كل الخيارات الموضوعة أمام دونالد ترامب سيئة. في التفاوض، لا تبدي إيران أي مؤشرات على استعدادها لتكون أكثر ليناً، والنزول تحت سقف ما حصلت عليه في مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران (يونيو) الماضي. وفي الميدان، لم يؤدِ استئناف الحصار البحري والضربات الجوية اليومية والتهديدات بقصف جبل الفأس قرب منشأة نطنز النووية، وتوسيع الغارات من المواقع المطلة على مضيق هرمز نحو الوسط والغرب لتطاول جسوراً وطرقات وسكك الحديد وبعض المصانع، إلى زحزحة إيران عن التفسير الذي تتمسك به للبند الخامس (مضيق هرمز) من مذكرة التفاهم.
ويتبين من الردود العسكرية على الهجمات الأميركية، بأن القوات الإيرانية لا تزال تملك امكانات صاروخية ومسيّرات قادرة على انزال خسائر بشرية ومادية بالقوات الأميركية، على غرار ما حدث في قاعدة موفق السلطي بمنطقة الأزرق في الأردن. هذا عدا الهجمات ضد قواعد أميركية وبنى تحتية في دول الخليج العربية والتحذير من ردود أوسع في حال مضى ترامب في تهديداته بتوسيع الحرب.
وصبت عودة التوتر بين السعودية والحوثيين في اليمن، في مصلحة إيران، بانضمام جبهة البحر الأحمر إلى جبهة هرمز. والنتيجة المبدئية كانت ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق المئة دولار، بعدما تدنت غداة التوقيع على مذكرة التفاهم إلى 70 دولاراً.
وإذا ما تعين على أميركا خوض الحرب على الجبهتين اليمنية والإيرانية، فإن ذلك سيرتب عليها حشد المزيد من الأصول العسكرية في الشرق الأوسط. وبذلك، ترفع جبهة الحوثيين كلفة الحرب على الولايات المتحدة، وتُقلّل من فرص تحقيق بعض المكاسب التي يمكن أن يقدمها ترامب مبرراً لوقف العمليات العسكرية، التي دخلت شهرها السادس.
يعني ذلك أن الحرب باتت تُهدّد بتدمير رئاسة ترامب. والانتخابات النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل محطة مفصلية تقلق الجمهوريين في الكونغرس في حال أجريت الانتخابات في ظل ارتفاع مستويات المعيشة مدفوعة بارتفاع أسعار البنزين والديزل، بسبب الحرب واغلاق مضيق هرمز.
وتحاول صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، تلمس تفسير للضربات المتواصلة ضد إيران، فتعزوها إلى “مزاج انتقامي” لدى ترامب، بعدما تسببت الحرب بانقسام التيار المحافظ الذي كان يحكم قبضته عليه، ما أثار قلق بعض الجمهورييين الذين كانوا قريبين من البيت الأبيض.
وثمة حلفاء قديمين لترامب على غرار مقدمة البرامج في شبكة “فوكس نيوز” لورا أنغراهام، شرعوا في استخدام منصاتهم للتعبير عن هذا القلق، وهم يتساءلون عن مصير الجمهوريين في انتخابات الخريف المقبل. ويقول ستيف بانون مثلاً: “لقد قادنا (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو إلى نزاع رهيب مليء بالأكاذيب. إن الناس يرون بأم أعينهم ماذا يجري”.
إن اللجوء إلى حملة القصف المتواصلة، هي سعي من قبل ترامب لكسر ارادة الإيرانيين بالعودة إلى “الخطة (أ) ألا وهي الخيار العسكري”، وفق ما يقول النائب الجمهوري البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب مايكل ماكول.
ويرى الديبلوماسي الأميركي السابق فيليب غوردون، أنه “من غير المرجح أن تحل المشكلة بمزيد من القصف”، بعدما قصفت الولايات المتحدة 13 ألف هدف خلال حرب الأربعين يوماً. ويخرج باستنتاج مفاده أن ثمة “خياراً وحيداً أقل سوءاً من غيره: وهو دفع ثمن لإيران لوضع حد للصراع وفتح المضيق فوراً، مع تسريع الجهود لتقليل الاعتماد عليه، وتعزيز أوراق الضغط الأميركية تحسباً لمفاوضات في المستقبل”.
عندما قصف الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون فيتنام بقسوة في خضم المفاوضات التي كانت جارية مع فيتنام الشمالية ووفد الفيتكونغ في باريس عام 1972، تسبب التصعيد وقتذاك بانسحاب الشماليين وحلفائهم من المفاوضات، ولم يعودوا إلى الطاولة، إلا بعد توقف حملة القصف.
ومن المؤكد أن ترامب، ليس بقارىء للتاريخ. لذلك، تخلى عن مذكرة التفاهم، واستأنف القصف ويهدد بالعودة إلى الحرب على نطاق واسع، أملاً بتليين موقف الإيرانيين وجعلهم يقبلون بما رفضوا التسليم به في المذكرة. لكن لا شيء يوحي بأن إيران في طريقها إلى تلبية الشروط الأميركية، بل إنها ترد بفتح جبهات جديدة وتمسك بالاقتصاد العالمي رهينة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وقوع ترامب في هذه المتاهة الاستراتيجية، جعلت المحلل في مجلة “الأتلانتيك” الأميركية ديفيد أ. غراهام يكتب بأن “مغامرة ترامب الخاسرة في إيران، هي قصة تعكس الغرور المفرط.. وللمرة الأولى منذ وقت طويل جداً- بل وللمرة الأولى في حياته إلى حد ما- يبدو ترامب وكأنه يواجه عواقب أفعاله”.
ليس أدل على تخبط إدارة ترامب من الارتباك الذي أصاب وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مثوله أمام لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ في وقت سابق من الأسبوع. فقد سرد عضو اللجنة السناتور الديموقراطي جون أوسوف بالتفصيل تصريحات لهيغسيث حول تحقيق النصر وحتمية استسلام إيران، ليسأله ما إذا كان متمسكاً بتلك التصريحات. لكن الوزير تاه عن الرد بجواب محدد، وأخذ يشيد بعظمة الجيش الأميركي، وتكرار أن أميركا لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وفي نهاية المطاف، فقد هيغسيث أعصابه وبدت عليه إمارات التوتر، عندما وصفه السناتور غاري بيترز بأنه “فاشل”.
ومع عدم وضوح الهدف الذي يسعى إليه ترامب من وراء التصعيد، سواء حمل إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات أو استئناف الحرب على نطاق واسع حتى لو أدى ذلك إلى تورط عسكري بري في مرحلة من المراحل، تكبر الشكوك في الكونغرس، ويواجه البيت الأبيض صعوبات في اقناع المشرعين من الحزبين في الموافقة على رصد اعتمادات جديدة للحرب، التي ترتفع تكاليفها البشرية والمادية يومياً. وما يوافق عليه مجلس النواب لا يمر في مجلس الشيوخ، والعكس صحيح أحياناً.
تعبيراً عن هذا المأزق، قال النائب الجمهوري السابق كارلوس كوربيلو: “باتت الحرب سحابة سوداء مستمرة تعكر المزاج العام، الأمر الذي يحبط عادة قاعدة الحزب الحاكم ويحفز أنصار المعارضة”.
وطرح الأستاذ في جامعة ويك فورست والباحث في مركز “أولويات الدفاع” ويل والدروف صورة أكثر قتامة لمستقبل الصراع، إذ ذكّر في مقال بمجلة “فورين بوليسي” الأميركية، بأن الرؤساء الأميركيين الذين أشعلوا حروباً بعد الحرب العالمية الثانية، من النادر أنهم كانوا قادرين على انهائها. ويقول إن “الرؤساء المستقبليين غالباً ما يكونون أكثر تحرراً من القيود التي تكبل أسلافهم، فهم لم يبدأوا الحرب، وتالياً يشعرون بالتزام أقل بمواصلتها، ويجدون مساحة أكبر للاعتراف بالفشل، كما يمكنهم بسهولة أكبر تعديل شروط التفاوض للتوصل إلى اتفاق”.
تغريدة للمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية ديفيد آرون ميلر الذي يعرف الشرق الأوسط عن كثب، أعادت إلى الأذهان كلام أدلى به الرئيس الراحل ليندون جونسون للتعبير عن الضيق الذي شعر به نتيجة المأزق في فيتنام عام 1968، عندما شبّه وضعه في شأن استمرار الحرب بشخص يبحث عن وسيلة نقل وسط عاصفة في ولاية تكساس قائلاً: “لا أستطيع الهروب، ولا أستطيع الاختباء، ولا أستطيع وقفها (العاصفة)”.
“هكذا يبدو شكل المستنقع” على ما ورد في مجلة “بوليتيكو” الأميركية، نقلاً عن أحد المقربين من البيت الأبيض.
