من هذا المنطلق، تُقرأ دراسة »خصخصة النزوح: كيف انتقلت أعباء إدارة الأزمة الإنسانية من المؤسسات إلى الأسر النازحة في لبنان«، الصادرة عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات“، واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي التي عرفها لبنان خلال الحرب الأخيرة التي اندلعت بشكل واسع بدءاً من الثاني من آذار/مارس 2026، وهي لا تقدم نفسها كتقرير عن حركة السكان أو حجم المساعدات، بل كمحاولة لفهم التحولات الاجتماعية التي كشفتها الحرب، والإجابة عن سؤال ظل غائباً عن معظم النقاشات: من يدير النزوح عندما تعجز المؤسسات عن إدارة الأزمة؟
تكمن أهمية الدراسة في أنها لا تكتفي بوصف ما جرى، بل تفسره. فهي لا تنطلق من عدد النازحين، بل من الكيفية التي عاشوا بها تجربتهم اليومية، وكيف تحولت الأسرة اللبنانية، في ظل ضعف الاستجابة الرسمية وتراجع الموارد الإنسانية، إلى المؤسسة التي تدير بنفسها تفاصيل الأزمة، من السكن والغذاء إلى العمل والعلاقات الاجتماعية. ومن هنا جاء عنوان الدراسة، الذي يبدو اقتصادياً في ظاهره، لكنه يحمل مضموناً اجتماعياً وسياسياً بالغ الدلالة.
فكرة جديدة
ليست المساهمة الأساسية للدراسة أنها تقدم أرقاماً جديدة، بل أنها تقترح طريقة مختلفة للنظر إلى النزوح. فبدلاً من اعتباره حدثاً إنسانياً مؤقتاً، تنظر إليه باعتباره عملية اجتماعية أعادت توزيع المسؤوليات بين الدولة والمجتمع والأسرة.
وتبدأ هذه القراءة من معطى بسيط، لكنه يعيد ترتيب المشهد كله. فالدراسة تشير إلى أن 85 % من النازحين أقاموا خارج مراكز الإيواء الجماعية، بينما لم تتجاوز نسبة المقيمين داخلها 15 %. وهذا يعني أن الصورة المرتبطة بالمدارس والقاعات العامة لا تمثل سوى جزءاً محدوداً من تجربة النزوح، في حين يعيش معظم النازحين في شقق مستأجرة أو لدى أقارب أو في مساكن خاصة.
ومن هذه الحقيقة يبني الباحثون مفهوم »خصخصة النزوح«. فإذا كان معظم النازحين يعيشون خارج منظومة الإيواء، فإن إدارة حياتهم اليومية لم تعد تتم داخل المؤسسات، بل داخل الأسرة نفسها. فهي التي تبحث عن المسكن، وتؤمن الإيجار، وتدبر مواردها، وتبحث عن شبكات الدعم، وتتحمل المخاطر الاقتصادية والاجتماعية التي كان يفترض أن تتقاسمها معها الدولة والمنظمات الإنسانية.
ولا تستخدم الدراسة كلمة «الخصخصة» بوصفها حكماً اقتصادياً، بل باعتبارها وصفاً لانتقال عبء إدارة الأزمة من المجال العام إلى المجال الخاص. إنها تشير إلى لحظة يصبح فيها المواطن مسؤولاً عن ابتكار حلول لأزمة لم يصنعها، فيما تتحول الأسرة إلى آخر مؤسسة قادرة على امتصاص الصدمات.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية إضافية لأنها لا تفسر النزوح وحده، بل تعكس مساراً أوسع عرفه لبنان خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت أعباء الصحة والتعليم والطاقة والحماية الاجتماعية تدريجياً إلى الأسر، قبل أن تلحق بها إدارة النزوح. ومن هنا، تبدو الدراسة أقرب إلى قراءة في تحولات الدولة اللبنانية منها إلى دراسة عن المهجرين فقط.
السكن والكرامة
تضع الدراسة السكن في قلب تحليلها، لكنها لا تنظر إليه باعتباره مجرد مأوى، بل باعتباره الفضاء الذي تتقاطع فيه معظم أبعاد الأزمة. فالحصول على منزل يعني القدرة على دفع الإيجار، لكنه يعني أيضاً الحفاظ على الخصوصية، والشعور بالأمان، وإبقاء العائلة متماسكة.
وتوثق الدراسة كيف شهدت سوق الإيجارات ارتفاعات غير مسبوقة، إذ وصلت بدلات بعض الشقق إلى ما بين 1000 و3000 دولار، في وقت فقدت فيه أعداد كبيرة من الأسر مصادر دخلها. كما تسجل حالات من رفض التأجير أو التمييز بين المستأجرين، بما يكشف أن سوق السكن لم يكن مجرد متأثر بالحرب، بل أصبح أحد العناصر التي أعادت تشكيل تجربة النزوح.
غير أن أكثر ما يميز الدراسة أنها تجعل من السكن مدخلاً للحديث عن الكرامة الإنسانية. فهي تنقل النقاش من سؤال «أين يسكن النازح؟» إلى سؤال «كيف يعيش؟». فالكرامة هنا ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل جزء من التحليل الاجتماعي. وتكشف الشهادات أن كثيراً من الأسر فضلت تحمل أعباء مالية كبيرة لاستئجار مساكن تحفظ لها خصوصيتها، بدلاً من الانتقال إلى مراكز إيواء جماعية، كما تكشف عن شعور بعض النازحين بالوصم أو التمييز، وهي عوامل لا تقل أثراً عن الخسائر الاقتصادية.
وبهذا المعنى، توسع الدراسة مفهوم الاستجابة الإنسانية، فلا تعود المساعدة مقتصرة على الغذاء والمأوى، بل تشمل حماية استقلال الإنسان وحقه في الاختيار. لذلك لا تبدو الكرامة قيمة مضافة إلى السكن، بل شرطاً من شروطه.
وتبرز هنا أهمية المنهجية التي اعتمدها الباحثون، إذ لم يكتفوا بالأرقام، بل استندوا إلى مجموعات نقاش مركزة مع نازحين وفاعلين محليين وخبراء، ما أتاح للدراسة التقاط تفاصيل لا تظهر في الجداول الإحصائية. فمن خلال عبارات مثل «مصروف بلا مدخول»، أو روايات الأسر التي استنزفت مدخراتها أو استدانت أو اكتفت بوجبة واحدة يومياً، يتحول النزوح من رقم إلى تجربة إنسانية كاملة.
الدولة والمجتمع
لا تنزلق الدراسة إلى خطاب اتهامي، بل تقرأ ما جرى بوصفه نتيجة لتفاعل بين ضعف الدولة، وحدود الاستجابة الإنسانية، وقدرة المجتمع على ابتكار آليات بديلة للتكيف.
ومع ذلك، تقدم نقداً واضحاً للنموذج الذي حكم إدارة الأزمة. فالاستجابة الإنسانية استمرت في التركيز على مراكز الإيواء، بينما كان معظم النازحين يعيشون خارجها، ما خلق فجوة بين مكان وجودهم الفعلي وبين السياسات الموجهة إليهم.
كما تشير الدراسة إلى أن أولى قوافل المساعدات إلى بعض المناطق لم تصل إلا بعد اثنين وعشرين يوماً من بداية موجة النزوح، وهي مدة دفعت آلاف الأسر إلى الاعتماد على مدخراتها أو شبكات القرابة قبل وصول أي دعم مؤسسي.
وفي المقابل، تُبرز الدراسة الدور الذي لعبته البلديات والمبادرات المحلية، التي كانت في كثير من الحالات الأقرب إلى النازحين والأسرع في الاستجابة، ما يفتح نقاشاً أوسع حول دور الإدارة المحلية في إدارة الأزمات.
لكن القيمة الحقيقية للدراسة لا تكمن في توصياتها وحدها، بل في الأسئلة التي تثيرها. فهي ليست دراسة عن النزوح فحسب، بل عن طبيعة الدولة عندما تواجه أزمة واسعة النطاق. فحين تصبح الأسرة مسؤولة عن السكن والعمل والإنفاق والحماية الاجتماعية، فإننا لا نكون أمام خلل في الاستجابة الإنسانية فقط، بل أمام إعادة توزيع فعلية لوظائف الدولة.
ومن هنا يمكن قراءة «خصخصة النزوح» بوصفها دراسة عن تحولات العلاقة بين الدولة والمجتمع في لبنان. فهي لا تتحدث عن انسحاب الدولة بالمعنى النظري، بل عن انتقال تدريجي للمسؤوليات نحو المجتمع، بحيث تصبح شبكات القرابة والجوار والسوق والقدرات الفردية أدوات رئيسية لإدارة المخاطر.
وبرغم القيمة الكبيرة للمفهوم الذي تطرحه، كان يمكن للدراسة أن تستفيد من مقارنته بتجارب نزوح سابقة في لبنان، ولا سيما خلال حرب تموز 2006، أو ربطه بصورة أوسع بأدبيات الحوكمة والدولة الاجتماعية. إلا أن ذلك لا ينتقص من قيمتها، بل يؤكد أنها تفتح باباً جديداً للنقاش أكثر مما تدعي تقديم الكلمة الأخيرة فيه.
التحولات الصامتة
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تخبرنا بأن معظم النازحين عاشوا خارج مراكز الإيواء، أو بأن الإيجارات ارتفعت، أو بأن المساعدات تأخرت، بل في أنها تقرأ هذه الوقائع باعتبارها مؤشرات على تحول أعمق في المجتمع اللبناني. لقد كشفت أن الحرب لا تنقل الناس من بيوتهم فقط، بل تنقل أيضاً مسؤوليات المؤسسات إلى الأفراد، وتجعل الأسرة تتحمل ما كان يفترض أن تتحمله منظومات الحماية العامة.
لهذا، فإن «خصخصة النزوح» ليست مجرد دراسة عن الحرب الأخيرة بين لبنان وإسرائيل، بل قراءة في التحولات الصامتة التي تصيب المجتمع عندما تطول الأزمات. وهي تذكرنا بأن أخطر ما تتركه الحروب ليس الدمار وحده، بل اعتياد المجتمعات على حمل الأعباء وحدها، حتى يصبح ذلك أمراً طبيعياً. وعندها لا يعود السؤال الأهم: كم بلغ عدد النازحين؟ بل: إلى أي حد تستطيع الأسر أن تستمر في أداء وظائف الدولة من دون أن تنهك هي نفسها؟
(*) خصخصة النزوح: كيف انتقلت أعباء إدارة الأزمة الإنسانية من المؤسسات إلى الأسر النازحة في لبنان، دراسة صدرت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، حزيران/يونيو 2026.
