً. طلب من السفيرة الأميركية موعداً لزيارة الولايات المتحدة. كرر طلبه أكثر من مرة حتى الآن. طلب مساعدة عواصم أخرى لهذه الغاية. لم يتجاوب الأميركيون حتى الآن، بسبب أولوياتهم وليس رفضاً للموعد بحد ذاته

عملياً، وبمعزل عن كل “طلعات ونزلات” الرئيس المكلف إلى بعبدا، نحن أمام معضلة سياسية واضحة. قرّر الحريري أن يخطف التكليف ووضع الورقة في جيبه. قطع الطريق على أية محاولة لتقدُم مرشحين آخرين. ربما هذا حقه السياسي. أبلغ ذلك إلى رؤساء الحكومات السابقين ثم أطل عبر “صار الوقت” مع الزميل مرسيل غانم وأعلن ترشيح نفسه.. وهكذا صار رئيساً مكلفاً وما يزال!.

من الآن وحتى نهاية عهد ميشال عون، لن يكون هناك رئيس مكلف إلا الحريري نفسه. نقطة على السطر. لكن إلى متى يتحمل لبنان كلفة هذه الورقة غير القابلة للصرف في جيب الحريري وهل صحيح أن العهد وحده سيكون الخاسر؟

يراهن الحريري على الوقت. على تدوير الزوايا. لا يعترف بأن هناك مشكلة إسمها تمثيل حزب الله في الحكومة. لا بل يذهب أبعد من ذلك بقوله إن هذه القضية (تمثيل الحزب) “محلولة مع أبو مصطفى” (الرئيس نبيه بري)، لكن كيف؟ لا أحد يملك جواباً إلا الحريري. الثابت أن الرئيس المكلف لا يريد أن يخسر حزب الله الذي جاهر أمينه العام السيد حسن نصرالله في يوم من الأيام بأن عناصر عرقلة تأليف الحكومة “داخلية” بحتة، قبل أن ينسب الحزب العرقلة إلى عناصر “خارجية” كما جاء على لسان الشيخ نعيم قاسم قبل حوالي الأسبوع. هذا “التطور” في موقف الحزب، يُفترض أن يُعبّر عنه السيد نصرالله، في إطلالة جديدة، لم يحدد موعدها النهائي بعد، برغم تطويق “الإشتباك” الأخير بين الحريري وحزب الله وإعادة تشغيل محركات الحزب الحكومية في أكثر من إتجاه ولا سيما بإتجاه باسيل، ولسان حزب الله، بعكس ما ينسب إليه كثيرون، أنه يريد حكومة “اليوم قبل الغد”.

إقرأ على موقع 180  البابا يحث المسؤولين اللبنانيين: ساعدوا أنفسكم يساعدكم أصدقاءكم!

هذا من جهة الحزب، لكن ماذا من جهة أو على “جبهة الأميركيين”؟

يبدو الموقف الأميركي رمادياً حتى الآن. إدارة دونالد ترامب كانت جازمة في مسألة عدم تمثيل حزب الله في الحكومة. وقتذاك، بدا أن الحريري يراهن على تطور ما في موقف الإدارة الجديدة. المرحلة الإنتقالية الحالية في واشنطن، ولا سيما في التعامل مع عدد من ملفات المنطقة ومنها ملف لبنان، لا تشي بإعارة أي إهتمام أميركي خاص للبنان، الأمر الذي يزيد الرمادي قتامة. حتماً لن تؤيد إدارة جو بايدن تمثيل حزب الله. هذا من بديهيات السياسة. لكن هل يمكن أن “يُطنش” الأميركيون عن تمثيل الحزب وفق صيغة “light” (خفيفة)؟

عملياً، فُتحت بعض قنوات الإتصال بين الأميركيين وجهات لبنانية عديدة، بينها رئيس الحكومة المكلف الذي إستقبل اليوم (الجمعة) السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا. أيضاً تم تبادل رسائل عبر قنوات غير دبلوماسية. “ثمة تغيير في النبرة الأميركية في الساعات الأخيرة”. أقله، يمكن إعتماد صيغة شبيهة بتلك التي إعتمدت مع حكومة الحريري التي إستقالت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019. أي وزارة تُسند إلى حزب الله لا يتعامل معها الأميركيون ويحجبون عنها المساعدات والقروض. بهذا المعنى، هم ينصحون بعدم إسناد الصحة مجدداً إلى الحزب “حتى لا يُحرم الشعب اللبناني من مساعدات تتصل بمكافحة فيروس كورونا”!

سبق هذا التبدل في النبرة الأميركية نقاشات حول من سيكون المستفيد من إنهيار لبنان؟ هل يضع حزب الله يده على لبنان أو على الجزء الأكبر منه؟ ما هو مصير قوات الطوارىء الدولية العاملة في الجنوب اللبناني؟ ما هي المخاطر التي ستترتب على قضية النزوحين السوري والفلسطيني في لبنان؟ هل يمكن أن يؤثر الإنهيار سلباً على المؤسسة العسكرية وباقي المؤسسات الأمنية في لبنان؟

بدأت تتسرب مناخات أميركية غير رسمية تشي بـ”تطور ما” في الموقف الأميركي. “الأولوية لتأليف حكومة”. “الديموقراطية اللبنانية تعني التسويات وليس كسر أحد على حساب الآخر”. السفيرة الأميركية في بيروت تدعو كل المسؤولين إلى الإسراع في تأليف الحكومة. “مجموعة الدعم الدولية” (الولايات المتحدة عضو فيها) وجّهت “دعوة عاجلة” إلى “قادة لبنان للإسراع في تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات وقادرة على تلبية احتياجات البلاد الملحة وتطبيق الإصلاحات الحيوية”. تحدث مسؤول في الخارجية الأميركية لقناة فضائية عربية في الساعات الأخيرة عن أهمية تأليف حكومة في لبنان من أجل وقف الإنهيار.

هذه كلها مؤشرات ولكنها غير كافية من أجل البناء عليها. هل يمكن أن يركن إليها الحريري لـ”الفوز” بحكومة حتى لا يبقى مُكلفاً؟ وهل يستطيع أن يتجاوز الموقف السعودي في هذه الحالة؟

لا يمكن القول إن الموقف الأميركي بات كافياً. يريد الحريري معطيات أكثر صلابةً. طلب من السفيرة الأميركية موعداً لزيارة الولايات المتحدة. كرر طلبه أكثر من مرة حتى الآن. طلب مساعدة عواصم أخرى لهذه الغاية. لم يتجاوب الأميركيون حتى الآن، بسبب أولوياتهم وليس رفضاً للموعد بحد ذاته. يراهن الحريري على أن الزيارة يمكن أن تُشكل بحد ذاتها عنصراً إيجابياً يتوّج عبرها حركته الخارجية التي يريدها أن تضمن أولاً عدم تطيير ورقة التكليف ومن ثم الحصول على ضمانات بأن لا يكون حسان دياب رقم 2، اي أن يؤلف حكومة ولا يتمكن من الحصول على دعم دولي. النقطة الثالثة هي التفهم الدولي لمنسوب حضور حزب الله في أية حكومة برئاسته.. والأهم من ذلك كله مساعدة واشنطن له في جعل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتفهم حيثياته اللبنانية، وأولها تمثيل حزب الله في أية حكومة جديدة؟

يُروى عن الإعرابي أن رجلاً إشتاق لأكل اللحم بعد طول إنقطاع. قصد الجزّار لشراء اللحم بأي ثمن، وطلب منه كتابة ورقة له تشرح كيفية طبخ هذا اللحم. أثناء عودته الى منزله حاملاً “غنيمته” ووصفة الطبخ في جيبه، لم يلتفت إلى كيفية حماية ما اشترى، فهجم عليه كلبٌ وخطف اللحم من بين ييديه. وصل الرجل إلى بيته خالي الوفاض، ولما ثارت زوجته غاضبةً، قال لها: إطمئني، لن يعرف الكلب كيف سيأكل اللحم، فالوصفة ما تزال في جيبي! هل يعتقد الحريري ان ورقة التكليف كافية للتأليف، أم سيكون التأليف في مكان آخر بعد حين؟

ثم في إنتظار أن تحدّد واشنطن له موعداً، هل يمكن أن يتفهم السعوديون إعتبارات الحريري ويفتحون أبوابهم له مجدداً وكيف سترتد المقايضات الدولية والإقليمية على لبنان والحريري نفسه؟ للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "فلسطين تنتصر"، تجديد الخطاب الإعلامي